السقوط الفادح «للتفوق النوعي» الإسرائيلي

ليلى نقولا الرحباني

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2202 )

منذ حرب تموز 2006 وبعد العدوان على غزة وما استتبعه من تقارير دولية، تعيش إسرائيل أزمات منهكة وخسائر فادحة، أقلّها تقويض الصورة التي استمر الإسرائيليون في رسمها ما يزيد عن ستة عقود.

عمل المنظّرون الأوائل للحركة الصهيونية على محاولة رسم صورة تمّ فيها استجلاب العديد من مفردات الخطاب الديني اليهودي، بهدف إدخالها ضمن النسق الفكري الداعي الى أحقية بناء وطن قومي لليهود في فلسطين، وأدرج هذا الأمر ضمن «قيم معيارية ونسق متكامل» من صور «الأنا» و«الآخر»، سرعان ما أضيفت إليها صور أخرى بعد تأسيس الدولة.

وفي كتابه «الدولة اليهودية» يقول ثيودور هرتزل: «فلسطين هي الوطن التاريخي لليهود، ومن هناك سوف نشكّل جزءًا من استحكامات أوروبا في مواجهة آسيا كموقع أمامي للحضارة في مواجهة البربرية».

الصورة التي رسمها هرتزل وعملت الصهيونية العالمية على ترسيخها في ما بعد، ترتكز على معايير ثلاثة:

1ـ التركيز على تمجيد الذات ورفع «الأنا» الى مستوى أعلى من البشر الآخرين، وهي تتلاءم مع الصور التي تقدمها النصوص الدينية.

2ـ العمل على تشويه صورة الآخر، فهو «البربري العنيف» مقابل «الحضارة والرقي والتمدن».

3ـ للدولة الموعودة وظيفة ودور يتجليان في حيازة «موقع أمامي متقدم» لأوروبا في مواجهة «العدو»، بغض النظر عن الصفات التي يتخذها هذا «العدو» والتي تتبدل بتبدل الأحداث التاريخية.

بعد نشوء الكيان، أضيفت الى الصورة الأساسية صورة «الضحية المظلومة المهددة في وجودها وكينونتها»، وهي صورة لازمة من المنظور الصهيوني لاستدراج العطف اللازم لتأسيس الدولة، واستجلاب اليهود من أنحاء العالم الى فلسطين ومع الدعم الدولي الضروري لذلك.

في هذه المرحلة انتقل الفكر الصهيوني الى تحديد أكثر للعدو فلم يعد مجرد «بربري» بل بات له اسم وهوية: إنه العربي «المسلح» الذي يهدد اليهود في وجودهم وحياتهم، ثم أطلق عليه، في ما بعد، صفة «الإرهابي».

ويمكن أن نلخّص الصورة التي كانت قد أنتجتها وروّجتها إسرائيل عن نفسها عشية حرب لبنان عام 2006، بما يلي:

ـ تفوق أخلاقي وحضاري مقابل أعداء إرهابيين منحطّين أخلاقيًا ومتخلّفين حضاريًا، وهم بالمجمل «معادون للسامية».

ـ إسرائيل هي الدولة الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.

ـ لإسرائيل دور ووظيفة تؤديهما، ووجودها ضروري لحماية المصالح الأميركية والغربية في المنطقة.

ـ هي الضحية المظلومة التي تقاتل للدفاع عن نفسها ضد أعداء يريدون إلغاءها.
ـ الجيش الإسرائيلي هو الجيش الأقوى الذي لا يُقهر، وأي حرب يخوضها يخرج منها منتصرًا بسهولة.

وبالرغم من تناقض صورة الضحية مع صورة القوة التي لا تقهر، فقد استطاعت إسرائيل بشكل يثير العجب أن تجعل العقل الغربي يقبلهما سويًا، ويروّج لهما.

لكن، ما رسمته الدعاية الصهيونية خلال ما يزيد عن قرن من الزمن وكل الجهود التي بذلتها إعلاميًا وسياسيًا وفكريًا لترسيخ صورة إسرائيل، بدأت ملامحه الحقيقية تنكشف منذ حرب تموز 2006 ولغاية اليوم. وبدأت ألوان الصورة المزيفة تتحلل، وتتكشف يومًا بعد يوم، وذلك على الشكل التالي:


1
ـ في صورة القوة العاتية ووهم الوظيفة والدور

كان لحرب لبنان 2006 وحرب غزة في ما بعد، تأثيرات هامة على صورة الجيش الإسرائيلي «الذي لا يُقهر»، فقد أثبتت هذه الحروب نظرية «عجز القوة» وتبين أن القوة والهيبة الإسرائيليين والردع الذي امتلكته منذ عقود وبالتحديد منذ عام 1967، قد اهتز.

