حكومة نتنياهو: ستهرب إلى الأمام ولن تحقق السلام

محمد خضر قرش ـ القدس المحتلة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2209 )

اعتاد شعب فلسطين على المماطلة الإسرائيلية منذ حرب عام 1967 وليس من بداية اتفاقية التفاوض التي تم التوقيع عليها في أوسلو قبل نحو 18 عاما. فالحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كانت في كل مرة تتهرب أو تتملص من صنع السلام إما بحل الحكومة والذهاب إلى انتخابات مبكرة أو بشن حرب ضد الفلسطينيين أو اللبنانيين أو السوريين أو في مواصلة المفاوضات العبثية لإقناع الرأي العام العالمي بأن المسيرة السلمية مستمرة. ويمكن القول بأنه منذ مقتل اسحق رابين لم تجرِ إسرائيل مفاوضات جادة بغرض تحقيق السلام والانسحاب من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة. فباستثناء ما تم على الجبهة المصرية فإن المفاوضات على الجبهتين الفلسطينية والسورية كانت لذر الرماد في العيون ليس أكثر. المشكلة أو فلنقل العقبة الرئيسة التي كانت وراء عدم تحقيق السلام تكمن في المفاهيم التلمودية الإسرائيلية (اليهودية) المبنية على كون أو اعتبار الضفة الغربية جزءا لا يتجزأ من ارض الميعاد. وعليه فهي تتفاوض مع الفلسطينيين من اجل إضاعة الوقت بالدرجة الأولى لتغيير معالم الأرض عبر توسيع رقعة الاستيطان وبالتالي خلق وقائع ميدانية عليها تحول دون إعادتها إلى أصحابها الشرعيين وفق قرارات الشرعية الدولية. فكافة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تؤمن يوما قط بان الضفة الغربية وفي القلب منها القدس هي أرض فلسطينية. لذلك تصرفت وفاوضت ومارست سياساتها العنصرية ضد الشعب الفلسطيني وأرضه انطلاقا من هذه المفاهيم الإنكشارية والتي لا تستند إلى حقائق دينية أو تاريخية وحتى تراثية موثقة وذات مصداقية. فالفكر الصهيوني يقوم على أن الشعب الفلسطيني يحتل هذه الأرض وعليه أن يرحل. ولا أدل على ذلك مما يتم تلقينه لطلبة المدارس من أن الفلسطينيين غرباء وأن هذه الأرض هي أرض إسرائيل. لذلك ليس غريبا استمرار تفوه الحكومات المتعاقبة بأنها تقدم تنازلات مؤلمة للفلسطينيين والعرب حينما توافق على مجرد بقائهم فوق هذه الأرض وإطلاق صفة مقيمين عليهم. فالمماطلة الإسرائيلية لم تأت عبثا أو بالصدفة وإنما انطلاقا من هذه المفاهيم التلمودية البائسة. ولو كان لدى الإسرائيليين قناعة بان هذه الأرض هي أرض فلسطينية لأمكن منذ فترة طويلة حل المشكلة وانسحاب جيش الاحتلال من الضفة الغربية كلها بما فيها القدس.

