المحكمة: اداة لخظة فاشلة

العميد الدكتور امين محمد حطيط

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2212 )

فجأة تعود المحكمة الخاصة بجريمة قتل الرئيس رفيق الحريري للواجهة، ويعود الاعلام للتلويح بسيفها، ويشهره مباشرة هذه المرة بوجه الجهة التي ما كانت العملية الاميركية السياسية والامنية في لبنان الا من اجلها… المقاومة… فاميركا لم تفعل ما فعلت بلبنان ولم تبد اهتماما به كرمى لعيون من يخدعون انفسهم بانهم مهمين او انهم يقودون شعبهم على حد وصف جورج بوش لفؤاد السنيورة (عندما كان رئيسا لحكومة الاستئثار المخالفة للقواعد الميثاقية في لبنان.) اميركا لم تهتم بلبنان الا من اجل التخلص من المقاومة التي افسدت بوجودها وانتصارتها ركنا اساسا من اركان استراتيجية الهيمنة الغربية على الشرق، وذلك بتعطيلها لركن القوة عندهم واظهار العجز فيها، ثم اثبات القدرة على الانتصار على اسرائيل…….اميركا هنا اذن للتخلص من المقاومة، فتطمئن على استمرار هيمنتها وحكمها للشرق. ولكن سنوات خمسة مضت ولم تستطع اميركا ان تنال من المقاومة في كل ما سبق وفعلت… فلم تنفعها القرارات الدولية (1559) ولا الحوار المسمى وطنياً، ولا الحرب الاسرائيلية… ولا قرارت الفتنة التي ارتدت على اصحابها وانتهت بنزع انياب المنفذين وبعض اظافرهم… ثم انتهت الجولة كلها بتغيير في خريطة الداخل اللبناني استراتيجياً… وتراجع موقع المحكمة يومها… ليعود ويطفو على السطح الان..

ويطرح السؤال لماذا الان وفي هذا التوقيت بالذات؟

والسؤال مبرر لانه من غير المعقول تقلب المحكمة في ميدان الاهمية تفدما وتأخرا الا بقرار وتخطيط من الممسك الفعلي بها: اميركا، التي اتخذتها منذ البدء اداة من ادواة تنفيذ المشروع الاميركي ـ الصهيوني في لبنان. فالتحقيق الدولي هو الذي ادى الى الاعتقال التعسفي لاربعة ضباط هم قادة الاجهزة الامنية وحراسة رئاسة الجمهورية، اعتقال فتح الطريق لارساء النظام الامني الاميركي الذي اقتضح محتواه بتلك الاتفاقية العجيبة التي وقعتها حكومة السنيورة مع اميركا ووتنازلت لها عبرها عن الامن اللبناني ومعه السيادة… وتهويلات التحقيق الدولي كادت ان توقع الفتنة الداخلية في لبنان لولا تدارك العقلاء وقادة المقاومة الذين حددوا الهدف ولم يضيعوا الاتجاه في الرد على استفزاز المأجورين.

لقد ظل المخطط محتفظا بالمحكمة الدولية ليس لاجل الحقيقة التي لا تهمه كما نعتقد (ولو كانت الحقيقة مهمة له لسلك طريقها و لم يضيعها في دروب التزوير) بل من اجل استعمالها عند الحاجة لاسناد المشروع الذي لم يقو على الاستمرارفاعلاً اكثر من ثلاث سنوات انتهت بوضع الحد لعهد الاستئثار، وباسمترار المقاومة قوية منيعة كما وبوقف التخندق العدائي ضد سوريا رسميا. و الان يبدو ان للمحكمة دور يعول عليه، بعد حصول متغيرات بالغة الاهمية في لبنان والمنطقة ـ متغيرات تشكل المقاومة جزءاً رئيسيا فيها اثرا وفعالية ـ خاصة مع ترقب احداث يروج لها الفريق الغربي وادواته في لبنان، وتتمحور حول مشروع حرب خاطفة تنقذ المشروع وتنهي الملف النووي الايراني.

