إستباحة النصوص بالإستسهال: الشيوعية الليبرالية

أحمد حسين

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2213)

قرأت في موقع أجراس العودة مقالة أحمد قطامش بعنوان ” كيف حضرت الماركسية – اللينينية في تجربتي السياسية”.

قدم قطامش لما أراد أن نظن أنه مشروعه الفلسطيني، بأنشودة إيديولوجية حزبوية، بدأها بتلاوات فلسفية من الماركسية، ثم بوجدانيات تحررية معروفة لا خلاف نظري ماركسيا على منطوقها، وختم بآمين حزبية طويلة تشي بمشروعه الحقيقي. وسواء كان هذا المشروع متابعة لتجربته الوطنية أو التفافا عليها، فالنتيجة واحدة أفصحت عنها نصوصه بطلاقة ووضوح تام.

ما عدا بعض ما نظن أنه انزلاقات معرفية أو غرضية، فلا خلافات جوهرية مع ماركسية قطامش المدونة، لأنها توافق مدى علمنا المتواضع بالماركسية في معظم الأمور. ولا خلاف أيضا مع مشروعه الحزبي وحماسه اللينيني المفرط، لأن الموضوع لا يهمنا كفلسطينيين بحكم أن منعه ليس في متناول يدنا. ما يستفز الصد لدينا هو ذلك التناول السهل لوعينا الفلسطيني بعد تجربة طويلة من الفشل الوطني والقومي المتلاحق في علاقتنا بالحزبوية الشيوعيه العربية. وكفلسطينيين كنا أكبر المتضررين من تلك التجربة، لا لأن تلك الحزبويات كانت تمثل توجهات الماركسية تجاه قضايانا القومية وقضيتنا الفلسطينية، بل لأنها لم تكن كذلك. كانت، في رأيي مثلا، انعكاسا صميميا لشكل العلاقة بين الصهيونية واليسار الأوروبي في أعقاب التجربة المشتركة مع النازية. وقد جعل هذا منها في الناتج العملي تخليقات معادية فلسطينيا، أعلنت موقفها التقدمي سلفا، وطالبت بإفشال مخططات الإمبريالية عن طريق عقد قران تحرري ” بين شعبي فلسطين “. أي أنها وقفت بعفوية التحرر والتقدمية مع الحق اليهودي والفلسطيني على حد سواء في فلسطين. وقد بدت الماركسية في الذهن الفسطيني الوطني الذي قادته الرجعية حينذاك، وكأنها حركة تصوف تحرري وصهيوني ودولي. والمقصود بالرجعية الفلسطينية هنا القيادات الوطنية التي عارضت تقسيم فلسطين، وليس الرجعية “التحررية ” التي كانت قد ربطت مصيرها بالصهيونية مبكرا جدا، وربما قبل اليسار الشيوعي العربي.

باختصار نحن نعترض على أن تكون القضية الفلسطينية قضية إيديولوجية، يتم تكريسها تحرريا فقط،، ليتمكن قطامش من إقامة حزب شيوعي ” فلسطيني ” جديد على احتمالات التسوية السياسية النهائية. أنا كماركسي أعرف مثل قطامش أن الإنتهازية أعدى أعداء الإيديولوجيا، لأنها تعني إسقاط عامل الإلتزام وموت أية إيديولوجيا. وحسب الماركسية فإن المرحلية وظروف الموقع الموضوعية، هي التي تحدد شكل الإلتزام ومضمونه العملي في الوعي النظري، لقطع الطريق على الإنتهازية التي تريد إحلال وعيها الخاص. القانون الطبيعي هو النواة العلمية لحركة التاريخ. وهي حركة سياق جدلى مترابط ومتواصل ومتواشج تطوريا. وببداهة التجربة ليس هناك حركات مفردة آو معزولة أو ثابتة في التاريخ. هناك مفردات مرحلية لذلك فإن العقل البشري هو آلية تطورية جدلية لقانون الوعي العلمي، يقترح الإلتزام ولا يقترح القانون، ويؤدي التحرير فيه دور الحتمية الموضوعية، أي الضرورة، أمام التحرر الإجتماعي. وإذا لم يكن في الأمر سحر من نوع ما فإن القانون الطبيعي يملك نظاما ثابتا للتجربة. وهو لا يقترح الأولويات، بل يحتمها في كل أشكال الحركة، فنحن ملزمون بنظام موحد للبناء المادي والفكري يبدأ من القاعدة الترابية أو من المقدمة العقلية. إنه يشخص قانون الحركة في الخاص قبل العام، لذلك لا يمكن أن يطرح التحرر قبل التحرير، لأن التحرر سياق اجتماعي ممتد له حيثيات عملية تختلف عن التحرير، الذي هو صراع بقاء ومحافظة على الذات الإجتماعية والإنسانية، في آنية وجود مهددة بالنفي. وما دامت الظرفية الإجتماعية مملوءة بالآخر احتلاليا، فأين هو إمكان الحركة التحررية سوى في التحرير أولا؟ أم أن طرح التحرر كمقدمة للتحرير، هو إلغاء متعمد لظرف الحركة الموضوعي، وفصل للتحرر عن كونه آلية موضوعية للتحرير، ليصبح آلية موضوعية لإنشاء حزب انتهازي بدون وطن؟

