إعادة بناء البلد (الحلقة السادسة): الاستعمار، القابلية له، استدعائه وحمايته

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2208 )

يصعب على امرىءِ في الأرض المحتلة ان يشرح لآخر منها عن الاستعمار. فالجميع يحمل ذاكرة زاخرة بالتجربة الحسية وتراكم المعلومة عن الاستعمار، بل عن ابشع نماذج الاستعمار، اي الاستعمار الاستيطاني. فهذا بلد لم يعش، في العصر الحديث على الأقل، إلا تحت تعدد استعماري سواء كان تعدداً تزامنياً أم تتابعياً . لذا، فإن تعدد التعريفات وتفاوت بلاغة خطاب الشرح والتحليل لا ينفي توفر معرفةً ما لدى كل شخص بذلك.

ولكن يغدو الأمر شائكاً أكثر عند الانتقال إلى تعريف ما بعد الاستعمار لأن ذلك البلد، الأرض المحتلة، لم يعبر تلك المرحلة، ولو افتراضياً شأن الكثير من المستعمرات السابقة التي حصلت على الاستقلال السياسي/الشكلي غالباً، ولا يوجد من يزعم أن الأرض المحتلة ليست محتلة إلا دُعاة العرب إلى التطبيع!!!. أما المفارقة فتكمن في تفشي ظاهرة أكثر تعقيداً وهي ممارسة عملية مختلفة خلافية هي “استدعاء الاستعمار” الأمر الذي يتكرر ويتخذ أشكالاً متعددة في هذه المرحلة.

وفهم هذا الاستدعاء في مختلف بلدان المحيط مزدوجاً فالبعض يتعاطى معه كإدانة وتفريط في الأمن القومي وبيع للنضالات والتضحيات، والبعض يتعاطى معه بردة فعل على أنظمة الكمبرادور التي حكمت ما بعد التحرر السياسي والجغرافي من الاستعمار لكنها أعادته بطرق اخرى دون إعلان ذلك، أو أوصلت الناس إلى تمني عودته، فعاد إليه كثيرون عبر التخارج الثقافي أو الارتباط الاقتصادي…الخ. وفي أمر إعادة الاستعمار ربما كان الكاتب الكيني محمد المزروعي هو أول من كتب. أما الاقتصادي التروتسكي جيفري كاي، فتداخل مع الأمر من مقترب أبيض زاعماً، أن المشكلة كامنة في أن الاستعمار لم يستعمِر المحيط كما يجب وبالقدر الكافي!

وقبل الحديث في الأمر نفسه هناك سؤال يشترط الإجابة: لماذا تتوفر مناخات رخوة تؤدي لاستدعاء الاستعمار/ات؟ لماذا، مع أن المفترض العكس؟ بمعنى أن تجربة تحدِّيات لأكثر من قرن، وتجربة كفاح موازية لها، بل محايثة ومناقضة يجب أن تقود إلى تصليب أشد على الأقل فيما يخص الأجنبي، وعلى الأخص لأن هذا الأجنبي معروف تماماً كعدو، وأبعد من هذا لأن هذا الأجنبي لا يخفي أهدافه!.

لعل الممكن في حالتنا إجابة مقتضبة، وهي أن العدو نجح في زرع استدخال الهزيمة في قطاعات كبيرة من النخب السياسية والثقافية، فتوصلت إلى قناعات نابعة من مصالحها الطبقية بأن الأكثر ربحية لها هو التماهي مع مشروع العدو والقبول بما يقدمه. أي تخلَّت عن المشروع الوطني التحريري/التحرري والعودة بالطبع لصالح مشروع حكم ذاتي له سقف واضح من الأعلى، ولا قاع من الأسفل له. وعلى اية حال كانت وستكون مختلف حلقات هذه السلسلة توصيفاً للمناخ الرخوي المقصود كما ورد في غير حلقة.

إستدعاء أبعد من القابلية للاستعمار

يعود الفضل إلى الكاتب الجزائري مالك بن نبي الذي قال ان المجتمع الإسلامي طرح مشكلة الاستعمار وأهمل مشكلة القابلية للاستعمار. وهو يقصد بالطبع المجتمع العربي اساساً.

