المرأة المهاجرة والحريم الرأسمالي

جمالات ابويوسف ـ فرنسا

لقد ارتبط وبشكل كبير نضال النساء العربيات بالنضال ضد المشاريع الاستعمارية التي ما زالت قائمة هناك وعلى راسها دولة الكيان الصهيوني المقامة على ارض فلسطين، تعتبر مشاركة المراة في المقاومة وبالدرجة الاولى هي من اجل انهاء وجود هذا الاستعمار الذي يشكل حالة احتباس لحركة التاريخ التي من المفترض ان تكون باتجاه المزيد من العدالة والمساواة ومن الحريات، اضافة الى كون النضال هو تلك الفرصة الواسعة للخروج الى الحيز العام الذي تمثله المقاومة عبر برامجها او عبر عفويتها.

عندما شاركت النساء عفويا فانهن ايضا قد خرجن عفويا وبملابسهن التقليدية، لم يخطر على بالهن ارتداء ملابس تحمل لمسات “كريستيان ديور ” او غيره، وكان هناك من يرتدين الملابس ذات الطابع الغربي، كان خيارهن الذي حمل في طياته حالة من التمرد على مزيج من السيطرة البطريركية وتدخلها المتزايد في لباس المرأة وكذلك سيطرة المزاج التقليدي في الملبس، كان ذلك احد اشكال التعبير عن استمرار الرغبة بالتغيير والبحث عن خيارات مختلفة.

في اغلب الحالات وفي اوساط الطبقات الشعبية لم تكن طريقة الملبس هي عامل اساسي في تحديد الاختلاف بين اوضاع النساء ودرجة تعرضهن للظلم وخضوعهن له، كما انها لم تشكل عائقا امام المشاركة في النضال، خاصة في مقاومة المحتل الذي ساوي بينهن في القمع.

□ لكن صاحب العمل يميز بين هؤلاء النساء، اذ يأخذ بعين الاعتبار طريقة ملبسها، هل تغطي رأسها ام لا. البعض من هؤلاء يرفض توظيف النساء اللاتي لا يغطين رؤوسهن، بينما يظن بعضهم ان اللاتي لا يغطين رؤوسهن هن نساء سهلات المنال ومن حقة التحرش الجنسي بهن، كل ذلك يتم في ظل محدودية فرص العمل للرجال “وللنساء بشكل خاص”، في حين اصبح العمل ضروريا لكلا الجنسين، هنا وفي هذا الوضع تجد المرأة نفسها مضطرة لوضع غطاء على راسها من اجل الحصول على عمل او من اجل حماية جسدها من الانتهاك.

□ في فلسطين، ومثل باقي المجتمعات العربية، هناك عدد قليل من النساء لا يتعرضن لكثير من التمييز والاستغلال، هن نساء الكمبرادور، ويعتبرن انفسهن ممثلات للثقافة والازياء الغربية، ومنهن خرجت بعض النسويات اللاتي يعتبرن تحرير النساء منفصلا عن تحرير المجتمع بكاملة، وان تحرير المرأة هو تحرير لجسدها اولا، ولان اسهل طريقة لديهن في ذلك الامر هو ازالة غطاء الرأس، فقد ثرثرن كثيرا حول ذلك ولم يكن حديثهن موجها الى النساء المضطهدات والمستغلات والفقيرات، بل كان موجها الى المجتمعات الغربية حيث التقطته وسائل الاعلام الرأسمالية لتقدم به المرأة والثقافة العربية والعرب جميعا بانهم متخلفون، لان المرأة التي تضع على رأسها غطاءا او كما يسمونها حجابا، انما تعزل نفسها عن العالم الخارجي المحيط بها ولا تتفاعل معة وهي امراة خاضعة وتقبل الظلم.

بهذا تبرر الرأسمالية الغربية مواصلة مشاريعها الاستعمارية، وكذلك تواصل سياساتها العنصرية ضد المهاجرين العرب والمسلمون، كل ذلك تحت شعار العلمانية، تلك العلمانية التي يضرها كثيرا غطاء الرأس هذا، فالدولة تعتبره رمزاً دينياً، والنسويات يعتبرنه رمزا لخضوع المرأة للظلم.

