الغرب واسرائيله… ونتنياهو وحفرة عريقات!

عبداللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2207 )

في الآونة الأخيرة حدث تطور غير معزول ولكنه لافت في التصرفات ذات الخصوصية الإسرائيلية التي عهدها العالم من تل أبيب، أو اتسم بها مسلكها منذ أن قامت اسرائيل على أنقاض فلسطين، أو كان قرار الغرب الاستعماري باختلاقها. كان المعهود من تصرفاتها هو ما كان منسجماً مع طبيعتها الاستعمارية الإحلالية، أو قيامها اغتصاباً على حساب الآخر، والذي ما كان ليتم إلا بالتآمر والحديد والنار، ولا يستقيم أو يستمر إلا بمحاولة نفي وجوده المادي والسياسي ومصادرة جغرافيته وتاريخه، وكل ما يتفق مع تغييبه أو سائر المضامين الإبادية بمختلف وجوهها، وهذا ما كان منها فيما يتعلق بفلسطين والفلسطينيين والعرب منذ كانت وكانت النكبة… ونظراً للرعاية الدائمة، والتكفل المستمر، والدعم اللامحدود، والتغطية الكاملة لهذه الجريمة المستمرة التي عنتها منذ قيامها، التي لقيتها من قبل صانعيها في الغرب الاستعماري، كان المعهود أيضاً منها أنها ظلت تتصرف باعتبارها المعصومة من المسائلة والمحاسبة على ارتكاباتها، والتي يجوز لها ما لايجوز لغيرها، والمفروضة كحاله فريدة تظل فوق القوانين والمواثيق والأعراف وحتى القيم والأخلاق الدولية.

أما التطور الذي غشى تصرفاتها وغير المنقطع عن مسبباتها فهو تفاقم لوثة عربدة زائدة وغطرسة فجة تعدت حدودها فلم توفر أحداً لا حولها ولا بعيداً عنها، بحيث طالت إلى جانب أعدائها صانعيها وراعييها وداعميها، أو هؤلاء الذين هم سر بقائها هناك في الغرب، أو مختلقها ذاته.

في الأونة الأخيرة بدت إسرائيل تتصرف كدولة عظمى، وحتى قطب كوني أوحد، وكأنما هي ليست في حاجة لأحد وإنما العالم هو الذي يحتاجها وفي المقدمة منه هذا الغرب، أو عرابها هذا العاق الذي أصبح وكأنما لزاماً عليه ابداء الامتنان لقبولها بما تبتزه منه باعتباره جزية مستحقة عليه دفعها ممتناً لها وشاكراً لها فضلها!

هناك أربعة من الأمثلة الطازجة هي المستجد من بين عديد الأمثلة القديمة الجديدة. مثالان أوروبيان، والثالث أممي، و الرابع الأهم أمريكي، في أربعتها ما يوضح بعض ما ذهبنا إليه.

نبدأ من حيث التسلسل الزمني. كل ما تمخض عنه جبل التحقيقات البريطانية، أو مظاهر الغضبة البريطانية على عملية سطو الحليف الإسرائيلي على السيادة المصونة لبريطانيا العظمى المتمثلة في سرقة جوازات سفرها واستخدامها تغطية لارتكاب جريمة اغتيال في دولة أخرى، هو طرد ممثل الموساد في السفارة الإسرائيلية بلندن، وذلك تجنباً لما هو مفترض وهو طرد السفير نفسه، و هذا يأتي، وفق بيان لوزير الخارجية البريطاني رداً على ما دعاه “سوء استخدام الجوازات” هذه وليس ارتكاب الجريمة ذاتها! ومع هذا، استحقت بريطانيا بلفور التي كانت المسهم الأول في اغتصاب فلسطين واختلاق إسرائيل، الرد الإسرائيلي عليها شتائماً، واتهامها بالاسامية ومناهضة الصهيونية، ونعت البريطانيين بالكلاب، ووفق النائب في الكنيست أرييه الداد، وجوب الرد “للمنافقين البريطانيين بالعملة نفسها”، مع استدراكه “أنني لا أريد إهانة الكلاب، ولكن خلافاً للبريطانيين فإن الكلاب تظهر وفاءاً حقيقياً”، ويمكن الإشارة إلى أمثلة أخرى في هذا السياق الإسرائيلي الغاضب على النفاق وقلة الوفاء لدى هؤلاء “الكلاب من اللاساميين ومناهضي الصهيونية” من أحفاد بلفور!

