اتحادات الكتاب، التطبيع، الحكومات، وثقافة المواربة!

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2194 )

أزعم أنَّني زرتُ بلدانا كثيرة، كلما جاد عليَّ الاحتلال بالخروج، لكنني لم أرَ الإشارة الضوئية تضيءُ الأحمرَ والأصفرَ والأخضرَ معاً في أية مدينة، سواء في المركز أو في المحيط، إلا في رام الله! ذلك خلل كهربيِّ بالطبع! لِنَقُل حالة تناقض بخلاف حال الفلسطينيين بل حال ثلاثي الكتاب والأدباء:

· الاتحاد العام للكتاب والصحفيين في دمشق.

· والاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب.

· واتحاد الكتاب في الضفة والقطاع.

نعم، إذا كان ثلاثي الأضواء متناقضاً، يبدو أن ثلاثي الاتحادات متناغماً! ولا يحصل هذا إلا في مرحلة الأدب الموُارِب، المثقف الموارِب وهو بالطبع الذي ينتج ثقافة المواربة.

أُوردُ هذا بناءً على ما ورد في بيانٍ صادرٍ عن اتحاد الكتاب في الضفة والقطاع ورد فيه:

“… كما نوقشت المسؤوليات الأساسية التي تقع على عاتق الاتحاد من أجل تفعيله وأهمها الالتزام بجميع الاتفاقات التي وقعت مع كل من الاتحاد العام للكتاب والصحفيين في دمشق والاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب … كما أكدت الأمانة العامة على التزامها بالثوابت الوطنية والعمل على ترسيخ ثقافة المقاومة ومقاومة التطبيع”.

المصدر: (abed aboujamoos <alhakeem66@yahoo. com)

وبدايةً، فإن مقاومة التطبيع تُنعِشُ القلب وترفعُ الروحَ رفعةً صوفيةً/مقاوِمَةً إلى أقرب المحطات إلى الباري. ولكن ماذا عمّا قبل تاريخ اليوم؟ وهذا سؤال للاتحادات الثلاثة التي فرقتها سيطرة الجغرافيا القطرية وجمعتها هيمنة القيادات السياسية فخرجت لنا موارِبَةً لا رمزية. مَنْ يمحو الماضي، ويُغفله ولا ينقده أو يمدحه، كيف هو بالطبع، هو تماماً كمن يرفعُ شعارَ “إزالة آثار العدوان” فَشَطَبَ احتلال 1948 وساوَمَ على احتلال 1967م! هو لا تاريخاني بامتياز. كيف فهناك حتى أمماً بلا تاريخ. أما في حالتنا، فيقوم بعضنا بمحاولة مسح تاريخنا حتى القريب منه، بل المتداخل حتى باليومي. لكني أعتقد أن هذا لن يمرِّ!

لقد داس المطبعون العرب، من كتاب وشعراء وفنانات وفنانين إلى آخر تلك القائمة، الأرضَ المحتلَّةَ، تحت مُسمى دعم الشعب الفلسطيني! أقول الأرض المحتلة لا الدولة الحرة، فما موقفكم من ذلك؟ أليس الصحيح الواضح أن يصدر التزامٌ يُنادي بشجب كل مظاهر وسلوكيات التطبيع السابقة، ومن مارسوا التطبيع من المحليين والعرب؟ فالتطبيع السابق، مثلاً الاعتراف بالكيان الصهيوني منذ 1948 (الاعتراف الأحمر) هو آفة التطبيع القادم (اعتراف اكمبرادور) يا للعجب كيف تتداخل هذه السلالة[1] وتلك وتتواصلا؟ وهو الذي يُشَرْعِنُ العديد من التطبيعات سواء بزيارات عرب إلى هنا أو بخروج محليين إلى الخارج الأوروبي في مؤتمرات ومنح ودورات وغيرها، والله أعلم!

كيف نصد الطوفان، إن لم نبنِ السدود ونصلح الأرض التي خربها تسونامي التطبيع فصارت يباباً؟!

