مرة أخرى حول شعارات “تحرر المرأة” ومهرجاناتها

محمود جلبوط

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2196 )

كنت قد تناولت هذا الموضوع في مقال سبق ونشر قبل سنتين من اليوم بتاريخ 21.3.2008 على موقع الحوار المتمدن تحت عنوان “حول شعار تحرير المرأة وأخواته”، ولأن الكثير من المحاولات استمرت في مهرجانات يوم المرأة العالمي، ونقصد 8 آذار، إلى اليوم بل زادت في طرح شعارات تحرر المرأة ومساواتها هكذا تعسفيا دون الربط بأسبابها الموضوعية وبمعزل وبتجريد من/عن الآليات الاجتماعية المتعلقة، ولعدم تناول الأسباب الحقيقية لاضطهادها كنصف للمجتمع فتتحول هذه الشعارات بهذا العزل العضوي إلى جوفاء هذا إن أحسنا النوايا، ولكن الإصرار على تعميمها وغيرها من مسميات تهدف في الحقيقة إلى أكثر من تحويلها إلى جوفاء. والحقيقة أن المرأة تزيد على الرجل حيث تعتبر عمليا المنتج البيولوجي لهذا المجتمع أو لنقل وسيلة إنتاجه الإيجابية على اعتبار الرجل وسيلته السلبية، وهي بهذا المعنى تعيد إنتاج قوة العمل البشرية في بطنها ثم ترضعها وترعاها حتى يقوى عودها لتتمكن فيما بعد متابعة عمليات الصيد أو الالتقاط قديما، وإنتاج فضل القيمة حديثا.

فلو أمعن المرء النظر فيما يجري من تعاط مع هذه الشعارات وغيرها في المهرجانات والخطابات حول المرأة ودعوات تحررها وحتى الكثير من الدراسات والمقالات وجلسات الحوار التلفيزيونية، بل أنه لو رصد ما يجري من استيلاد لمنظمات نسائية تحمل مسميات مختلفة وخاصة التي تجري تحت رعاية السيدات الأول للقطريات العربية بالتساوق مع ما يجري من مفرخة واسعة لاستيلاد منظمات الأنجزة برعاية رأس المال المعولم بشقيه طبعا كما نكرر دائما، ورصد الميزانيات الكبيرة من قبل دول المركز لتمويل نشرها على أراضي المجتمعات الطرفية وبشكل خاص التي يحتلها عسكريا ( العراق-فلسطين-أفغانستان-دول الخليج ) أو التي يخطط لاحتلالها أو التي يسعى لتذريرها، لأدرك، ومن خلال إدراجها على سلم أوليات أجندات الرأس المال في أوساط المجتمعات، أن القصد هو حرف وتعمية وتضليل عن السبب الحقيقي والجوهري الذي يؤدى ويسبب الأوضاع المزرية التي تعاني منها ليس المرأة لوحدها بل المجتمعات العربية بمجملها وغيرها من جوع وفقر واغتصاب وتجهيل وتشريد ومهانة وسجن واحتلال وقتل وتدمير. إن في التاريخ القديم على مدار التشكيلات الاجتماعية المتعاقبة، والحديث وما تعرضت له الشعوب في معظم بقاع العالم (ومازالت مستمرة في فلسطين) من إبادات جماعية (نساءا ورجالا وأطفالا وشيوخا) منذ مرحلة المركنتالية إلى الاستعمار من قبل العنصر الأوربي والأنغلو سكسوني، أو الراهن وما تعانيه البنيات الطرفية بشكل خاص في عصر رأس المال المعولم : ألا وهو نهب الشعوب وثرواتها الطبيعية، وفائض الإنتاج الاجتماعي المتكون من عمل من لا يملكون سوى قوة عملهم أو أجسادهم للعمل بها منذ انبثاق الملكية الفردية وتعممها كعلاقة اجتماعية في ظروف تاريخية معينة. هذا الهدف الذي بذلت/ تبذل كل الجهود واستعملت/تستعمل كل الأيديولوجيات والمسميات المضللة للتمويه عليه، خيضت/تخاض من أجله كل الحروب : الأهلية-القومية-الوطنية-العالمية، ومن أجله أبيدت/تباد شعوب بأكملها باستعمال كل ما توصلت إليه الروح البشرية الشريرة من سلاح الدمار الشامل الذكي منه والغبي.

ولهذا فنحن نرى إن مكمن ما تعانيه المرأة والرجل معا هو بما جرى في لحظة معينة من عمق التاريخ البشري وما طرأ فيما بعد تاريخيا من تطور للملكية الفردية وما ترتب على أساسها من تكون علاقة اقتصادية-اجتماعية-فكرية-سياسية أسس لانطلاق صراع اجتماعي طبقي ممتد أنتج على حوافه بعد ذلك للتضليل الكثير من أيديولوجيات وأديان وقوانين لحسم انتصار من ملكوا الفائض ولتأبيد ملكية ما حصلوا عليه في لحظة تاريخية مبهمة اختلفت البشرية في تحليل أسبابها وتصارعت وأنتجت في ظل هذا الصراع كل ما استطاعت من فكر وفلسفة ونظريات وعلوم.