والحقيقة أن معالجة القابلية للاستعمار واستدعائه أهم من عملية الاستعمار نفسه. فالاستعمار نفسه حالة عدوانية اتخذت شكل تحفيز مصلحي تبلور في اندفاعة قوة عسكرية لتصريف نتاج القوة الاقتصادية الزائدة عن الحاجة في الدولة القومية لأوروبا الغربية، علماً بان المصلحة الاقتصادية هي الدافع الرئيس وليست القومية أو الثقافة او الدين…الخ. بل يغذي هذا الجوهر/الأساس المصلحي المادي أكثر من عامل مساعد منه الثقافة والسياسة والدين والتجربة التاريخية والبعد الجغرافي سواء كان التماس الجغرافي أو الموقع .

إن الحالة الفلسطينية هي حالة استمرار خضوع/مقاومة لاستعمار استيطاني اقتلاعي. وهذه علاقة شابها التباس معين بحصول التسوية مما أدى إلى ضياع الدليل بمعنى أن المواطن ضاع أو إنشبك بين الاعتقاد بأن الاحتلال قد ولى، أو أن الاحتلال على حاله وفي كل مكان. هذه الحالة الملتبسة لا سيما حين اقترنت بهبوط حاد في منسوب المقاومة، فتحت الطريق نحو خلخلة في القيم ومن ثم انتهاك القيم. وليس المقصود هنا الانحصار في القيم بالمعنى الاجتماعي الشعبي البطريركي بقدر ما هو مقصود قيم الالتزام بالأمن القومي والأمن الثقافي والأمن التنموي وحتى المعيشي.

وإذا كان تخلخل الرموزية من سمات هذه المرحلة، كما ورد في الحلقة السابقة، بما يحمل ذلك من تشوهات، فإن تخلخل القيم وتكسيرها والمروق عليها، من الجماعة أو الفرد، يلعب بدوره دوراً مشابهاً ومكملاً لسقوط الرموزية. وهذه وغيرها تعبِّد الطريق/الطرق لتناسي وجود الاحتلال بجوهره الاستعماري، وهو الأمر الذي يسمح للكثيرين بتبرير استدعائهم لأنماط جديدة من الاستعمار دون أن تشعر بالحرج ذاتياً أو الإحراج من الوسط المحيط. والفارق بينهما أن عدم إحراج المنحرف يعني إما تخاذل الوسط المحيط أو تماهيه مع التشوه، وهذا حال خطر!

أنماط أخرى من الاستعمار

محاذرة خلط الرئيسي بالفرعي، تجدر الإشارة أن الكيان الصهيوني الإشكنازي هو الاستعمار الأخطر وهومناخ توليد الأخريات التي تتناسل منه ومن خلاله، وتتفاعل معه وتدعمه، ولكنها تأخذ أحياناً شكل استقلال نسبي عنه.

فالدور الأجنبي الآخر، في الأرض المحتلة، اي الشكل/الأشكال الأخرى مثل الاستعمار بالتمويل الرسمي الأجنبي[1] الذي خلق شريحة مستفيدة مادياً من المانحين، والمؤسسات الثقافية الأجنبية (الدولتية-من دولة)، ومنظمات الأنجزة التي أنجزت[2] NGOization حتى حركات سياسية محلية، ومؤسسات الخطاب الثقافي الغربي-الراسمالي (تعميم الديمقراطية، تمكين المرأة، المجتمع المدني، حقوق الإنسان ، وكذلك المؤسسات التنموية الأجنبية (يو أس إيد) بما تحمله من فكرة وتأسيس لا تنموي…كل هذه أنماط من الاستعمار الذي يتم الترويج له واستدعائه.

