العراق: الشارع ينتخب والخارج يشكل الحكومة

ديمقراطية المحتل ودرس المقاومة

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2209 )

تفيد قراءة المشهد العربي من المحيط إلى الخليج بدروس عدة، لعل أوضحها هذه الأيام، أن حكام الغرب وخاصة الولايات المتحدة إنما انتخبوا كي يحكمونا نحن العرب. فانشغالهم في الشؤون العربية يؤكد أنهم قد تفرغوا لحكمنا نحن، وخاصة حين تكون هناك بوادر نهوض عربي، وتحديدا نظراً لتنامي وشرف المقاومة الشعبية والممانعة من بعض الأنظمة العربية.

وبالطبع فإن كثيراً من القُطريين والإقليميين ومُقرئي الماركسية (أي القدامى) ومرتدي الماركسية يرفضون الحديث عن أمة عربية فهم مُحاصرون بارتباطات ويحاصرون أنفسهم في “ضِيع” صغيرة يُصورونها بأنها أمماً لأن لهم فيها منافع ضيقة. ولعل المفارقة كامنة في أن معسكر العدو ينظر إلينا كأمة ويقاتلنا كأمة ويبذل كل ما بوسعه لتفتيت حتى وعينا المشترك، وهناك ممن هم بيننا يخدمونه في ذلك. قصدا أم صدفة، بأجرة أم تطوعاً…الله أعلم. لقد زارت السيدة رايس هذه المنطقة 17 مرة زيارات علنية فما بالك بالسرية خوفاً في العراق! ترى كم مرة زارت البيت الأبيض؟

انتخابات المذبحة

إنه الغرب الرأسمالي نفسه الذي اغتصب فلسطين لصالح الكيان الصهيوني الإشكنازي، نعم نفسه الذي دمر العراق وما زال يبيد شعبنا هناك. وهو الغرب الأبيض نفسه الذي، بواسطة أدوات محلية هنا وهناك يجرنا من المذبحة بالدم إلى مذبحة الوعي “مذبحة الديمقراطية”! أليس هذا مشهداً لا معقولاً!

لقد أُجريت في الأرض المحتلة انتخابات لمرتين، تحت حراب الاحتلال. هل تتخيل القارئة/ىء اننا نجري انتخابات تحت احتلال استيطاني وبتمويل الغرب العدو الذي لا يخفي عدائه!، بينما هناك بلداناً تقاطع قواها الحية انتخابات داخلية فيها احتجاجاً على خروقات صغيرة من سلطاتها القومية! أما هنا فركَضَ أُناس وهتفوا ورفعوا اليافطات واشتبكوا وغنوا: هل كان أحمد شوقي نبيا حينما كتب:

هتفوا لمن شرب الطلى في تاجهم واباح عرشهم فراش غرامِ

نعم بدل الانشغال في مناهضة التطبيع والمقاومة، تم جر الكثيرين لانتخابات بينما الاحتلال في الوعي والمخدع معاً.

والغرب نفسه الذي أمر بإجراء الانتخابات في العراق مرتين محفوزة ب “وعي/حقد” طائفي وموصوفة بالديمقراطية والتعبير عن الراي. انتخابات على صفائح من الدم المتخثر، ومكتوبة بدم يسيل في كل لحظة!

أما الدرس المستفاد في علاقة القطرين الذبيحين، فهو أن تجربة تراجع المقاومة في الأرض المحتلة ولدت وليدا سفاحاً تم تصديره إلى العراق. بمعنى أن المشترك المطلوب على الصعيد القومي العربي هو نقل الهزائم والأمراض والآفات. وهذا النقل هو أحد مداميك الشرق الأوسط الجديد. شرق عميل للغرب العظيم. لمجد اليهو-سيحية والمحافظية الجديدة.

ما جرى في العراق كان إحياءً لأخطر الأمراض التي يعرفها الغرب الأكاديمي/الاستشراقي في وطننا، اي الفسيفسائية الطائفية التي هي تقسيم لكل قطر من داخله لينحط تنازليا إلى تصارع كل منزل سني مع جاره الشيعي.

لا تستغربوا إن كتبت بأن مسألة الفسيفسائية/الطائفية هي مساقات يتم تدريسها في الجامعات البريطاينة للتعليم ضد القومية العربية والأمة العربية اي لإنكارهما ودحضهما. بعبارة أخرى هناك تعليم منهجي في جامعات الغرب وليست مجرد نقاشات عابرة وعفوية. وهم بالطبع يلتقطون كل عربي لديه ثقافة قطرية أو كرهاً للقومية العربية ليخلقوا منه شخصا آخر ودوراً آخر. ومن يفتح عينية يرى!