أن نقطة انطلاق التمييز بين الجنسين ما زالت تتدحرج في طيات ما جرى تاريخيا هناك في سياق تطور الملكية الخاصة، ولفهم ما يجري علينا العودة لمراجعة هذا التاريخ البشري بالتحليل وليس رده إلى النزعة الفطرية لدى الإنسان نحو التملك، وإن العودة للتاريخ تحليلا تحملنا إلى اللحظة الأولى للتناقض الاجتماعي الذي تم عبر تقسيم العمل الفعلي عندما راح الرجل يخرج للصيد والزراعة البدائية خارج المنزل، وتبقى المرأة في المنزل تعتني بما يحمل لها رجلها من صيد وحصاد بدائي إلى المنزل، وبما تختص به هي وحدها دون الرجل من إنتاج لصياديين جدد تحملهم في إحشائها 9 أشهر ستكون مسؤولة عن إطعامهم وتنميتهم جسديا عبر إرضاعهم من حليبها هي ورعايتها لهم بنزعتها كأم فطرتها الطبيعة عليها. وتتابع هذه الحياة فيما بينهما بحيث يراكم الرجل عبرها من خلال عمله خارج المنزل المادة والمعرفة بما يحيط والخبرة به، وتراكم المرأة من خلال حصرها واضطرارها البقاء في المنزل للقيام بمهمتها المنوطة بها ضعفها وهزائمها المتلاحقة إلى يومنا هذا.

وأمام هذا التفارق الحاد في توزيع العمل والذي يتابع الرجل في ظل علاقته بنسج خيوط سلطته، بينما تبقى المرأة داخل شرنقتها المنزلية خارج نسيج السلطة المحبوكة من قبله ذكريا، إلى أن جاءت اللحظة الحاسمة، والتي ما زالت في الحقيقة مبهمة ومثار خلاف بين المحللين التاريخيين وأصحاب النظريات الفلسفية المختلفة، في تكون فائض ما عن حاجة الفرد، بالرغم من تواضعه الكبير بالمقاييس الاقتصادية المتعارف عليها، تشكلت العلاقة الثنائية بين المرأة والرجل على أساسها وتمكن من مبادلة ما حازته من فائض متواضع بفائض آخر متكون لدى أسرة أخرى، وراحت هذه الطفرة المتواضعة تؤسس لعلاقة جديدة كل الجدة عن علاقة اجتماعية سبقتها، تحكمها علاقة سيطرة للرجل على المرأة لتفتح آفاقا واسعة ولترسخ لتميز اجتماعي ولانطلاق مسيرة صراع طبقي قائم على تناقض المصالح مستمر إلى يومنا مخلفا كل ما مرت به البشرية من آلام لا تنتهي إلا بانتهاء المسوغات التي قامت عليها ألا وهي مصادرة الملكية الفردية.

في الوقت الذي كان التفاوت بين المرأة والرجل ضعيفا نسبيا حين كان القسم الأساسي من وسائل المعيشة ينتج في المنزل، أصبح واسعا عندما صار التبادل هو المظهر السائد للاقتصاد، وعندما صار يخلق ضبط وتوجيه هذه المبادلات آليات معقدة من الإدارة والتنظيم السياسي وتوسع المعارف، فصارت كل هذه الأدوات الجديدة الإدارية والتوجيهية نوعا من الامتيازات الذكورية.

بل يلاحظ أنه كلما كان اقتصاد الحاجة يتراجع أمام اقتصاد السوق في بنية مجتمعية ما فإنه يتحدد ويتكون تمييز اجتماعي واضح وراسخ بين الفئات الاجتماعية تحاول الفئات والمجموعات السائدة فيه تبريره بحجج مختلفة ومكررة عبر التجربة التاريخية البشرية إما بادعاء التمايز العرقي أو التمايز الجنسي أو الطبقي، ويتكون تميزا اقتصاديا خاصا بعينه بين عمل منزلي تماما بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وبين سلطة اقتصادية سياسية عامة أقامتها وتتحكم بها تلك الفئة التي أخذت على عاتقها تنظيم جميع أوجه الحياة الاجتماعية خارج المنزل الأسري على كافة المستويات الاجتماعية والاقتصادية. لقد أسس هذا لأول استرقاق إنسان لأخيه الإنسان، وعندما تحولت هذه العلاقة إلى إمكانية محققة بممارستها ثم قنوتها عبر المؤسسة الدينية المتكونة آنذاك وتحولها إلى عرف اجتماعي بعد ممارستها عقود طويلة من التاريخ البشري أسست لنشوء تشكيلة الرق الاجتماعية لاحقا والتي دفع للانتقال إليها التملك الفردي للأرض إثر الخطوات الأولى في مسار التقدم التقني، وحيث مكنت الزراعة وتربية الماشية من الاستقرار على الأرض بعد أن تحولت الأرض إلى وسيلة إنتاج، وتم استجرار فائض إنتاج غذائي من تشغيل ضعفاء القبيلة وسجناء الحرب، مما دفع لأن ينظر إليها على أنها تشكل قوة عمل ذليلة صالحة للاستثمار أدى إلى رفع سوية إنتاجية العمل وتقسيمه مما زاد من دورالمبادلات التجارية، وهذا ما لم يكن متاحا في الأزمنة السابقة للرجال اللذين كانوا يمارسون الصيد والتقاط الثمار.