وحيث يتم استدعاؤه، يصبح المستعمِر في مركز قوي بحيث يقرر يختار لخدمته من يريد وبشروطه هو. وهذا يفتح على مسألةالاستدعاء إلى الضفة الأخرى إعلاء الاستدعاء والاستدعاء على الاستدعاء، وذلك بقيام الدول والمؤسسات الأجنبية بدعوة الكثيرين من مثقفي وأكاديميي الأرض المحتلة، وكذلك من بلدان المحيط إلى مؤسساتها وجامعاتها ومسارحها…في اشكال استضافات ومنح وحوارات وورشات وسمانارات[3]…الخ. ولا يتم هذا عشوائيا ولا اعتباطياً كما لايتم لوجه الله، وهناك يكون المُستدعيين من بناتنا وأبنائنا تحت رحمة أمرين:

· حدود الصلابة أو الرخاوة الثقافية القومية والإيديولوجية

· حدود التأثير الثقافي الغربي الموجه بلا مواربة.

يؤكد هذا أن هذا الغرب يقدم التعليم لأبنائه مجاناً أو بكلف زهيدة حماية ثقافية لهم، وحين يرسلهم لإجراء دراسات عن بلداننا مثلا، يرسلهم على حسابه! هذه حماية العقل القومي والثقافة القومية وتوظيفها بالطبع. من بين عشرة طلبة ماجستير في كلية بيرك بيك بجامعة لندن كنت أدفع رسوماً بقدر ما يدفعه التسعة طلبة الإنجليز مجتمعين[4].

في مناخ الاستدعاء الذاتي والاستدعاء على الاستدعاء ، يصبح مصير البلد نهباً للأهواء الجهوية وحتى الفردية. ويكفي للتدليل على هذا أننا نسمع ونرى في الأرض المحتلة صناعة جديدة هي فتح مكتب أنجزة لعدد متناسل من أشباه المثقفين. بالمناسبة هؤلاء من قال بريجنسكي، حتى هؤلاء علينا -أي الأميركيين- استقطابهم وليس فقط المثقفين المتمكنين! هذا إلى درجة اصبح معها افتتاح مكتب انجزة مرتبط بدولة معادية للشعب والقضية أمراً عادياً. هنا ينتقل الأمر من استدعاء الاستعمار إلى المشاركة في سياسة وموقف هذه الدولة من البلد والقضية! وهذا يستدعي قراءة سياسة هذا البلد تجاه القضية والأمة بمجموعها. ومع ذلك لا نقد ولا احتجاج ولا تعرية!

حصول استدعاء الاستعمار من البعض، وغياب الاحتجاج والنقد ضد ذلك، بل وحتى غض الطرف او القبول المباشر أو اللامباشر، يفتح على قراءة التجربة مع الاحتلال نفسه، بمعنى أن تجربتنا مع الاحتلال كانت رياضة لترويض البلد على قبول الاستعمار، بما فيه الاحتلال! وهذا حال عجيب، لأن الأصل والمآل المنطقي هو تكريس رفض الاستعمار بأنواعه ومستوياته ومقاومته بالطبع. ولا أود التوسيع هنا في شرح لماذا كان اتفاق اوسلو هو القابلة القانونية لقبول الاحتلال بما هو اعتراف بالاحتلال، وهو القابلة لمختلف الاستعمارات الأخرى، هذا علماً بأن التمويل الأجنبي والأنجزة بدأت قبل اتفاق اوسلو، ولكنها كانت اختراقات في أجسام قابلة لاستدعاء الاستعمار. فليس شرطاً ان ينحصر أمر الاستدعاء في القشرة السياسية فهناك الكمبرادور الرأسمالي والثقافي واليساري..الخ ولهذه أحاديث أخرى.

مضمون استدعاء والاستدعاء على الاستدعاء

الأصل في الموقف من اي استعمار هو المقاومة التي تتكيف طبقاً لطبيعة الاستعمار نفسه، فالاستعمار الثقافي مثلاً، لا يُقاوم بالبندقية، وإنما بالفكر والاحتجاج والتثقيف الشعبي لمواجهة إعادة التثقيف أو الحطَّ- من- التثقيف. بينما استدعاء الاستعمار والاستدعاء على الاستدعاء يعني توطين الاستعمار في الذات الفردية والجمعية. وهذا موقف جوهره استدخال الهزيمة الذي لا يصل غليه شخص أو جماعة إلا إذا تمكنت منه قناعة الدونية وقناعة فوقية وعُلُو المستعمِر. وحين يصل المرء إلى هذا الدرك لا يعود بوسعه حمل اية قيمة وطنية ولا حتى إنسانية، فمن اين له أن يضحي!

