حين يكون الدين في :”صفِّ الجوع المنتفض”

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2196 )

هي الصفحة الأولى، الومضة الأولى، اللحظة الأولى؛ هل ننتظر نهاية الكتاب حتى نقرأها، أم نبادر بقرار ثقافوي قسريٍ للترهيب منها، بالتقوُّل الحرام وشق الجيوب على الشهداء، وهم موتى أحياءً.. فما الأشرف إذن! حتى مع الومضة السابقة للانفجار صرخ “العقلاء” بنفي وجفاء ومجافاة، بانها صدفية عفوية دون إعداد. فلا يجوز للفقراء مجرد الحلم من خارج أدمغة الحكماء. ولكن من أين للفقراء أناة من يرسمون الكلمات ميتة بليدة كتيمة مصمتة كالحصى ملسة باردة كالزجاج؟ من أين لهم أن يتأنوا كمن يرسم لوحة باليد. لكنهم أيها السادة يرسمون لوحة التاريخ. يُحرجون لغة الثقافة المتصالحة، والاحتفال بالنُصُب، ولصق النياشين، والصمت، والنوم الطويل العميق، والقلق الشحيح على المال والراتب والتقاعد والقيمة الزائدة لأصحاب الوجود الزائد عن المرحلة.

هي اللحظة تأتي على غفلة فتهزنا؛ هي الوطن، يكنس/تكنس من طريقها الأوطان المبتكرة من خطاب السفسطة اللغوية؛ “الوطن الرمز، ذاكرة الوطن، الوطن كذاكرة، الوطن في الحقيبة، ذاكرة الحقيبة، الوطن القصيدة…”. تكنس الوطن المتغذي من الأنجزة ومال المانحين/اللصوص حقيقة، ليبقى بعد ذلك التراب والمحراث والأقدام المشققة والأصابع التي تلدغها أفعى التسوية ولا تتسمم!

إنها الحركة الاجتماعية، تغافلنا دون استشارة، وتلاحقنا قبل أن نلاحقها على الأقل لنفهمها، لا تنتظرنا كي نفهمها، ولو كنا قادرين لكنا نحن منها وفيها. هي عفو الخاطر، هي الانتفاض وليست الانقضاض، فالانقضاض للعسكر، والانتفاض للناس. هي روح الشعب، فحياتها بلا مادة، وديمومتها بلا سلاح، وانتصارها بتكرارها.

هل ستكون الانتفاضة الثالثة؟ ولِمَ لا؛ فلتنقصها أوامر القائد ذي النياشين ولا يعلن انطلاقتها بورزان الجيش؛ هي وحي الجيل المتفجر بالبحث عن لحظة حرية وكرامة. ومتى قاد الجنرال انتفاضة؟ فلماذا يُعتب على القيادة تأخرها وراء الناس، هذا العتب هو نواح الخوف من الآتي، والآتي للناس وليس للقشرة والنخبة؟ ينتمي هذا الخوف والقلق ولطم الخدود وشق الجيوب إلى هوامش المؤسسة، مهما بالغ في شتمها، هو إحدى زوائدها، تشريبة من تشريباتها (قطعة تضاف لأحذية الفقراء لأنهم لا يملكون ثمن أحذية جديدة).

ليست الانتفاضة صنعة مثقف متأرجح متلقلقٍ مثل زقِّ لبنٍ أخرج منه الزّبدْ. أو أكاديمي يقيس الثورات بعدد الكلمات ومواضع الفواصل والنقط. هي تراث الزنج وقرمط، وهي حرب غوار المدن نبيّها كارلوس مارجيللا. كان مثقفاً، لكن بلا رياش. هي استغاثة التراث ونداء المستقبل، هي عبق الإيمان الفطري. هي الرد على تقاسم الوطن مع العدو، وهي رفض اصحاب المساطر الثقافوية حيث كل خطوة بحساب. ليست فعل بخيل يؤمن بالعملة والدولة فينفق كي يربح لا كي يعيش، فما بالك أن يُطعِمْ!

