الإرادة السياسية والمستقبل الاقتصادي العربي

نصر شمالي

على مدى أكثر من ستة عقود بعد الاستقلال، وبعد تأسيس جامعة الدول العربية، لم يتوقّف أبداً إلقاء الخطابات وعقد الاجتماعات واتخاذ القرارات بصدد المستقبل الاقتصادي المشترك للبلاد العربية، غير أنّ الخطوة الأولى على هذه الطريق لم تقلع أبداً كما يجب، ولم تتحقّق أبداً كما يبدو، بدليل التصريحات التي أدلى بها مؤخّراً السيد أحمد جويلي، الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية، والتي قال فيها أنّ اتفاق منطقة التجارة الحرّة التي أقرّتها القمة الاقتصادية العربية في الكويت، في كانون الثاني/يناير 2009، تعتبر الخطوة الأولى نحو الاتحاد الاقتصادي العربي!

هكذا هو الحال إذن! الخطوة الأولى في اتجاه قيام الاتحاد الاقتصادي العربي أقرّت قبل عام فقط، والأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية، بعد مرور العام، يدلي بتصريح (الصحف – 7/2/2010) لا نفهم منه إن كانت هذه الخطوة الأولى على طريق الاتحاد الاقتصادي العربي قد انطلقت أم أنها لا تزال مجرّد قرار!

لقد قال الأمين العام أنّ السوق العربية المشتركة، أو منطقة التجارة العربية الحرّة، التي أقرّت إقامتها في قمة الكويت المذكورة: “ليست شعاراً، بل ضرورة حتمية للأمن القومي العربي”! فما الذي قصده بقوله هذا؟ هل قصد أنّها أقلعت عملياً وميدانياً، وتجاوزت حالة الكلام والشعارات، أم قصد العكس، فهو يشكو من أنها لا تزال شعاراً، على الرغم من ضرورتها للأمن القومي العربي كما قال؟ لا ندري!

إنّ تصريح الجويلي يحتمل التأويلين على قدم المساواة بالفعل! ولعلّه يعني أنّ الإقلاع قد تحقّق. بدليل قوله أنّ الخطوة الأولى على طريق الاتحاد، أي إقامة منطقة التجارة الحرّة، سوف تكتمل جميع مراحلها بحلول العام 2015، أمّا الاتحاد الاقتصادي الكامل فسوف يتحقّق بين عامي 2015 – 2020، وسوف تترتّب على تحقّقه سياسة مالية عربية واحدة، ومصرف مركزي عربي واحد، وعملة عربية موحّدة! غير أنّه لم يقدّم أيّ دليل يؤكّد حدوث مثل هذا الإقلاع وتقدّمه المتدرّج حثيثاً إلى الأمام، بينما لم يسمع أحد أو يشاهد رسمياً وحسّياً مثل هذا الدليل!

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ معلوماتنا العامة عن التعاون والتبادل الاقتصادي/التجاري بين الدول العربية تقول أنّه انحدر إلى مستوى لا يتعدى 7 في المائة، وأنه بين بعض الأقطار الشقيقة يقف عند نقطة الصفر! وبغضّ النظر عن أنّ تبادلاتنا مع الغير هي في حدود 93 في المائة كما يفترض، فإنّ مساهمات البلاد العربية جميعها (حوالي 300 مليون إنسان) لا تشكّل سوى خمسة في المائة من حجم الاقتصاد العالمي! وفي معرض تبرير قصور العرب اقتصادياً وسياسياً، مقارنة مع الأوروبيين الذين أقاموا الاتحاد الأوروبي، قال السيد الجويلي أنّه لا مجال للمقارنة بين الجانبين العربي والأوروبي، لأنّ الدول العربية حصلت على استقلالها في وقت متأخّر، وهي دول نامية، وفي المقابل كانت الدول الأوروبية تملك حتى بعد الحرب العالمية الثانية قاعدة اقتصادية، بحيث أصبح من اليسير عليها إقامة اتحاد أوروبي”!

بالطبع إنّ التوضيح أعلاه ليس منطقياً، حيث أوضاع الشعوب الأوروبية المختلفة المتناقضة تعيق كثيراً قيام الاتحاد، بينما أوضاع العرب كأمة واحدة، واحتياجاتهم المصيرية المشتركة، تسهّل كثيراً إقامة اتحادهم، بل تفرضه فرضاً. وإذا كان ثمّة ما يحول دون تحقيق أيّة إنجازات عربية وحدوية فإنّه الافتقار إلى الإرادة العربية السياسية لا أكثر ولا أقلّ.

ومن جهة أخرى لماذا تجري المقارنة بين العرب والأوروبيين ولا تجري بين العرب والآسيويين، أو الأميركيين الجنوبيين؟ لماذا لا نقارن بين ماليزيا أو كوريا الجنوبية وبين دولتين عربيتين موازيتين من حيث الحجم والثروة، والقيود السياسية الخارجية أيضاً؟ لماذا لا نقارن بين الإنجازات العظيمة لهاتين الدولتين وبين التقصير المريع للدولتين العربيتين المقابلتين؟ ولماذا لا نقارن عموماً بين التقدم الكبير الذي أنجزته منظمة دول آسيان، المتعدّدة القوميات واللغات والديانات، وبين العجز المزمن لجامعة الدول العربية في جميع الميادين، وهي التي نهضت قبل نهوض آسيان بزمن طويل؟ قطعاً إنّ السرّ يكمن في الشرط السياسي، أي في غياب الإرادة السياسية هنا وفي حضورها هناك، علماً أنّ الشروط الأخرى جميعها هي في صالح العرب أكثر بكثير مما هي في صالح شعوب آسيان المتباعدة جغرافياً وقومياً ودينياً ولغوياً..الخ!

يقول الجويلي أنّ البلاد العربية تستورد جميع أنواع المواد الغذائية من خارجها، لأنّ هناك فجوة كبيرة بين ما تنتجه وما تحتاجه. إنّ البلاد العربية تستورد من خارجها حوالي 72 مليون طنّ من الغذاء سنوياً! ومن جهة أخرى تتفشّى البطالة في البلاد العربية، حيث يعاني من البطالة 20 في المائة من القوى العاملة العربية البالغ تعدادها 130 مليوناً!

ولكن أليس من علاج عربي لهذا الوضع المأساوي؟ طبعاً هناك علاج، لكنه يحتاج إلى الإرادة السياسية أولاً وقبل كلّ شيء، وهذه الإرادة موجودة، لكنها كامنة، أو مقيّدة في أروقة جامعة الدول العربية، بدليل أنّ الاتفاق الذي أبرم مؤخراً بين سوريا وتركيا، بصدد ضخّ المياه من نهر دجلة واستثمارها، سوف ينفّذ في المواعيد المحدّدة، وسوف يؤمن مليار وربع المليار متر مكعب من المياه، أي ما يعادل أربعة أضعاف ما يوفّره نهر العاصي لسوريا!

:::::

ns_shamali@yahoo.com