توطين الاستعمار في الذات عبر استدخال الهزيمة، يعني فقدان الوطن، يعني تحويل الوطن من وطن بمعنى المحتوى أو الوعاء التاريخي والمعيشي والحضاري بالعموم إلى مكان عابر ذي قيمة عابرة ودور عابر وبالتالي يعبره من شاء أو يشاء أو من يدفع. وحين يتحول الوطن إلى مكان، يصبح سوقاً يحكمه العرض والطلب، وتتساقط بالتالي مختلف القيم المتعلقة بمفهوم ودور وحضور الوطن. ومن هنا، تحذلق مثقفون فلسطينيون بتخريج صور من طراز: الوطن الذاكرة، الوطن الرمزي، وطن الغياب، غياب الوطن، الوطن الافتراضي…الخ وجميعها تسهيلات وتساهلات للإقرار بوجود شرعي للاحتلال الصهيوني ضمن أغلفة لغوية بمحاميل خطاب السفاح.

ويقود استدخال الهزيمة والاستدعاء والاستدعاء على الاستدعاء إلى تفاقم مرَضيٍّ متمثلاً في تخيُّل المرء أنه حيث اقترب من مكان المستعمِر أو العلاقة به، أو قراءة ثقافته أو إتقان لغته بأن هذا إذا كان ارتفاع في المكان كأنما هو ارتفاع في المكانةِ ! وقد يحصل أن يشعر من حوله من المحليين أنه غدا في مكانة مرتفعة، وهو مناخ تبادل التداعيات المريضة ليس أكثر. وخطورة هذا كله، أنه احتجازات لمقاومة المرحلة بأمراضها وتداعياتها.

يميل البعض إلى تبسيط الصورة بالوعظ بعدم التحرُّج من العلاقة بالاستعمار، حتى لو بلعب دور الأداة، وحتى الاحتلال نفسه، سواء من مدخل، العجز عن المواجهة، لزوم التعايش، الاضطرار، الحاجة، ضعف المقاومة، سقوط رموز، صعوبة المواجهة والتصدي، تعرض المقاومين للجوع والعزل وإسداء النصح لهم ليهتموا بيومهم وأُسرِهم…الخ وحتى اتهامهم بارومانسية والمغامرة والجنون ناهيك عن قلة عددهم وندرتهم كلما استفحل استدخال الهزيمة…الخ

وهذا الوعظ يلخصه قول المتنبي الصوفي المتمرد:

يرى الجبناء أن العجز عقلٌ وتلك خديعة الطبعِ اللئيمِ

فالوعظ لا يستقيم مع المقاومة، وقد يكون الوعظ عقلٌ، ولكن المقاومة روح. وفي أحيان كثيرة، يستند الإنسان إلى الروح بما هي انقى واعلى تمرداً ,اقدر على الاشتباك، يستند على رد الروح الإنساني الأولي المتمثل في أن الحرية هي المبتدأ، وأن اي تنازل عنها هو عبودية بالاختيار أو القسر والأول أخطر وهذا ما يجعله قادر على الاشتباك ولو عزَّ النصير والسلاح وبقيت الروح وحدها.

إن التعايش مع الموقف، خيانة للتاريخ الإنساني بجماعه. ومن يفعل لا يكون تاريخانياً بالقطع. هو من يشد الحياة إلى الخلف، بينما حركة التاريخ إلى الأمام. إن اي تعايش مع الموقف فردياً أو جماعياً، وفي اية مرحلة، هو خذلان للإنسان وبالتالي للتاريخ لأنهما إلى الأمام. وفي هذا الصدد، يكون الحَكَم هو أنت ايها الإنسان. فكل امرىء/أة هو الذي يعرف ما فعل! ومن لا يقرأ أو يقود نفسه، يقرأه الآخر ويقوده ويمثله. فما الذي يتبقى من معنى وجوده؟

دوافع استدعاء الاستعمار

يختلف الناس في دوافع كل أمر، وهم على الأقل مدرستين تاريخانيتين:

· مدرسة التحليل المادي التاريخي بمعنى أن العوامل المادية (لا الاقتصادية المبتذلة) هي التي نؤثر ي وعي الناس، اي تقدم للوعي مسرح الحركة والتحليل والتوجه لاحقاً.

