الشيوعي العراقي وسيكولوجيا النعامة!

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2196 )

في بداية عقد التسعينات بدأت ملامح الانقلاب على الحكم السوفياتي تلوح بالافق، ومعه بدأ قلق الذين كانوا مرتبطين به والمخلصين لقضيته فاصيبوا بنوع من الكآبة السياسية. اما الذين كانوا يعتاشون على وجوده معتبرين اياه الشريان الذي يزودهم بالطاقة فقد اصيبوا بحالة اضطراب مشوب بالتوتر والخوف من المجهول، وتحول هذا الخوف عند البعض منهم الى حالة من فقدان التوازن، واخذ عند الاخرين حالة خوف مرضي قهري جعلهم ينداحون الى القطب المعاكس بروح مستسلمة وهي تهذي متوسلة بقبول اعتذاراتها المبرهنة بقذف السوفيات بما لا يتخيله حتى دهاقنة الحرب الباردة الذين تفننوا في حملات الاعلام المضاد للنظام السوفياتي بل وكل ما له علاقة بالاشتراكية والشيوعية من صلة او موصول. انهالت طوابيرالاعترافات الخطيرة والتافهة وبصيغ مختلفة، منها ما هو كاشف لطبيعة الصلات والادوار وبالتفاصيل المملة ومن دون طلب من احد ما او ضغط منه، ومنها ما كان تنكرا لبعض المواقف او البراءة من الاستراتيجيات التي كانت سائدة وقتها، او التظلم من خداع النهج السوفياتي بحسب ادعاءاتهم!

مع تصاعد نبرة وحدة الانقلاب في المركز كانت تتصاعد حمى انقلاب الاتباع والمنتفعين في الاطراف. حاول بعضهم الاحتماء بالمدارالصيني او الكوري لكنه لم يجد ذلك الحضن المغدق بعطفه الاممي النزيه والدافيء فانكفأ على نفسه باحثا عن خلاص من نوع اخر. وبعضهم غير من اسلوبه وجلده ليتكيف مع المتغيرات من دون ان يعبر للضفة الاخرى لياخذ الامان منها اي اعتمد على نفسه فمن جد وجد ومن بذر حصد، بعضهم راح يعتبر الشريان الابهر شريان اغبر نفخ فيهم الغبرة التي لا تستكين الا بعملية جراحية تزرع شريانا اصطناعيا جديدا لا يشرف عليه الا السيد الاوحد للعالم الجديد، زعيم الديمقراطية والمدافع عن حقوق الانسان والحيوان، زعيم العالم الحر وصاحب نصب الحرية ـ الذي كان يوصم من نفس هذه العينة تحديدا بزعيم الامبريالية العالمية وعدو الانسانية الاول ومصاص دماء الشعوب ـ!

انهار الاتحاد السوفياتي وانهار المعسكر الاشتراكي وانهار جدار برلين الذي وحتى قبل انهيار الاتحاد السوفياتي كان يعبر عن حالة اندماج تلقائي من ـ المهزوم بالهازم ـ هكذا حبذ الصنف المغادر الى شواطيء القطب الاوحد وصف الحالة ليستسهل بعدها سحب المعنى على سلوكه، بل راح يعمم السقوط ويجعله شاملا، وذهب ابعد من ذلك عندما اعتبر حركة التاريخ كلها قد اتخذت مسارا اخر غير مسار الفهم المادي له وراح يعلن ودون وجل نهاية فكرة الثورية التاريخية وحتمية المقاومة وبعضهم سفه جوهر المقولات الجدلية بطرق مبتذلة راكبا موجة سونامي التشويه!

تقمص بعضهم دور الفنار الهادي فراح يفرغ الفكرة التي اعتاش عليها من محتواها ليحشيها من هنا وهناك مدعيا بانه كان يتوقع ما جرى بل وحذر منه متدرجا بمصاهرته لليبرالية بنسختها الجديدة!

كانت طروحات بعضهم وانقلاباتهم الفكرية تحديدا تاخذ شكلا من اشكال التراجيديا انها مآساة وملهاة وكوميديا سوداء بنظر كل مبصر لا ينظر للامر وكانه قد سرح من عمل جند له كل حواسه وانما هواحتدام للصراع نفسه وخسارة كبيرة لها ما يبررها لكن القضية برمتها ومحركاتها باقية وما تزال حية فلم يكن الاتحاد السوفياتي هو منتج للصراعات الطبقية ولا خالقا لها، بل ان قيامه وانهياره هو احد نتاجاتها وهكذا دواليك!