كيف للجيل الجديد أن يؤسِّس على الاتحاد الحالي إذا لم يقدم أرضاً نظيفة للإخصاب؟ كيف للمرأة أن تحمل وتنجب ما لم تتطهِّر من بقايا حمل سابق حتى لو كان حقيقياً وبالحب الحر، وليس بحرية الحب الممنوحة؟

إدانة التطبيع سابقاً، تدين من طبَّعوا، وعندها سنرى كم كاتباً سيُثبت انه كاتبٌ؟

لكن، وكي لا نظلم أحداً، لا بد من إعطاء كل ذي حق حقه، وذلك بتقسيم الكتاب حسب أضواء مدينة رام الله:

o “اللون الأصفر” اتحاد كتاب الفن للفن، وعلى رأسهم كتاب اعترفوا بالكيان وطبعوا معه وأولهم شيخهم الشاعر الراحل الذي لم يجبني على تساؤلي حول كيفية اغتيال ناجي العلي! والشيخ محاطٌ، حتى بعد رحيله، بِمَدَّاحين وَنَوَّاحين عليه، يمدحونه بالمجلدات ولا ينقدونه بجملة!

o “اللون الأخضر” اتحاد كُتَّابٍ نِقابِيّ لمصالح الكتاب بمن فيهم الذين ينقدون المرحلة والسلطة في بحثهم عن تحسين شروط المعيشة والتقاعد، وربما تخفيض الأسعار رغم أن هذه من مقدسات السوق!

o “اللون الأحمر – إذا تخلص من تراث عيب سلفه في الاعتراف- اتحاد كتاب سياسي (وطني /قومي/طبقي) يضم الكتاب الملتزمين سياسياً والمتمكنين فنياً.

أما كتاب الحكومات، فهم بمختلف الألوان!

فهل سقطت الاتحادات الثلاثة في لقائها بدمشق في خانة كتاب الحكومات؟ هل ما حصل في دمشق هو توافق سياسي يضاجع التسوية ولا يعشق المقاومة؟ توافقٌ لمْ يقمْ حتى على المعايير الفنية، لذا فقد جاء بلا لون ولا ضوء.

حين ينزلقُ الوطنُ من تحت أقدام أهله، لا تعودُ هناك حرية في المواقف؟ لا يمكن لك أن تكون وطنيا اليوم ومطبعاً غداً، وتقول “أنا حر/ة”! لا، فَحُرِّية السوق لا تنطبق، هذا إن وُجدت، على الموقف من الوطن!

وحرية السوق، أي شموليته، يجب ألا تطال حرية الفكر. بوسع الحكومات أن تفرض قوانين على السلع والملكية الخاصة، وما أسوأ الملكية الخاصة! لكن ليس لها أن تتدخل في الفكر والثقافة، وهي المستوى الدراويشي من الفكر، مقارنة بالصوفية والفلسفة.

ما حصل في دمشق كان حقيقياً لو أنه اشترط شجب التطبيع السابق ومراقبة التطبيع اللاحق، حتى لو بوضع “قنَّاص على الجسر” كما كتب ضدي مطبع فلسطيني ذات يوم لفرط ما أوجعه نقدي.

حين تعلن حكومة أنها سوف تصوغ ميثاق شرف ثقافي (خطاب د. سلام فياض في تسليم جائزة محمود درويش)، نقول على الثقافة السلام! فليس للحكومة يداً على الثقافة إلا بالقوة والقسر. هذا إلا إذا قصد السيد فياض ثقافة التسوية/أوسلو التي عارضها درويش رمزياً ومارسها فيزيائياً، بينما نُحر ناجي العلي سلفاً كي تمر.

هي المواقف إذن! هي الحساسية والإحساس العالي! هي لحظة صدق في تربية بناتنا وأولادنا ليعلموا ويتعلموا، خطورة الوعي المتلاعِبْ والتلاعب بالوعي ونفاق المرحلة. بل كي يُغنُّوا للوطن وليس للدولة والمال والثقافة الحرام.


[1] مصطلح السلالات في الأساس للناس، للأجناس وهو من توليدات علم الإنسان (الأنثروبولوجيا-وهو مفصل لفهم آليات استعمار العالم الثالث)، لكن بعض علماء الإنسان الماركسيين ولَّدوا منه سلالات أنماط الإنتاج Lineage Mode of Production ، ويمكننا توليد سلالات العمل السياسي. ما قصدته هنا أن كثيرين من اليسار المعترف بالكيان تبعته الأجيال الجديدة بالاعتراف واتخذ حتى طابعاً حمائليا واسرياً. يمكننا بالطبع فهم هذا التوارث لدى البرجوازية حيث يرث الإبن ثروة ابيه -المسروقة بالطبع كملكية خاصة- أما ورثة الموقف السياسي والإيديولوجي ففيه مصادرة على الوعي !