الاتفاقية الأمنية اللبنانية الأميركية:: إستباحة للأمن والسيادة

د. امين محمد حطيط*

في عهد حكومة اختل الــتوازن الوطــني فيـها الى أن فقدت ميثاقيتها وشرعيتها الدستــورية، أوعز رئــيس الحكومة الى المدير العام لقوى الأمن الداخلي بأن يوقع مع الحكومة الأميركية باسم الحكومة اللبــنانية اتفــاقية «تهب بموجبها الأخيرة لقوى الأمن اللبناني» مبلغ ستين مليون دولار أميركي تنــفق في مجــال تدريب القوى اللبنانية وتجهيزها بما يلائم مهامها الأمنية. وكان من الطبيعي أن يقبل لبنان أي هبة أو مســاعدة، لكن الأمر يختلف اذا كان الفعل مشـروطاً بما يؤثر على السيادة والقرار الوطني المستقل، وهذا ما حصل بالفعل مع تلك الاتفاقية التي أسميت «هبة»، ولكن حقيقتها تبدت بأنها اتفاقية أمنية مكتــملة الشروط والمواصــفات حيث إنها تلزم كلاً من الطرفين بموجبــات تجعــلها بعيدة جداً عن منطق الهبة والتبرع الذي لا التــزام فيـها إلا من الواهب، بينما نرى هنا أن الفريق «الموهــوب» يلـتزم، ويتنازل للفريق الأميركي عن الكثير مما يصـنف حقاً أو مصلحة وطنية ويمنحه من الامتيازات ما يمكــنه من التحكم والسيطرة على الأمن الوطني بشكل يقلب الهبة الى «ثمن «يشرى به الأمن الوطني، وبثمن زهيد؟». والأفظع من الحدث هذا هو وجود لبنانين يدافعون عن الفعل ويروجون الى وجوب التمسك به، سلوك أقنعنا بأن الخطأ لم يرتكب نتيجة جهل أو تقصير في التحليل، بل كان مخططاً ومنفذاً عن سابق تصور وتصميم.

الأمن كما هو معــلوم يرتكز على خمسة لا بد من توافرها حتى نقول بقيام المنــظومة الأمنــية الميــدانية، وهي العنصر البشري، والعتاد والتجهيزات، والمراكز والثكنات، وشبكة الاتصال، فضلا عن العقيدة الأمنية، والقضاء. والاتفاقية /المعاهدة هذه وضــعت أو جعلت كل تلك العناصر تحت سيطرة أميركا وتحكمها وفقاً لما يلي:

1) فمن حيث العناصر وتدريبها، ألزمت الاتفاقية لبنان بأن يستبعد عن التدريب، وضمناً التطويع في قوى الأمن الداخلي كل من يعتبر «بالمعايير الأميركية وبأي شكل من الأشكال إرهابياً» وهنا نذكر بأن في لبــنان مقاومة مسلحة تحمي لبنان الى جانب الجيش، وأخرجت إسرائيل من لبنان في العام 2000 ومنعتها من العودة اليه في العام 2006، كما تلتف غالبية لبنانية حول هذه المقاومة التي نصت عليها البيانات الوزارية لحكومات ما بعد الطائف.

أميركا تعتبر هذه المقاومة إرهاباً، وتجعل من أي فرد يتعاطف معها وبأي «شكل من الأشكال» مستبعداً عن التدريب وتاليا عن التــطويع. إذاً وبنص بسيط تفرض أميركا على لبنان فهمها للإرهاب المناقض لفهمنا له، وتفرض عليه استبعاد جمهور المقاومة عن التطويع في قوى الأمن، ما يجعل قوى الأمن في موقع معاد للمــقاومة، الأمر الذي يستتبع انعـدام الثقة الوطنية بهذه القوى وتآكل دورها وفعاليتها. وبعد ذلك تعطي الاتفاقية لأميركا حق التحقق والتفتيش وطلب طرد أي عنصر تشـتبه فيه أنه لا يسـتوفي شروطها ومعــاييرها للإرهاب، كما لها الحق بحض الحكومة على ملاحقته قضائياً. مع ما في ذلك من ضرب لمعنويات العسكريين وإذكاء الشعور لديهم بالتبعية «للسيد الأميركي» الذي يتحكم بهم وبمصيرهم.

2) أما في العتاد والمراكز، فــقد التزمت أميركا بتقديم بعض الأعتدة الزهيدة الثمن نسبيا (3 ملايين دولار) من أصفاد وستر معلمة بالفوسفور الخ. مقابل اشتراطها منع وصول هذه المعدات أو استعمالها من أي شخص يصنف بالمعايير الأميركية «قريبا من الإرهاب»، وان يكون لأميركا الحق بالقيام بإجراءات التفتــيش والتحقق بنفسها من ذلك عبر زيارة محققـيها الى المراكز الأمنــية على كامل الأرض اللبنانية. وهـنا نرى المفــارقة، ففي الوقت الذي يمنع فيه أي مسؤول في الدولة اللبنانية من الدخول أو التفتيش على القوى الأمنية إن لم يكن من الرؤساء التراتبيين، نجد أن الاتفاقية تمنح هذا الحق السيادي للأميركي الذي يكون له أن يدخل الى أي مركز عسكري حتى ولو كان فيه زوج من الأصفاد (كلبشة) أو سترة من القماش المعلم بالفوسفور.

