تجوع موريتانيا.. ولا تأكل بالتطبيع

عبد الكريم بن حميدة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2203 )

في وقفة عزّ أصبحت نادرة في ديار العرب وقفت وزيرة خارجيّة موريتانيا لتعلن أن بلادها قرّرت قطع العلاقات الدبلوماسيّة مع الكيان الصهيونيّ. ولم يحتج هذا الإعلان إلى كثير من التنميق، كما لم يكن الموقف في حاجة إلى أكثر من قرار تُسنده إرادة سياسيّة.

في اليوم نفسه وقف المهندس أحمد عزّ رئيس لجنة الخطّة والموازنة في اللجنة المشتركة للعلاقات الخارجيّة والشؤون العربيّة في مجلس الشعب المصريّ يردّ على مطالبة عدد من النوّاب بطرد السفير الصهيونيّ من قاهرة المعزّ احتجاجا على الممارسات الصهيونيّة بحقّ الفلسطينيّين وردّا على الاعتداءات “الإسرائيليّة” على مدينة القدس..

لم يكتف المهندس عزّ برفض الطلب، وإنّما أضاف إليه أنّ “هذا المطلب عاطفيّ ويفتقد الذكاء السياسيّ”. وهي عبارة فيها بعض التهذيب اللغويّ الذي اقتضاه المقام، فهو يريد أن يقول ببساطة إنّ هذا المطلب غبيّ، وأصحابه حمقى ومراهقون. أمّا أولئك الذين يعانقون السفير الصهيونيّ ويستقبلونه في العواصم العربيّة ويوفّرون له الحماية ويكرّمونه فأولئك جهابذة الفكر السياسيّ وعباقرة الدبلوماسيّة.

بورك في المهندس عزّ.. وفي أمثاله من هؤلاء الذين ينشئون كلّ يوم فصلا جديدا في علم السياسة، وفي العلاقات الدوليّة..

موريتانيا التي أطردت السفير الصهيونيّ قبل أيّام تصحيحا لخطيئة ارتُكبت قبل سنوات هي نفسها التي أعلنت منذ أيّام قليلة أنّ 150 ألف موريتانيّ مهدّدون بخطر المجاعة.. وهي نفسها التي تعاني صعوبات اقتصاديّة شتّى.. وتشهد اختراقا مكشوفا لتنظيم القاعدة تجلّى أكثر من مرّة في عمليّات اختطاف طالت الأجانب. ومعنى هذا أنّ الموريتانيّين لم يأبهوا بكلّ ما يمكن أن يترتّب عن هذه الخطوة الشجاعة من مزيد التضييق الاقتصاديّ والتهديد الأمنيّ، ووحدهم من بين كلّ الأقطار العربيّة التي تمارس السياسة بالتطبيع والتمرّغ في أوحال العجز والاستكانة رفضوا بقاء الوضع الشاذّ الذي خلقته سياسات الرئيس السابق العقيد معاوية ولد سيدي أحمد الطايع.

كان القرار الموريتاني التاريخيّ صفعة لا في وجوه الصهاينة فحسب، وإنّما قبل ذلك كان صفعة في وجوه الأنظمة العربيّة المتخاذلة التي تشتري سلامتها وبقاءها وتستخرج شهادات حسن السيرة والسلوك من خلال البوّابة الصهيونيّة، وتروّج أنّ السلام والتطبيع هما الخيار الاستراتيجيّ الوحيد.

وكان الدرس الموريتاني الجديد عنوانا آخر على مروءة أبناء الصحراء العربيّة وشهامتهم، وكلّنا ما يزال يذكر كيف أنّ الموريتانيّين كانوا يؤثرون معاناة الألم ويفضّلون الموت على التداوي مجانا في مستشفى أقامه الصهاينة في نواق الشطّ.
وكلّنا يعرف أنّ الموريتانيّين ما انفكّوا يرفضون إقامة علاقات دبلوماسيّة مع الكيان الصهيونيّ، وظلّوا طيلة سنوات يتظاهرون ويعبّرون عن رغبتهم ويدعون إلى طرد السفير الصهيونيّ وقطع كلّ الروابط مع الصهاينة.. مرّة واحدة، وإلى الأبد. تلك كانت إرادة الشعب التي لم يتوقّف عن التعبير عنها في أيّة مناسبة.. واليوم جاء دور القيادة السياسيّة لتقف في الخندق ذاته.. حيث شعبها وأهلها..

اليوم استطاع الرئيس الموريتانيّ المنتخب محمد ولد عبد العزيز -بلا تنميق للكلام، وبلا فلسفة لا يقتضيها المقام- أن يُقدم على هذا العمل الذي ستحفظه له الذاكرة العربيّة وتقدّره أعمق تقدير وأوفاه. فلقد رفض الابتزاز الصهيونيّ وكلّ أشكال الضغط التي مورست عليه من قبل أنظمة المساومة والتطبيع قبل أن تلوّح الولايات المتّحدة الأمريكيّة بعصا الاقتصاد والأمن والمساعدات.

ورغم أنّنا نؤمن أنّ التطبيع لم يوفّر لأصحابه الرخاء، وأنّ إقامة علاقات دبلوماسيّة وتجاريّة وثقافيّة مع الكيان الصهيونيّ لم تقلّص من نسب البطالة، ولم ترفع شبح الأمّيّة، فإنّنا نرى أنّ الواجب الوطنيّ والأخلاقيّ والقوميّ يستفزّ الأقطار العربيّة القادرة والتي لم تُصَب بعمى الألوان أن تبادر إلى تقديم ما أمكن من مساعدات واستثمارات لموريتانيا، لأنّ ذلك ليس منّة ولا فضلا.. مثلما ندعو “جهابذة الفكر السياسيّ” إلى قليل من التواضع والاقتداء بموريتانيا، أو البدء على الأقلّ بوقف التطبيع بكافة صوره وأشكاله مع العدوّ الصهيونيّ، ووقف المفاوضات معه، وتفعيل المقاطعة العربيّة بكل أشكالها..

:::::

“أخبار العرب”، 25 مارس 2010

http://news-arabe.blogspot.com/2010/03/blog-post_3914.html