احدهم كان ايام العز السوفياتي يتفلسف ويتعنقر ويتهرهر في التنظير والتغني المسلطن ومن العيار الثقيل بروافد العملية الثورية وبسمة العصر وما بعدها، وتجده اليوم وبنفس القوة والتهرهر يشمت بالسوفيات بل ويذكر الاخرين بان ذكرى ثورة اكتوبر قد نسيت لان تاثيرها قد اندثر،، اقول عجبي على الذين ما زالوا يحتفظون باخلاق القردة رغم تغير معظم الخرائط الوراثية الفاصلة بين زمن تحول القرد الى انسان!

عام 90 واجتياح الكويت ثم حرب استعادتها عام 1991 فمؤتمر بيروت للمعارضة العراقية الذي كان يشكل حالة انتقالية ما زالت توازن بين تجاذبات الشرق والغرب، ثم مؤتمر فيينا للمعارضة 92 حيث الانحياز الاولي للمشروع الغربي ـ الامريكي ومخابراته السي اي اية واول ظهور واضح للجلبي ـ حتى خاتمتها بمؤتمري لندن وصلاح الدين، وقبلها بروز تنظيم المؤتمر الوطني العراقي وجعل شمال العراق تحت الحماية الامريكية والانفكاك الكامل عن ارتباطات وتفاهمات قوى المعارضة في دمشق، بحيث لم يبقي منها بعيدا عن التأمرك غير بعث قيادة قطر العراق وبعض الجماعات العراقية القومية وبعض التنظيمات الديمقراطية الوطنية الصغيرة. اما الاخرون وبالتعاقب ـ جماعة البارزاني والطالباني وجماعة الدعوة والحزب الشيوعي العراقي (حشع) ـ فانهم انخرطوا وباشكال متفاوتة وتحت ذرائع عديدة بالمشروع الامريكي طبعا من دون اعلان رسمي فالعمل كله كان مخابراتي تحت واجهة المؤتمر الوطني وتحركات المعارضة العراقية هؤلاء عملوا الى جانب جماعة الحكيم من ايران وجماعة الملكية الدستورية وسعد صالح جبر واياد علاوي من لندن على شرعنة الحرب على العراق بحجة انها حرب على “نظام صدام” وليس الشعب العراقي وانها ليست لاحتلال العراق وانما لتحريره، لذلك زار اغلبهم واشنطن وقدم هناك اوراق اعتماده وخاصة قبل الغزو باشهر ومنهم معظم الواجهات الحالية التي تسلسلت في الظهور منذ مجلس الحكم وحتى الان ـ الحكيم البارزاني الطالباني علاوي الجلبي الجعفري الياور محمود عثمان حميد مجيد موسى الخ ـ!

حشع لم يعيد تقييم المتغيرات وانما هرب للامام وكان هذا الامام امر واقع بالنسبة له ولا مناص منه ومن دون ان يلتفت للوراء ليس لانه قد تجاوزه بل لانه يخاف منه ومن تداعياته، فتقوقع على نفسه محتميا بامراء الشمال متمسكا بالاسم وبعض الاكسسوارات متحولا لدكان سياسي يعتاش اصحابه على العطاءات، وما ان انكشفت اللعبة كلها وصارت الاوراق مكشوفة امام الناس وفرضت العلنية الحالية شروطا لتواصلها بعلنية عن المستور مما جرى، ولكي يعرف الناظر ويحكم ـ بالقياس ـ ويصنف المعروضين باحساس لابد من فتح كل الملفات، فكل من هم في العملية السياسية مسؤولون عن الذي جرى ويجري للعراق وشعبه علموا وعملوا بذلك ام لم يعلموا او يعملوا!

في كتاب بريمر عامي في العراق يتحدث عن مقابلته لعزيز محمد السكرتير التاريخي للحزب الشيوعي العراقي والاب الروحي لحميد مجيد قائلا : استدعيته حتى ارى امكانية الاستفادة منه لمجلس الحكم عن الجانب الكردي فوجدته يتحدث ومن دون مناسبة عن بيروقراطية القيادة السوفياتية وعن الجمود العقائدي عند بريجنيف!!