3) التزمت أميركا ببناء شبكة اتصال وإنذار وسيطرة لمصلحة قوى الأمن في لبنان، مقابل إعطـائها الحق بالاستئثار بمراقبة هذه الشبكة والوصول الى أي مكان يركز فيه جزء منها، وأن تتمكن من التحقق من فعـاليتها عبر مراقبة الاتصالات والمخابرات التي تجري عبرها. وهنا الخطورة حيث تتمكن أميركا عبر هذا الشرط من أن تركب ما تشاء من أجهزة، وأن تتلــقى كل ما تريد مما تبثه هذه الأجهزة الى الحد الذي يمكنها من تركــيب بعضها على الحدود الإسرائيلية دون أن يكون هناك ما يمنعها من إجراء وصل خفي مع إسرائيل. أما على الحدود مع سوريا فإنها قادرة على الدخول الى شبكة الخــلوي هناك من غير أي قيد أو حائل. وعليه نرى أن التـزام لبنان بهــذا الشرط يعني بكل بساطة تمكين أميــركا من معرفة كــل ما يجري أمنيا على الســاحة اللبنــانية وتحديد نقــاط الضعف والقوة في البنية الأمنية، كما تحــديد مناطق الارتخاء الأمني، بما يمكن أجهزة المخابرات المعادية من سهولة العمل.

4) أما في العقيدة الأمنية وهنا الأساس، فإننا نجد أن المنظومة التي تريد أميركا إرساءها في لبنان، هي أمن معاد للمقاومة.

وعلى المقلب الآخر نجد في الاتفاقية النص على «الإعفاء الضريبـي» ومنح «الحــصانة التامة» للمــوظفين الأميركيين الذين تنتدبهم أميركا لتنـفيذ هذه الاتفاقية، ويكون على الحكومة اللبنانية أن تستقبلهم (مهما كان الشخص حتى ولو كان إسرائيلياً يحمل الجنسية الأميركية) وأن تمكنهم من الوصول الى أي مركز أو نقطة أو مخفر يكون فيه جهاز اتصال أو عتاد تم تحقــيقه من أمـوال هذه «الهبة»، وان تمكنهم أيضاً من القيام بالأعمال التي يرونها مناسبة لتنفيــذ هذه الاتفاقية من غير إشــراك أحد معهم في ذلك وبعيدا عن مراقــبة أحد. وبالتــالي يكون لهؤلاء على سبيل المــثال أن يطلعـوا على كل شيء يتعــلق بالأمن، وأن يركبوا ما يشــاؤون من أجهزة، حتى ولو كانت هذه الأجهزة للتجسس لمصلـحة إسرائــيل، وإذا قبض عليهم بالجرم المشهود فإن أقصى ما يتخذ من تدابير بحقهم هو ترحيلهم من لبنان.

وبالاختصار نجد الاتفاقية تضع كل مفاصل منظومة الأمن اللبناني بيد أميركا مقابل تعهد أميــركا بتــقديم 60 مليون دولار كمساعدات تدريبية وتجهيزية… واقع جعـلنا نصف المعاهدة بأنها «هبة» الأمن اللبناني لأميركا وتنازل عن السيادة من غير مقابل يذكر، معــاهدة تأتي في خطورتها على لبنان بمــا يفــوق كثيرا ما تضمنته اتـفاقات القــاهرة 1969، أو أيار 1983، ولا نـجد مثيلاً لبعضه إلا في الاتفاقية الأمنية المعـقودة سنة 2009 بين أميركا والــعراق المحتل حالياً. فاتفاق القاهرة حصر التنازل للفلسطيــنيين من أجل مقاومة إسرائيل عن بقعة لا تزيد عن 1/20 من مساحة لبنان (العرقوب والمخيمات)، واتفاق 17 أيار تنازل عن السيادة لمصلحة إسرائيل في الجنوب وتحديدا جنوب الليــطاني، أما هذه الاتفاقية فإنها تدخل أميركا الى صلب نسيج قوى الأمن الداخلي عديدا وتدريبا ومراكز، وتضعها في كل أعمـالها الأمنـية الميدانية المنفذة في كل لبنان تحت إشراف أميركي، ثم تتجاوز لتصل الى الحدود مع ســوريا للـوقوف على فعالية جهاز مراقبة تلك الحدود وضبطها.

:::::

* عميد ركن قائد كلية القيادة والاركان سابقاً

“السفير”

http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1493&ChannelId=34677&ArticleId=2515&Author=%D8%A7%D9%85%D9%8A%D9%86%20%D8%AD%D8%B7%D9%8A%D8%B7