“الهام المسعودي” التي تضع غطاءا على رأسها، كانت على رأس قائمة لحزب مناهضة الرأسمالية الانتخابية في احدى المحافظات الفرنسية. وقد اثار هذا الامر حفيظة العديد، غالبية النخبة السياسية، التي تعودوا ان تكون فقط من البيض ومن استطاع التماهي لدرجة الاعتراف بان النخبة ذات لون ابيض، فمنديل “الهام” تهديدا لبياض للعلمانية العظيمة، اذ نهض الجميع للدفاع عن هذا الامر، خاصة من يسمون انفسهم باليسار… او النسويات… اللواتي وجدن ان هذا ايضا يشكل خطرا كبيرا على حقوق المرأة وعلى منجزات نضالهن البيضاء، نضالهن وحدهن، نضال المرأة ذات الثقافة اليهود- مسيحية، عند ذكر النضال الذي تتغتي به تلك النسويات نترك الالوان ونأتي الى الملابس. وأتساءل الا يحق للمرأة العربية ان تشاركهن النضال؟ وما هي شروط ذلك؟ وهل احد هذه الشروط هو اتباع الذوق الغربي في اللباس واستهلاكه؟ اهذا كل ما يعنيه تحرير اجساد النساء وعقولهن؟ وهل دور الازياء الرأسمالية التي تحبذ الذوق الغربي وتقدمه على انه رمز للحداثه، أهي التي تصمم الملابس التي ترمز الى تحرير الجسد والعقل؟

بالطبع طريقة اللباس هي ذات دلالات ورموز، فان المرأة العربية في فرنسا عندم تختار ما تريد لباسة فانها ترمز به اشياء كثيرة، لعلها ترمز بذلك سواءا قصدت ام لم تقصد: انها من هناك من بلاد المستعمرات بالتحديد، وان قضية تحريرها مرتبطة بحرية بلادها الاصلية وحرية النساء هناك، فلا احد يستطيع ان يفك هذه العلاقة التي تعبر عن تواصل التاريخ رغم انقطاع الجغرافيا، فمن يستطيع منعها من ان تتماهى مع كل ما يجري هناك؟ فتعبر عن ذلك في لباسها، لباس النساء في بلاد المستعمرات.

وبالتحديد ايضا هي من هنا” فرنسا”، من مناطق الضواحي المهمشة التي تعيش حياة الفقر والعزلة، انها واحدة من الامهات اللواتي تحتجزهن ابراج جيتو الضواحي العمالية والعاطلين/ ات عن العمل، او انها واحدة من عاملات النظافة في البيوت واللاتي يغطين رؤوسهن، اذ لا احد يحتج على مناديلهن هنا، لانهن لم يخرجن من نطاق “الحرملك الرأسمالي”، هي واحدة من اللاتي لا يجدن عملا بسهولة وان انواعا محددة من الاعمال محصورة لهن “ذات الاجر المتدني” وتلك التي لا تعطي قيمة اجتماعية للعاملات بها، عليهن ان ينكرن هويتهن الثقافية، وان لا يحملنها او يعبرن عنها ان اردن الخروج من عزلتهن، هن الاكثر تهميشا في المجتمع الفرنسي، معزولات في حريم جديد هو “الحريم الرأسمالي”.

هل تحبذ العديد من النسويات الفرنسيات والعديد من اليسارين بقاء النساء العربيات المهاجرات في العزلة والتهميش؟ “الحريم الرأسمالي”، يبدو لي بان الاجابة هي نعم…ذلك لانهن/م يدركن/وا او لم يدركن/وا بانهن/م ضحايا وهم الاسلامو- فوبيا، وكره الغريب، ولانهم لم يخلصوا انفسهم بعد من عقدة تفوق الثقافة اليهود- مسيحية الغربية، فالحداثة والعلمانية وليدة وحكر على هذه الثقافة فقط حسب اعتقادهم، وانه عبر المشاريع الاستعمارية للدولة الرأسمالية الغربية قد تم تعقيم الثقافات الاخرى منها الاسلامية، اذ لا يمكن لمثل هذه الثقافات ان تساهم في تقدم حركة التاريخ الى الامام ولصالح البشرية حسب اعتقادهم ايضا.

وبالطبع ليس مع هؤلاء يمكن للمرأة العربية المهاجرة ان تناضل من اجل تحررها، لكن عليها ان تناضل من اجل تحررها مع آخرين بالطبع، مع من هم/ن حقا ضد العنصرية والاستغلال الطبقي ومع من هم /ن حقا مع تحرر المرأة، هؤلاء وتلك جميعا من الممكن ان يشكلن/وا قوة ذات اعتبار ضد الراسمالية، وحلفائها المتسترين الذين يدافعون عن فتات من الامتيازات التي يمنحها تمنحهم اياها تلك الطبقة أي الطبقة الرأسمالية.

آمل ان يمثل حزب مناهضة الرأسمالية في فرنسا الفرصة الحقيقية لتجربة نضال النساء المهاجرات من اصول عربية، احمل نفس الامل الذي تحملة “الهام المسعودي”، هي تضع على رأسها غطاءا وانا اترك شعري ليعبث به الريح، في نفس الوقت ينتابني القلق بان لا تصمد وتستمر وتتطور هذه التجربة. انني اخاف ان يتم قمعها عبر عقلية الاستعلاء والتفوق لدى بعض المناضلين في هذا الحزب.