عندما صوت حشع على تمرير الاتفاقية الامنية طويلة الامد مع المحتلين الامريكان، علق حميد مجيد قائلا :” ان تمرير الاتفاقية هو افضل السيئات.. ” اراد ان يقول لا يوجد خيار افضل من الاتفاقية وتمريرها، لكنه لم يحسن القول لا سباكة لغوية ولا سباكة سياسية، والحقيقة ان حشع صار في دوامة من السيئات لا يستطيع الا ان يختار منها وذلك لان مصيره ارتهن بوجودها، وهو قد فقد القدرة تماما على التطلع للخروج من الدائرة السيئة التي تاه بها!

حشع ينكر وقفته وتنسيقه مع الجانب الامريكي، وينكر تعاطيه مع المحاصصات العنصروطائفية وينكر تلقيه ومايزال للرشى من قبل امراء الشمال لقاء تبعيته لهم، وينكر انه اصبح حزبا لا يخدم سوى مصالح المتنفذين وينكر كونه تخلى عمليا وحتى نظريا عن اي رابطة له بالشيوعية، ينكر كل ذلك خوفا من اعلان الحقيقة التي ستجعله يعلن افلاسه الحاصل في الواقع، وهو لا يريد ذلك مازال استخدام الاسم والاكسسوارات يعود عليه ببعض الوظائف والعطايا!

حشع يطنش، ويضع راسه بالرمال كالنعامة حتى لا يرى ما يراه الناظرون له وحوله وحولهم!

حتى موضوعة الايادي البيضاء التي يتبجح بها المحاججون من تجار الماركة الشيوعية عندهم ـ اي نزاهتهم وعدم سرقتهم لاموال الشعب ـ فهي مغالطة ذات شقين:

ـ الاول، انهم عجزوا عن تمييز انفسهم عن جوقة الحيتان الكبيرة، فراحوا يستشهدون بشحة مواردهم كدليل على نظافة اياديهم، لكنهم نسوا ان الفساد ينخرخهم وان كان فسادا فقيرا، فلا فرق من حيث الجوهر بين فساد ثري وفساد فقير ونفس الشيء ينطبق على الكذب فلا وجود لكذب ابيض واسود الكذب كذب والفساد فساد، فمن كان يتعامل بالمحسوبيات والمنسوبيات داخل حزبه قبل الاحتلال ومن كان يتاجر ويستثمر بالتسهيلات الاممية ويجيرها لمصالحه الشخصية لا ينقلب بعد الاحتلال الى تائب وناسك وزاهد خاصة وان رئة العراق بعد الاحتلال لا تتنفس غيرالفساد، تريدون معرفة حقيقة اياديهم الفاسدة؟ ما عليكم الا بفتح ملفات مساعدات منظمات المجتمع المدني القادمة بواسطة الجمعيات العراقية في الخارج والتابعة لحشع نفسه وما عليكم الا بمطالعة المنح التي تقدمها بعض دول اللجوء والتي يتحايل على نهبها عدد من قياديي حشع بواسطة منظمات وهمية ومشاريع وهمية. ان من يسرق ويتحايل على قوانين بلدان اللجوء سيتحايل ويسرق حتما من المال العام في بلده الاصلي ـ كلها اموال عامة ـ الا اذا كان حشع ينظر لبلدان اللجوء على انها ديار كفر حلال سرقتها كما يفعل المحتالين من بعض الاحزاب الدينية، يكفي ان ننظر الى وجود مجاميع تعتاش وترتزق على هبات الامراء الاكراد لقاء تطبيل حشع لهم.

والشق الثاني، ان حشع لم يكن شفافا وفي اي وقت من الاوقات حتى تكون نتيجة الحساب بيضاء او سوداء، وهنا نحن نتحدث عن فترة العفن التي سادت حياة الحزب الداخلية وتحديدا منذ فترة الخروج الكبير 1979 من العراق وحتى الان، وهذه الحقيقة لا تمنع بان الاكثرية الساحقة من قواعد الحزب وبعض قادته وكادره كانوا من المبدئيين والاصلاء وغير الفاسدين ومن ذوي التربية الشيوعية غير الانتهازية والتي تركز على نزاهة القلب والعقل نزاهة اليد والقدم نزاهة الفكر والسياسة.

حشع لا يريد ان يرى نفسه بالمرآة الان لانه لا يريد ان يقارن بين ما يقال عنه وبين صورته التي تؤكد حقيقة هذا الذي يقال، وضع الراس بالرمال والتطنيش هو مخرجه الوحيد للاستمرار!