كيف تستقيم الديمقراطية المركَّبة على آفات ثلاث:

· انتخابات “حرة” في وطن مستباح من أكثر جيوش العالم وحشية وشهوة قتل؟

· سلطة عميلة للاحتلال، وتقول أن العراق بلد ذو سيادة

· مذابح وتثقيف وتحكُّم طائفي يمتد إلى خارج العراق نفسه!

غياب الوطني/القومي وتراكب الطبقي والطائفي

قامت سلطة الاحتلال في العراق بتنقية الأسماء المرشحة في العراق كي لا يكون فيها بعثياً واحدا، بل حتى متعاطف مع البعث؟ وهذا موقف سفيه إلى حد يعلو على السفاهة وخاصة حين يتم تحت مزاعم “حرية الانتخاب – الديمقراطية”. فإذا كان احتلال العراق وتدميره هو “لتخليصه” من “سطوة” البعث ألا يسأل الطائفيون أنفسهم وسادتهم لماذا ما زال الناس ينتخبون البعث طواعيةً، وذلك إلى درجة كل هذا القلق ومتابعة كل اسم باسمه!

جرت الانتخابات في العراق فقط على اسس طائفية تماماً، وبأغلفة لا طائفية لغوياً لا قيمة لها ولم يُسمح بالانتخابات لا الأولى ولا هذه إلا لتكريس التقسيم الطائفي والإثني والقومي في العراق. كان هذا هدف التدمير، وهذا هدف الانتخابات.

والآن، فالكاسبون من الانتخابات يحملون إرثهم الطائفي والطبقي والتخارجي السياسي إلى مرجعياتهم كي تدعمهم ضد بعضهم البعض. هل يمكن للعقيدة الطائفية والمصالح الطبفية الناجمة عن الفساد والمافيوية أن تحول دون تذابح العملاء؟

ليس شرطاً! فالمصالح لا ترحم. لذا، ليس شرطاً أن يتفق المالكي وعلاوي على حكومة مشتركة. فالمالكي الذي لم يتمكن من حسم الطائفة الشيعية لصالحه كلياً لجأ إلى إيران. وعلاوي الذي استخدمته أميركا في الفترة الأولى لجأ إلى أميركا. لكل منهما ارتباطاته، وفي النهاية ماذا لديهما أو لدى مقتدى الصدر كي يقدمونه لمرجعياتهم غير تراب العراق ونفطه؟

صراعات ومرجعيات

هو تشابك، وربما صراع على أرضيات طائفية داخل الطائفة الواحدة على السلطة، وتشابك وصراع طبقي داخل الطائفة الواحدة والوطن باسره على مصالح طبقية.

وهو كذلك استجارة بالمرجعيات التي تحرك قيادات الطوائف والقشرات الطبقية. ولكن

على ماذا؟

المحليون يتصارعون على دور، إشراف معين على ثروة العراق وليس تحّكُماً بها، يتصارعون على وكالات على وصاية لا سيادة وتحكُّم، والولايات المتحدة هي المتحكم الحقيقي في الوكلاء من الجانبين. فعلاوي عاد بزخم جديد مدعوما من الولايات المتحدة التي لم تعد راضية عن أداء المالكي خلال خدمته لها، والمالكي فعل هذا لأنه طائفي اصلاً، ولأن سيده قرر بيعه فقفز ليبيع نفسه لإيران.

وعلاوي الذي جدَّد نفسه عبر غض الطرف من بعض المقاومة عنه وهو جزء من الثمن أو الرصيد الذي جمعه كي يعرض مفاتنه للولايات المتحدة.

ومراهنة من دعموا علاوي تتركز في أن الاحتلال الأميركي ذاهب ذات يوم، بينما الجار الإيراني جاثم على الحدود بل هو داخل جنوب العراق.

ولكن، لو كان المالكي ضد الولايات المتحدة كاتجاه مشبوه من الإسلام السياسي، لما خدمها طيلة السنوات الماضية، ولو كان علاوي ضد إيران لما خان البعث وشرعن الاحتلال منذ يومه الأول بما حمله ونفَّذه مشروع الاحتلال من تدمير لكل ما بناه عراق البعث، ولما مارس ذبح أبناء العراق وتقسيمه وتضميخه بالطائفية وإقامة دولة يهودا الكردستاني لا دولة الشعب الكردي!. لا بل إن علاوي أثناء رئاسته السابقة للوزارة تحت الاحتلال كان قد صرح بانه تعامل مع مخابرات 16 دولة أجنبية! طوبى لمن سيهواه قلب علاوي!