ولكن ما يلفت النظر تاريخيا وما زال لدى العديد من المجتمعات خاصة الطرفية منها، ولهذا دلالة كبيرة في سياق الصراع الطبقي، أن لا يدرج العمل المنزلي ضمن الإنتاج القومي أو الداخلي الخام، كما لو أنه لا يساهم بشيء في بناء الثروة الوطنية المجتمعية، في حين أنه يشكل عنصرا جوهريا في إنتاج الثروة وكأن أول تقسيم للعمل بين الرجل والمرأة راح يؤرخ لأول قمع إنساني لإنسان، مارسه الرجل على المرأة، وكان هذا أكبر هزيمة تاريخية للجنس النسائي كما قال انجلز. بل أن الطامة الكبرى عندما تتمكن المرأة للخروج من دائرة العمل المنزلي وتنخرط في العمل خارجه فغالبا ما تلحق بالوظائف الهامشية الأقل اختصاصا وتتلقى عليه أجرا أقل مما يتلقاه الرجل لنفس العمل.

لقد أكد الرجل بعد انتصاره الناجز على المرأة هذا التمييز الاجتماعي الاقتصادي عبر بنية فكرية فوقية تجلت في العصور الاولى من خلال نصوص لاهوتية ودينية متأخرة من خلال ما نصت عليه كثير من النصوص الدينية للأديان جميعها، وعبر ما سنت من قوانين وتشريعات في مرحلة مبكرة مما جرى أيام الحضارات الأولى المتعاقبة أو مما سن من شرائع ودساتير في مرحلة لاحقة متأخرة ما زالت تمتد في دساتير الكثير من المجتمعات حتى عصرنا الحالي، وأيضا من خلال ما تجلى ويتجلى من عادات وأعراف حكمت العلاقات بين أفراد البنية المجتمعية وخصوصا المرأة والرجل، عبر المراحل التاريخية المعينة لكل بنية مجتمعية حسب ما كان يسودها من علاقات انتاجية ودرجة تطور قوى الإنتاج فيها.

وليس مستغربا أن يستمر إلى الآن طالما ما زالت ملكية الثروة ووسائل إنتاجها في آخر تشكيلة اجتماعية بشرية في عصرنا الراهن، وهي الرأسمالية، ملكية فردية خاصة، والتي أدت وفق ما سبق، إلى كل أسباب التمييز الحقيقية : بين الرجل والمرأة وتكون الطبقات، وكل الدول التي تشكلت بمراحلها المتعاقبة عبر التاريخ تشكلت لحماية فردية هذه الملكية والتي لا نرى مفرا لتحرر المرأة والرجل معا والأوطان جميعها وإلغاء الطبقات إلا عبر ثورة اجتماعية عالمية بل ثورات تصحح مسيرة هذه الملكية من جديد وتعيدها إلى نصابها الجمعي الجماعي التكافلي بالتضاد مع ما ينتج ويدعي كل منظري رأس المال من أن نزعة التملك الفردي هي نزعة فطرية لدى البشر.

لأن الدولة لم تكن على مر التاريخ البشري إلا تعميما لعلاقات الهيمنة الإرادية عن طريق خنق ذاتية الكيان البشري موضوع الإستلاب والاضطهاد على كل التظاهرات الأخرى للتنظيم الاجتماعي.

ومنذ القدم ومنذ أن أكد الرجل سيطرته، وضمن صيرورة تاريخية معينة، بنيت الدولة بنزعة عسكرية كنموذج لكل المؤسسات الأخرى، تسحب من الإنسان بعده البشري واستقلاليته الواعية، والمبادرة الذاتية، والمسؤولية، و التي بدونها لا يمكن أن توجد مجموعة بشرية بالفعل، ولا يوجد إبداع لأشكال جديدة من الحياة، والتي دونها لا يمكن حتى الدفاع عن الإنسان ذاته، من نوع المقاومة وحركات التحرر التي لا يمكن تصورها دون انتظامها بإرادة حرة، ودون مخاطرة وتضحية تم اختيارها بشكل حر.

خارج هذا النطاق من التحليل كما نعتقد يظل نافلا وخارج السرب الكلام عن دين متخلف هنا ودين متحضر هناك، أو شعوب متقدمة ومتحضرة هنا وشعوب متخلفة هناك.

:::::

givara1954@yahoo.de