والآن، وإن كان لازالت للمسألة ذيولاً، فالبريطانيون على أية حال يجتهدون لابتلاع الإهانة الإسرائيلية، والموضوع برمته قيد اللف وممثل الموساد الجديد، كما يقول الإعلام الإسرائيلي، الذي سيحل محل المطرود يحزم حقائبه هذه الأيام للتوجه للندن، أو في النهاية، وكما تقول صحيفة “يدعوت أحرنوت” الإسرائيلية، العلاقات مع لندن “لم تتضرر بشكل خطير”… هنا يمكن الإشارة إلى باقي الدول التي غطت جوازات سفرها جريمة دبي. الفرنسيون لازالوا ينتظرون “تفسيرات”، والاستراليون “استكمال التحقيقات”، والبقية لاذت بالصمت مفضلةً نسيان ما جرى!

المثال الثاني، والقريب من الأول، هو التقاط بعض الهواة لصور طائرتين عسكريتين إسرائيليتين تحطان في مطار بودابست ثم تغادرانه، وايصالهم الصور لصحيفة مجرية معارضة تحدثت عن “طائرات تجسس إسرائيلية” تنتهك الأجواء المجرية. الخارجية المجرية تطلب تفسيراً من السفارة الإسرائيلية. السفارة ترد بأننا طلبنا إذناً مسبقاً من الهيئة الوطنية المجرية للنقل الجوي. تسارع الخارجية التي كانت تستفسر للتصديق على الرواية الإسرائيلية. لكن وزير الدفاع المجري يعلن عن عدم علم وزارته بالأمر، ثم لا يلبث وأن يعود بعد أقل من يومين ليقول أنه كان يعلم! رئاسة الحكومة المجرية التي قالت أن لاعلم لها تشكل لجنة تحقيق، واللجنة تخلص إلى العثور على كبش فداء يُحمّل المسؤولية، فيتم طرد رئيس قسم الطيران في الهيئة الوطنية للنقل الجوي، لأنه سمح للطائرتين العسكريتين الإسرائيليتين بالتحليق في أجواء البلد دون إبلاغ الاستخبارات المجرية، واتخاذ إجراءات تأديبية بحق أربعة موظفين آخرين… ويلف الموضوع رسمياً أو يكاد، ويزدهر في بودابست بهذه المناسبة الفريدة موسم من السخرية والتندر وإطلاق النكات شعبياً!

المثال الثالث: حين يأتي الأمين العام للأمم المتحدة، بان غي مون إلى فلسطين المحتلة، فلا يجد في استقباله في مطار اللد سوى حراس شخصيون من الشاباك ممن سيرافقونه إبان فترة الزيارة، والتفسير لهذه الإهانة للأمم المتحدة في شخص الضيف هو أنه جاء ليلة سبت… ويغادر بان غي مون مطار اللد بعد انتهاء زيارته قافلاً إلى من حيث أتى، فلا يودع رسمياً، بزعم أنه يسافر بطائرة تجارية حيث لايفرش لمثلها سجادة حمراء، كما أن الإسرائيليين رسمياً لايودعون ضيوفهم بعد منتصف الليل… ومع هذا فقد تكرموا عليه في آخر لحظة فارسلوا وزيراً لتوديعه!

المثال الأخير والأهم هو أمريكي. كان حين جاء نائب الرئيس الأمريكي المفاخر بصهيونيته برغم مسيحيته جو بايدن إلى فلسطين المحتلة، بهدف معلن هو دفع المسعى الأمريكي لاطلاق مفاوضات غير مباشر قدماً، حيث الأمريكان في حاجة لمثل هذه الملهاة، لتحشيد اصدقائهم في المنطقة ضد “الخطر الإيراني”، وتسهيل عمليتي الخروج من الورطة العراقية والبهدلة الأفغانية، والحفاظ على المصالح الأمريكية المهددة في المنطقة، وكاستجابة لسؤال بدأ يطرحه بعض جنرالات البنتاعون همساً، يعبر عن نوع من الشكوى، وهو ما إذا كان الدور الوظيفي لإسرائيل لازال كما كان، أم أنه قد بدأ مردوده العكسي، يسيء إلى المصالح الإمبراطورية الأمريكية، لاسيما والحال هو الحال في العراق وأفغانستان؟!