البصمة الرسمية العربية

ليكتمل مشهد المذبحة، كان لا بد لحاضنة القُطريات العربية من دور، دور شاهد الزور الذي لا صلاحيات له، ولا ضرورة سوى أن يعتبر الاغتصاب حبا حراً! هكذا كان دور جامعة “الدول” العربية التي بدل أن تلتزم بالحد الأدنى من احترام الذات فتباعد ما بنها وبين السياسة العراقية بجماعها، وبالطبع لا نأمل منها الاقتراب من المقاومة، فقد أرسلت الجامعة من يشارك في هذا النفاق على الدم والأرض. وهكذا مورس طعن الأمة من قبل كل دولة بمفردها ومن قبلها عبر الجامعة.

بعدها عادت وفود الجامعة بعار التطامن على تمفصلات الاغتصاب، بينما صرحت طهران أنها مستعدة لاستقبال كافة قيادات الكتل العراقية. اي أن طهران هي المرجعية ولا مرجعية عربية للعراق!

وعلينا التذكر، أن هذه المؤسسة الخَرِبة والخطيرة والمخربة سوف تلعب الدور نفسه في كل قطر عربي محكومة ومقودة بأمرين:

· الأول تكميل وتنفيذ مخطط الشرق الأوسط الأميركي

· والثاني مقاتلة المقاومة في كل بوصة تتواجد فيها

· وفي النهاية توسيع الاعتراف بالكيان الصهيوني الإشكنازي ليندمج اندماجا مهيمنا في الوطن العربي، اي التطبيع بل استدخال الهزيمة.

السرُّ في المقاومة

أين يكمن سر كل هذه التعقيدات؟

ألا يكمن في المصالح الطبقية؟

في الركض وراء والتمسك ب القوة، السيطرة والمصالح…الخ التي لا حدود لها.

هذه قاعدة في فهم الحياة في المجتمعات البشرية طالما هي تكوينات طبقية. لذا، لا يكتفي عميل وصل السلطة ببضعة ملايين ولا تريليونات ويقول لماذا لا أُغادر الساحة؟

إن الترجمة العملية للمصالح الطبقية هي التراكم والحصول على الربح اللامحدود، وبما أنه لا محدود فإن الساعي وراء الربح لن يتوقف عن تعظيمه. اللامحدود سراب لا يمكن تحققه.

من هنا، لا مجال للوعظ الأخلاقي والديني والتراثي والإنساني بأن يتحول الحاكم/المالك إلى قانع، فكيف حينما يكون عميلاً؟

ليس الرد إلا في السر الأعظم، في المقاومة. والمقاومة في العراق هي الأكثر صعوبة في التاريخ الحديث. فهي ولدت في مرحلة هزيمة بل تآمر المحيط العربي الرسمي ووقوفه مع احتلال العراق، ناهيك عن الكثير من المرتدين عن الماركسية الذين تحولوا إلى أبواق هتاف لاحتلال العراق، والاعتراف بالكيان الصهيوني موتورين ضد القومية العربية من مداخل العجز النظري وصعوبة فهم النظريات الثورية، فانتهوا اميركيين وتسووين.

نعم المقاومة العراقية بطلة لأنها مقاومة ولأنها عملت في اصعب الظروف، هي في منطقة اقرب إلى حرب غوار المدن منها إلى حرب غوار الأرياف الجبلية.

وحدها المقاومة التي تدرك أن الاحتلال جاء فقط لتدمير العراق كموقع عربي محتمل للعب دور الدولة المركزية، ولا يرعب العدو سوى هذا الاحتمال. لذا، بقدر ما ندرك خطورة الاحتلال، ندرك أهمية المقاومة بما هي الرد الوحيد بنفس، بل بأكثر من ثقل الاحتلال. سيأخذ هذا وقتا اضافياً، لكن لا طريق آخر. وربما لأن الكتل الانتخابية الكبرى ذات المرجعيات الأجنبية عارفة بالحقيقة وبدور المقاومة ربما تتفق وتتوافق لأن الخطر عليها من الشعب العراقي ممثل في المقاومة. وإن غداً لناظره قريب.