أما الوظيفة والدور اللذان حددتهما إسرائيل لنفسها كموقع متقدم للجبهة الغربية في حربها واستعمارها للمنطقة، فقد أتت التطورات التي حصلت منذ مجيء الأميركيين عسكريًا الى المنطقة واحتلالهم العراق، وبعدها هزيمة الذراع العسكرية للغرب في حرب تموز 2006، لتكشف أن إسرائيل لم تعد مصدر ثقة للغرب وبالتالي فهي غير قادرة على أن تضطلع بالوظيفة والدور المنوطين بها، وأهمها أن تكون «شرطي المنطقة»، وهو ما عبّر عنه الجنرال بترايوس بتشكيكه في قيمة إسرائيل الاستراتيجية.

2ـ في صورة الضحية وادعاء التفوق الأخلاقي

أما الصور القيمية الأخلاقية الزاهية التي استمرت إسرائيل في رسمها أكثر من قرن من الزمن، فقد لطختها دماء الأطفال الفلسطينيين والشواهد الدامغة التي أتت بها التقارير الدولية التي أثبتت بالدليل القاطع أن الجيش الاسرائيلي «استخدم الأطفال دروعًا بشرية» وانه قصف المناطق الآهلة والمدارس والمستشفيات ومقارّ الأمم المتحدة «متعمداً». واستكمل بالتقارير التي كشفتها الصحافة الأوروبية حول قيام القوات الإسرائيلية بسرقة الأعضاء البشرية للشهداء الفلسطينيين والمتاجرة بها.

وبالإضافة الى مصداقية المنظمات التي أدانت اسرائيل، كان تعيين القاضي الجنوب أفريقي غولدستون، ضربة قاصمة لمقولة «معاداة السامية» التي يلصقها الإسرائيليون بكل معارض لهم أو منتقد لسياساتهم، فالقاضي المذكور هو من اليهود المؤيدين لإسرائيل وتاريخه وتصريحاته تشهد له بذلك، بالإضافة الى أن عدداً من التظاهرات التي انطلقت في العالم ضد الحرب على غزة قادها يهود أو كانوا من المشاركين الأساسيين فيها، وفي انتقاد الممارسات الإسرائيلية.


3
ـ ادعاءات «الدولة الديموقراطية الوحيدة» في الشرق الأوسط

بدأت هذه الادعاءات بالاهتزاز بعد تهم الفساد التي تواجه معظم القيادات الإسرائيلية، وآخرها محاكمة أولمرت على ضلوعه بالفساد خلال فترة توليه منصبه والتي استؤنفت في شباط الماضي.

واليوم تتعالى أصوات يهودية من الداخل الإسرائيلي وخارجه تتحدث عن سياسات حكومية إسرائيلية «مكارثية» كرد على تقرير غولدستون، حيث تقوم الحكومة بالتضييق على منظمات حقوق الإنسان بسبب «مساهمتها في تشويه صورة إسرائيل دوليًا»، بحسب الادعاء الإسرائيلي.

وبسبب دور مزعوم لهذه المنظمات الإنسانية في الحقائق التي استند اليها تقرير غولدستون، تحاول الحكومة الإسرائيلية تمرير قانون يضيّق هامش الحريات التي تتمتع بها المنظمات غير الحكومية، ويضع عليها شروطًا تعجيزية سيؤدي في حال تصديقه الى سجن معظم رؤساء منظمات حقوق الإنسان الداعية للسلام، وهذا ما يدفع بعض الإسرائيليين الى التشاؤم واعتباره توجهًا إسرائيليًا نحو الديكتاتورية.

هكذا إذًا، بدأت أجزاء الصورة التي رسمتها الصهيونية عن إسرائيل وشعبها «المختار المتفوق أخلاقيًا» تتهاوى، الى حد وصف كثير من اليهود لدولة إسرائيل بأنها تشبه نظام «الفصل العنصري في أفريقيا».

على العرب واجب أن يرسخوا هذه الصورة إعلاميًا وسياسيًا وثقافيًا، ليس في العالم العربي فحسب بل في العالم أجمع، لا أن يندفعوا لمد اليد والقبلات ومحاولات التطبيع معه لإخراجه من «أزمته الوجودية» التي بدأت تلوح في الأفق.

:::::

“السفير”

http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1493&ChannelId=34677&ArticleId=2514&Author=ليلى%20نقولا%20الرحباني