· ومدرسة الفهم المثالي الذي يُسبِّق الوعي على الحضور المادي.

لنختصر بالقول، أن هذا الحديث هو من المدرسة الأولى. تكفي الإشارة في هذا الصدد إلى واقعتين من الراسمالية الكمبرادورية المحلية تحيطان بخناق اقتصاد المناطق المحتلة:

· الأولى مبكرة، عام 1968 ممثلة في إقامة مشاريع التعاقد من الباطن بين فلسطينيين وراس المال الصهيوني وخاصة في قطاع الملابس والأنسجة.

· والثانية تشكيل مجلس الأعمال الإسرائيلي الفلسطيني قبل اكثر من ثلاث سنوات[5].

هذه الوقائع تتحدث عن نفسها بما هي مصالح طبقة بالعموم، ولكنها تتجسد في أفراد أو شريحة، مما يعني احتمال حتى التصارع داخل الطبقة/الشريحة ايضاً. المهم انه لا يمكن قراءة هذه العلاقة خارج المصالح المادية والتوافق مع الاستعمار القائم واستدعائه لمشاريع مشتركة تُديم وجوده!. بكلمات أخَرْ، فالآليات التي تحقق بقاء واستدعاء الاستعمار هي المصالح المادية للطبقة/الشريحة/الفرد…لا فرق إلا في ثقل ذلك على جسد الطبقات الشعبية وروح الأمة.

هناك بالطبع المسار الثقافي في الاستدعاء، وهذا اكثر خبثاً وقد يفشل الرادار النقدي في اكتشافه، إنما لا يفشل الرادار الشعبي ولو بعد حين. فكلما ابتعد المثقف عن الاشتباك لصالح الشعب كلما اغتسل بماء وصابون أو بالزيت مثلاً تمكنانه من التملُّص من الإمساك الشعبي بما يقوم به. والمثقف هنا ليس حالة كتيمة صماء. هو حالة ذهنية ذات قدرة ما على الخطاب ولا سيما المموَّه. وكل هذا يتم توظيفه، توظيف راسماله المعنوي الثقافي الوعيوي أو الرمزي كما يقول آخرون، كي يحصل أو يتحصَّل على سلطة ما، سلطة المكان/المكانة/المال…الخ وكل هذه تخدم الاستعمار الذي حقق المثقف ما حققه من خلال دوره في الاستدعاء، أو خلال استدعاء الاستعمار له إلى المركز لتتم عملية تعميده هناك، سواء بدورات او ورشات أو شهادات…الخ. وهنا وجوب التفريق بين مثقف يُؤخذ إلى المركز وهو متفق سلفاً على دور يُناط به، وبين مثقف يذهب إلى هناك للدراسة والبحث، وهناك يعتمد الأمر عليه في الصمود أو التراخي. قال لي صديق ذات يوم: “يا اخي لماذا هذه الفلسفة في النقد، فلان مثلاً لولا أنهم علَّموه لكان الآن متطوِّح في حواري القرية”. صحيح هذا يا صديقي، ولكن الفيصل : هل جاء تطويره وتطوره على حساب تطوُّح الوطن. هل نضحي بالوطن كي لا نمسَّ فرداً؟ أهكذا تحيا الأمم؟

كثيرة بالطبع دوافع الاستدعاء، ولا نطرح هنا الاستدعاء السياسي من قبل النظمة السياسية التي يحميها الاستعمار لأنه أكثر من واضح.

ما العمل

سألتني صديقة مؤخراً، أنت تجيد ربما تشخيص المشكلة لكنك لا تقدم في أغلب الحالات العلاج[6]؟ وربما يفتح هذا الحديث على دور الكاتب. ليس الكاتب طبيباً بقدر ما هو حالة نقدية انتقادية اساساً. وكلما أمعن الكاتب في وصف العلاج، كلما تحول إلى شيخ والناس مريدين وهذا ما يحصر الناس في الشيخ اي لا يستفز عقولهم، لا يتحداهم. وطالما أن الخلل آتٍ من مصادر عديدة، فلا يمكن أن يكون العلاج إلا جماعياً. إنما لا يمنع هذا من مقترحات يقدمها الكاتب وليس شرطاً أن يفعل.