الإسرائيليون بشكل عام لا يشعرون بأنهم محتلون لهذه الأرض بل على العكس تماما، فهم يؤمنون بأنهم تمكنوا من تحريرها من الفلسطينيين الغرباء.لذلك فهم لا يخجلون مما يفعلونه ضد الفلسطينيين سواء بالطرد أو بالإجبار على ترك الأرض أو بالاستيطان أو في عمليات التهويد المنتظمة وتدمير العديد من القرى والمعالم الفلسطينية وإخفائها من الوجود، ومن يشك فيما سبق فعليه قراءة ما كتبه مناحيم بيغن في كتابه (التمرد – قصة الأرغون)الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1978،حيث يتحدث فيه عن ارض الآباء وجيش المقاومة والطريق إلى النصر وفتح يافا…الخ وتخال وأنت تقرأه أن كاتبه هو جورج حبش أو نايف حواتمة أو كاسترو أو جيفارا.لا يمكن أن تتصور أن مؤلفه هو مناحيم بيغن !!. فالمشكلة والعقبة تكمن في هذه الذهنية أو قل الخلفية الأيديولوجية. فهم يتوهمون بأنهم أصحاب هذه الأرض ونحن غرباء. لذلك لا يمكن الوصول إلى حلِ معهم بدون أن يغادروا هذا الوهم الذي يعشعش في دماغهم وسلوكهم وممارساتهم. من هنا لا اعتقد بأن الحكومة الحالية بشخوصها اليمينية الموغلة في التطرف والتي تقف على يمين مناحيم بيغن وشامير وشارون،تستطيع صنع السلام أو إجراء مفاوضات جادة تؤدي إلى سلام حقيقي ودائم. ذلك هو السبب الحقيقي الذي يقف وراء تعثر كل المفاوضات منذ انطلاقها في أوسلو وحتى اليوم. هم يعتقدون بأنهم يتصدقون علينا ويصنعوا لنا معروفا لمجرد جلوسهم معنا والسماح لنا بالإقامة هنا دون أن يكون لنا اكتساب حق المواطنة بمفهومها السياسي والوطني والديني والتراثي والتاريخي.لن تنجح أية مفاوضات مع الحكومات الإسرائيلية ما دامت تعيش في الوهم سالف الذكر. لذلك حينما كانت المفاوضات تصل إلى مرحلة اتخاذ القرارات ووضع جدول زمني ملزم بالانسحاب من الأرض الفلسطينية والوفاء بالاستحقاقات المترتبة عليها تهرب الحكومات الإسرائيلية إلى الأمام عبر شن حرب أو حل نفسها والذهاب إلى الانتخابات المبكرة أو الإعلان عن نيتها في استئناف المفاوضات لتحقيق السلام والذي غالبا ما يكون تحت ضغوط أميركية. تلك هي تجربة شعب فلسطين في التفاوض مع إسرائيل. الحكومة الإسرائيلية الحالية تعيش في أزمة مع حلفائها وليس مع العرب. لقد تمكنت إسرائيل عبر العقود الماضية من الإفلات من دفع الاستحقاقات المترتبة عليها تحت حجج مختلفة مستفيدة من التكتلات التي كانت سائدة قبل انهيار المنظومة الاشتراكية. ولكنه الآن وبعد أن باتت حليفتها الكبرى هي زعيمة هذا العالم بدون منازع وأفول الحرب الباردة،لم يعد باستطاعتها التشكيك بحليفتها الكبرى الولايات المتحدة الأميركية والتي لولاها لما تمكنت من البقاء حتى الآن وبهذه القوة غير العادية.

لذلك فإسرائيل الآن في مأزق أو ورطة مع أصدقائها ولا بد أن تتعامل معها بأقل خسائر ممكنة بالنسبة إليها.كيف السبيل إلى ذلك هذا ما يجب أن نحيط به ونتوقعه. استنادا للتجارب السابقة فالحكومة الحالية لن تصنع السلام،بل هي غير راغبة بتحقيقه والانسحاب من الأرض الفلسطينية مع أنها قادرة على ذلك لو أرادت للأسباب المشار إليها آنفا.لذلك فهي إما ستهرب إلى الأمام عبر خوض حرب على قطاع غزة كما فعلت حكومة أولمرت للتهرب من الاستحقاق الذي كان عليها أن تفي به للرئيس جورج بوش الابن ,ولدى إسرائيل دائما حجج ومبررات كافية وجاهزة لشن الحرب، وإذا كان ذلك غير ممكن أو متاح لأسباب دولية وإقليمية فإنها ستفتعل أزمة ائتلافية تحل نفسها وتذهب إلى انتخابات مبكرة مما يعني وقف الضغط الدولي عليها وخاصة من الجانب الأميركي، وستكسب إسرائيل ستة أشهر على الأقل لتواصل بها سياسة الاستيطان في كل مكان بما فيها القدس.لكن الشيء الأكيد والذي لا شك فيه أن هذه الحكومة الحالية لن تحقق السلام ولن توقف الاستيطان لكونه يتعارض مع ايدولوجيتها التي اشرنا إليها قبل قليل. وإذا كانت الحرب على إيران ليست مستحيلة رغم صعوبتها التقنية واللوجستية،لكون أن شنها لا يتوقف على قرار إسرائيلي فحسب، فالحرب على قطاع غزة هي أسهل وأقل خسائر بالإضافة إلى أن التبرير متاح وجاهز. ومن هنا فأن الجانب الفلسطيني مطالب بأن لا يعطي الحكومة الحالية أية مبررات لمساعدتها على الهروب إلى الأمام من أزمتها الحالية. يتوجب علينا أن نلعب سياسة بدلا من نفخ الأبواق وتلوين الريش بألوان غير مستحبة وغير مفيدة بل ومضرة بالنضال الوطني الفلسطيني. على الفلسطينيين والعرب عدم تسهيل خروج حكومة نتنياهو من ورطتها بل علينا تأزيم وضعها أكثر لتستجيب وتخضع للضغوط حتى لو أدى ذلك إلى فض الائتلاف الحالي والذهاب إلى انتخابات مبكرة. المهم بالنسبة للفلسطينيين أن لا نعطي إسرائيل مبررات للهروب إلى الأمام عبر شنها حرب ضد قطاع غزة. هذا هو المحظور بعينه الذي يتوجب عدم سلوكه أو ولوجه مهما كانت الظروف. هذه الحكومة لن تصنع السلام وستهرب قطعا إلى الأمام لئلا تدفع استحقاقات التسوية والتي طال انتظارها بأكثر مما يجب.