حراك الناس هي، لا نعرف مبتداها ولا نعرف منتهاها، لكننا نعلم مبتغاها. لا حساب ولا محاسبة. ستسقط هذه شهيدة، وذاك جريحاً وتضيع أيام دراسية، وتحتر ق عربات وحوانيت ملأى بمنتجات الأعداء من المركز إلى أرض الإحتلال الأول ومستوطنات الإحتلال الثاني. فلتضِعْ هذه، فكل الماديات على طريق الزوال، ولا تعلو سوى الروح، بهذا وحسب يتشنَّج الصهوني متسائلاً قلقاً: “…مرة أخرى قلق أنا على مجرد وجود الدولة”!

تطن في أذني اللحظة كلمات متقاتلة متسائلة مرتبكة بلا ناظم/ مع أن مصادرها متآلفة متحالفة تجمعها مصلحة من جلوب باشا إلى الأدميرال دايتون إلى الذين ينام على رياشهم، إلى مثقفين ذوي روح حلقية يرون في أنفسهم قدر التفكير نيابة عن الفقراء يقولون: ليس الآن، هذا الحراك فَطيرا- لم يتخمر العجين. ايها السادة والسيدات متى اختمر كل شيء! كل هذا الجّوقُ يطارد الصبية، يضع العيدان في دواليب عجلاتهم الصغيرة كي تتوقف، خوفا منهم، بل خوفاً على أنفسهم، على رغد العيش ومقدار الراتب ودخل المشروع وقص الكوبونات، وخلخلة أداء مجلس الأعمال الإسرائيلي الفلسطيني، وتعطل الفاكسات والكمبيوترات التي تنقل حوارات التطبيع الثقافي، وتنقل تقارير مراقبة المحرضين الثقافيين، ولكن باسماء مستعارة.

وهو الرعب من الإسلام المقاوم، فبقايا من الماركسيين نظًّروا للتسوية كي تقع فوقعت، صفحات لا تُحصى عن وجوب الاعتراف، ضرورة التسوية،، الذين فاوضوا، ورنخوا في نعيم أوسلوا. فانتهوا إلى التخلُّص النظيف من العقيدة تلك، واحتفظوا بكره القومية والإسلام ونسبوا هذا الكره إلى العقيدة وهي من ذلك براء. وتظللاً بهذه المظلًّة باتوا يحذرون من الانتفاضة، ويعتبون على الذين حكموا الناس ولم يقودوهم. وهم أنفسهم ممن سخَّروا ظهورهم/أقلامهم ذات زمن لهذه القيادة، ومدحوها حية وأبَّنوها حال رحيلها. حكمة التاريخ أنه سجلٌّ.

قرأ هؤلاء الماركسية مقلوبة بترجمات غثة، وقرأوا الوطن بعيون التقاسم مع العدو، وعبر مسيرة العرج والعوج والأخطاء ظلوا مأخوذين وممتطين ومركوبين بوهم القدرة في التحليل والقيادة، وهم مثابة هروب إلى الأمام.

هناك من يحبس أنفاس الناس، ولكن ما من أحد يحسب أنفاس الناس أو يتنبأ بفعل الفقراء والمستضعفين متى تتفجر طاقة الروح فيهم. فحساب طاقة الدخل والبورصة والترف والرياش والفذلكة ممكن طبعاً، أما طاقة الروح فهي للروح وحدها. وإذا كان حسابها محالاً فردَّها محال ايضا، وهي تمضي إلى مصيرها، حتى تصل نهاية لا تقلق منها او عليها، لأنها ليست مشروعا تجاريا يقوم على دراسة الجدوى؟ هي انفلات الروح من قيد اللحظة.

ليس الخوف لدى هؤلاء على الوطن، لكن الخوف على فقدان القيادة لآخرين! وحين تصل الأمور إلى هنا، فلا عتب!. فهل نختم بالقول: من لا يطيق الإسلام المقاوم فليقاوم. ومن يرَ الانتفاضة عنفاً لا يلمس نبض الفقراء، وذلك النسغ الجميل الذي يُرضع حاملة/ل الحجر. هناك من يصنع التاريخ، وهناك من يسجله خطأً أو يعيقه، وما أبعد هؤلاء عن أولئك.