كمدخل للعلاج، هو النقد أولاً، هو التشريح المشتبك الذي قد يصل إلى إلحاق جراح بمن فعلوا! وحين يُجرحون يصرخون، فتتكون لحظة علاجهم أو استثنائهم إن كانوا قد تورطوا حتى لحظة اللاعودة، اللاوطنية. فركة اذن، ضربة لكمة مع ذكر الأسماء امر هام.

أما المسرح العام لما العمل فهو على الأقل في نطاقين:

· ثقافة الانسحاب إلى الداخل تقييما ونقدا وصولا إلى تبني مشروع التنمية الحماية الشعبية وهي تنمية في مختلف مستويات الحياة

· وفرز الطبقات الشعبية لحركة تمثلها. فلا اضيع من طبقة/ات لا ممثلين لها. هي حركة تعمل جماعياً بتوجيه ورقابة الناس. هنا يصبح كل مواطن محط مسائلة من ممثلي البلد: اين أنت، كيف تعاقدت، لما انخرطت،….

وكل هذا يأخذ وقتاً، فقد اخذ الخراب اوقاتاً فلا تستعجلوا جداً.


[1] خلق التمويل الأجنبي شرائح مستفيدة وخادمة له في الأرض المحتلة تمحضه ولاء لا غبار عليه برأيها بالطبع. أنظر كتاب عادل سمارة: البنك الدولي والحكم الذاتي: المادحون والمانحون، منشورات مركز المشرق/العامل للدراسات الثقافية والتنموية رام الله 1997.

[2] استخدمت هذا المصطلح بالإنجليزية في عنوان مقالة لي عن انجزة الأحزاب السياسية الفلسطينية في كتابي Imprisoned Ideas (1998) من منشورات مركز المشرق/ العامل للدراسات الثقافية والتنموية، رام الله

[3] يفتخر الكثيرون من مثقفينا بأنهم دُعوا إلى بريطانيا، فرنسا أميركا،…الخ من أجل ورشة منحة…الخ، وكأن هذا شرفاً رفيعاً. قال لي صديق ذات مرة، أن سيدة في القنصلية الأميركية في القدس كانت تنسق منحا ودعوات من هذا القبيل، بأنها طرحت قبل 15 عاماً اسم مثقف ماركسي قومي دون أن تسأله، للذهاب إلى هناك لثلاثة اشهر، فكان رد المسؤول: تريدي إرسال من سيخرب الذين معه!

[4] تساءلت صديقة ذات مرة، هل درست في بريطانيا على حسابك أم ممنوحاً؟ وكان سؤالها استنكارياً. لو عرف أنني اشتغلت سائق سيارة بلا رخصة لي ولها لرفيق ماوي تطوع للدرب المضيىء، وفي أعمال الباطون، وتحرير كتب صهيونية الهوى لتحويلها إلى عربية الهوى، ربما كانت لن تسأل!

[5] انظر مقالة عادل سمارة ، ليس اقتصادهم بمعجزة وليس اقتصادنا بعاجز، في كنعان العدد 130 تموز 2007 ص ص 42-65.

ورد في نشرة World News يوم 1-12-2009، ان الصندوق القومي اليهودي تبرع ب 3000 شجرة لمدينة الروابي، ومما ورد في الخبر ان هذه الأشجار قد يحتمي ورائها من يرموا اليهود بالحجارة…الخ ووضع في نهاية الخبر.

أنظر عادل سمارة، كنعان النشرة الألكترونية، العدد 2109، 23 كانون الأول (ديسمبر) 2009: مدن التطبيع: مدينة فلسطينية في “ظلال” الصندوق القومي اليهودي.

[6] من محاولاتي المتواضعة جداً لتقديم علاج لمشكلات كالتي نطرحها ذلك في كتابي الأخير: في القطرية والثومية والإشتراكية، مقدمات في تفكيك مفاصل الدولة القطرية، مشنرورات مركز المشرق/العامل للدراسات الثقافية والتنموية، رام الله 2009