استُقبل بايدن بإهانة هو لم يعدّها كذلك، وهي الإعلان عن دفعة “استيطانية” جديدة في القدس. كثر الحديث عن الحرج الأمريكي المفترض، وحتى عن الغضب المزعوم، حاول الأمريكان جهدهم التخفيف من المسألة… وفي أجواء لغط كبير حول المسألة، وتفاؤل عربي وصل حد أن يصف صائب عريقات الحكاية بالقول أن إسرائيل قد “وضعت نفسها في حفرة الاستيطان”، يأتي سفر نتنياهو إلى واشنطن، والذي يفسره البعض بأنه تلمس لإخراجها من حفرة عريقات. وحيث سيحل ضيفاً على البيت الأبيض، ترك خلفه ملصقاً معلقاً في شوارع القدس المحتلة تظهر فيه صورة الرئيس الأمريكي باراك أوباما وتحته كتب “عميل منظمة التحرير الفلسطينية في البيت الأبيض”! وما أن يصل إلى هناك، يطنب مستقبلوه في استرضائه. تصريحات لكلنتون وأوباما وسواهما… كان استقبالاً تلخصه رئيسة الأغلبية في مجلس النواب الأمريكي السيدة بيلوسي بقولها: “نحن في الكونغرس نتحدث بلسان واحد إذا كان الوضع يتعلق بإسرائيل”… أكثر من نصف هذا الكونغرس كان حاضراً في افتتاح مؤتمر إيباك الذي تحدث فيه نتنياهو حديث الفاتح على مسمع من صفقوا له وقوفاً لمرات… “القدس ليست مستوطنة، والبناء فيها مثل البناء في تل أبيب. وهو بناء قد بدأ قبل ثلاثة آلاف عام”… قبل لقاء نتنياهو بأوباما في البيت الأبيض، ذكّره نير بركات رئيس بلدية القدس بأن الولايات المتحدة صديقة لإسرائيل لكن “الاستيطان” في القدس أكثر أهمية… وطالبه ليبرمان بعدم الاستجابة لمطالب أوباما ومغادرة واشنطن… وحيث هو يجتمع بأوباما تم الإعلان عن مخطط “استيطاني” جديد في حي الشيخ جراح في القدس… وكل ما نمى عن لقائهما البعيد عن الإعلام هو أن أوباما طالب ضيفه بخطوات بناء ثقة… ومع هذا، كان هناك فعلاً استياء أمريكي، ويمكن القول أنه نوع من تنازع أمريكي إسرائيلي حول رؤى تكتيكية، هو أقل من خلافات قد تؤثر على الرؤية الاستراتيجية الواحدة ولا تصل إلي مستواها… وعاد نتنياهو من هناك سالماً غانماً خارجاً دون عناء من حفرة عريقات، وكان له من رحلته كل ما أراد… وزيادة على الحساب عاد وفي جيبه صفقة طائرات F35 الأكثر تطوراً. وما أن وطئت قدماه الأرض المحتلة، حتى تم الإعلان عن مشروع تهويدي جديد في القدس تحت مسمى “حدائق الملك”، فإعلان مدير “مجلس المستوطنات” عن مخططات لمضاعفة “الاستيطان” في الضفة المحتلة ثلاث مرات يوصل عدد المستعمرين فيها إلى المليون!

وعود على بدء، وبناءً على ما تقدم، ما معنى هذا التطور المستجد في معتاد التصرف الإسرائيلي؟

إن مرده أمران: تزايد تصهين غربي تليد، واستمرار حرص معروف من قبل الغرب على الدور الوظيفي لربيبته ومدللته وثكنته المتقدمة، دفعها إلى حالة ملتاثة بالغطرسة وجنون العظمة جعلتها لا تحتمل من هذا الغرب مجرد عتب إذا ما أضرت أساليب سياستها لا جوهرها بمصالحه، ولدرجة بدا وكأنما الملتاثة هي سيدة العالم ومعصومته، وحتى قطبه الأوحد، وليست صنيعة هذا الغرب، بل تتصرف وكأنما هي صانعته!

الثاني: أنه إنما تعبير عن أزمة حقيقية وهشاشة تلازم طبيعة مفتعلة وضعف لا قوة مهما عظمت، ومبعث قلق غيتاوي على وجود مرفوض، وبالتالي عدم ثقة في المستقبل… قرابة القرن، اعتاد الإسرائيليون على أنهم فوق القوانين والمواثيق والأعراف ويجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم، و في موقع فيه كل أسباب القوة الغربية متاحة لهم، وحيث كل العالم بدا وكأنما هو متواطئ معهم. هوّدوا فلسطين كاملة أو كادوا وشردوا من شردوا من شعبها، ومع ذلك يصطدمون بحقيقة ترعبهم، لازال الفلسطينيون باقون على خارطة جغرافيتهم متمسكون بها، صامدون ومقاومون يستلهمون تاريخهم ويتشبثون بترابهم وقرارهم العودة إلى وطنهم… بدأت ارهاصات الردع العربي المقاوم، ووصل توسع المشروع الصهيوني والقوة الإسرائيلية حدودها واصطدما بها، وبدأ العالم بما فيه الغرب المتصهين يتململ من صفاقة صنيعته التي تتصرف وكأنما هي صانعته، وحيث تضر أساليبها بمصالحه بدأت بتصرفاتها تشكل عبئاً عليه… ترى أين من هذا كله ستكون قرارات قمة العرب، التي يطلقون عليها قمة القدس، المنعقدة الآن في سرت الليبية التي تكنى مدينة الرباط الأول؟ سؤال لا يحسد المؤتمرون على سماعه، ولن يطول انتظارنا لجوابه!