ففي لبنان، تطرح مسألة النظام الامني الاميركي والاتفاقية الامنية التي جعلت من اميركا صاحبة وصاية على الامن الداخلي، وفي دمشق اعلنت استراتيجية: “الحرب الشاملة والتقابل التدميري للاهداف المتكافئة ” وعلى الصعيد الفلسطيني تستمر المقاومة بالثبات على مواقفها الرافضة لتصفية القضية و متمسكة بسلاحها في غزة، وفي ايران افتضح العجز الدولي عن احداث فتنة وانشقاق يطوق النظام ويسقطه، او الدخول في حرب تطيح بالمشروع النووي السلمي، او اللجوء الى عقوبات تلوي ذراع الدولة فتستسلم.

وفي كل ما ذكرنا نجد للمقاومة في لبنان صلة او موقع مؤثر، فهي ترفض مع كل الوطنيين اللبنانيين استمرار النظام الامني الاميركي في لبنان وتطالب معهم باعادة النظر بالمعاهدة الغاءً او تنقية من االلشوائب، وفي دمشق كان قائد المقاومة ركناً من اركان استراتجية الدفاع والمحافظة على الحقوق و التحرير، وعلى الاتجاه الفلسطيني تقوم المقاومة بدور المؤازرة والاسناد في حدود ما تسمح به الجغرافيا والامكانات، وعلى الاتجاه الايراني تخشى اسرائيل من دخول المقاومة في الحرب اذا استهدفت ايران بعدوان ما.

انها المقاومة المنتصرة في السابق، والمستفيدة من المتغيرات حاضراً و التي تشكل عائقاً لتغيير الوضع لصالح اميركا مستقبلاً… لذلك و في الوقت المخصص للاعداد و التحضير للحرب القادمة يرى المخطط انه من المفيد مشاغلتها لشلها!!!… ويكون مفيدا امر العودة الى المحكمة الدولية واستعمالها ضد المقاومة.. من اجل:

ـ اجبارها على اتخاذ موقع دفاعي ينسيها مهامها الاساسية في مواجهة المشروع الصهيواميركي واحتلال الارض اللبنانية ومواجهة تهديدات اسرائيل للبنان، ويمنعها من التحرك في حراك عسكري مستقبلي ضد اسرائيل.

ـ زرع فتنة في الداخل تمنع اي بحث في امر النظام الامني الاميركي التي ارسته الاتفاقيات غير الدستورية، كما ويشغل المقاومة ويصليها ناراً تهب عليها من الداخل، فترتاح اسرائيل من نارها.

هذه هي الخطة فهل تنجح؟……… هنا نرى انه غاب عن المخطط فهم الواقع و تقدير الموقف بدقة، فالفتنة في لبنان اليوم مستحيلة لاكثر من سبب اهمها ان ادوات اميركا لا يقوون على الاستمرار في ميدانها ان اضرموا نارها و سيحترقون بها ان فعلوا. كما غاب عنه ان وضع المحكمة ذاتها واهن، فهي لم تستعد صدقية لازمة لها بعد ان امتنعت عن تطهير نفسها من ادران ميليس و شهود الزور. الشهود الذين لا يزالون يتمتعون بحماية المخطط (بعد ان امتنعت المحكمة الدولية عن ملاحقتهم، واحجم القضاء اللبناني عن الاضطلاع بهذه المسؤولية، وامتنع لبنان عن التعاون مع سوريا لملاحقتهم).

لكل ذلك نقول ان خطة اميركا الجديدة في لبنان، خطة مكشوفة ونجاح الهجوم المعاكس الذي تعتمده امر يكاد يكون ميؤوس منه، ولكن يستوجب الحذر من مشاريع الفتن، كما ينبغي ان تتابع مسألة الاتفاقية الامنية الاميركية -الاربعة عشر آذارية، وكل الاتفاقيات المماثلة حتى نعيد للبنان سيادته الامنية وقراراه المستقل و يسقط النظام الامني الاميركي في لبنان كلياً ً.

:::::

العميد الدكتور امين محمد حطيط

استاذ جامعي في القانون

قائد كلية القيادة والاركان اللبنانية سابقاً