وقطامش لا يستطيع، بهدف تكوين مصداقية وراء الوعي، إلا أن يخترع وعيا عاريا من الوعي ينسبه ظلما إلى الماركسية. معتقدا أنه يقدم وعيا ملتبسا يستطيع الفلسطيني الجاهل، أو الملتبس على وعيه كظاهرة اجتماعية غير منطقية، تعيش في تاريخ يقوم هو بمنطقته على هواه، أن يتبناه بسهولة تناسب سذاجته الفطرية. إسمعوا هذا المتصوف في وعيه الذاتي، كيف يبرر انتقائيته، بتجربة لا يحسد عليها أحد، ومن خلال ترافع نصي يشبه الفضيحة :

منذ البدايات، وفي وقتٍ مبكّرٍ من الشباب، بهرتنا مقدرةُ لينين على بناء حزبٍ تميّز بالثبات والتصميم على بلوغ أهدافه بالأساليب الثوريّة. وكانت مقاربته للمسألة اليهوديّة هي مع إدانة الصهيونيّة كحركةٍ استعماريّة. قلنا لأنفسنا: ماذا يحتاج العربُ والفلسطينيون أكثرَ من ذلك؟ لقد كان أنموذجًا وقوةَ مثالٍ، الأمرُ الذي دفع مثقفًا من وزن إلياس مرقص في السبعينيّات إلى التنظير للحزب البروليتاريّ العربيّ.

كونه انبهر بالتجربة الحزبية السوفييتية ليس مصدرا للوم حتى على مستوى ” النخب النخبوية الثورية “، فلم نكن نقل عنه انبهارا وشغفا بالتجربة الحزبية السوفييتية، وكان شغفنا بالمركزية الحزبية لا يقل عن شغفنا بدكتاتورية البروليتاريا. وهو لم يصبح شغفا مجانيا إلا بعد فشل النطرية الحزبية للينين، التي أثبتت أن ثورية الحزب الذي يملك الدولة، هي استحالة موضوعية. ولسنا الآن بصدد هذا، ولكننا بصدد ورطة ( “التمثل” لا “الانفصال” مع إدانة الصهيونية ) التي يقول قطامش أنها مقاربة لينينية للمسألة اليهودية. وهي مقاربة لا غبار عليها تفي بالتوجه الثوري الماركسي. فلينين لم يكن لاساميا أو معاديا لليهود. والشعب الفلسطيني رغم معاناته الجهنمية من الصهيونية لم ينحدر إلى هذا الموقع. ولكن هذه المقاربة اللينينية والماركسية من قبله لا علاقة مباشرة لها بما حدث للشعب الفلسطيني وليس من الموضوعية، بأية حال من الأحوال، أن يشعر الفلسطيني بالرضا أو الغضب حيالها، على الأقل في قضية التمثل والإنفصال. أما في الموقف النظري من الصهيونية وإدانتها، فقد كانت لحساب التموضع الصهيوني المعادي طبقيا وسياسيا للمبادئ الماركسية، ولحساب أي شعب مضطهد صهيونيا وإمبرياليا. ولا يبرر ذلك التساؤل الموظف انتهازيا ببله طوباوي شديد (ماذا يحتاج الفلسطينيون والعرب أكثر من ذلك؟ ) إلا لهفة اللحظة الإنتهازية الحزبية على اقتناص الفرصة لجر الفلسطيني الساذج إلى مائدة مثقلة بالجوز الفارغ. على الفلسطينيين أن يعترفوا بالرصيد اللينيني الذي أدان الصهيونية كفصيل إمبريالي، لكي يحيلوا هذا الرصيد فيما بعد إلى حزب قطامش الشيوعي لآنه يؤيد مقولة لينين الفاضلة. أي أن على الفلسطينيين أن يدفعوا لقطامش الدين الذي تركه لينين عليهم. هذا فقط هو ما نعترض عليه. التصيد الإنتهازي خارج أية علاقة موضوعية. أما قضية التمثل والإنفصال فهي معادلة غير ممكنة أصلا لأن اليهود وجود موضوعي وليس مجرد فكرة للتمثل الإختياري أو التجاهل النظري. كل ما في الأمر أن قطامش يركب السانحة للتأكيد على حتمية نهج التسوية لتوفير مدخل للخروج من مفروضه الوطني إلى مشروعه الحزبي النقيض.

أما السؤال الذي وجهه للعرب والفلسطينيين فهو أفكه سؤال سياسي سمعته في حياتي. ( ماذا يحتاج العرب والفلسطينيون أكثر من ذلك؟ ) أكثر من ماذا؟ إذا كان المقصود بالعرب ” رجالات ” النظام العربي أو حزب الأدون فهد وبكداش آغا، وبالفلسطينيين مشايخ الإقطاع العائلي، والحزب الشيوعي الإسرائيلي، فأولئك لم يكونوا بحاجة إلى شيء، لأنهم كانوا جميعا في صف المؤامرة على الشعب الفلسطيني سلفا. أما إذا كان المقصود هو الإنسان العربي والفلسطيني، فقضية استجداء المواقف الدولية ليست واردة في حسابات الشعوب. ألذي كان يجب أن يوجه إليه السؤال حول كفاية الموقف الأيديولوجي هو حركة التحرر العالمي بقيادة الحزب الشيوعي السوفياتي. هل كان على حركة التحرر العالمي أن تقف التزاما مع الشعب الفلسطيني؟ وإذا كان الجواب إيجابيا فماذا فعلت؟ هل أرسلت متطوعين لمناصرة الفلسطينيين كما فعلت في بوليفيا مثلا؟ هل قالت أن الصهيونية معتدية ومرتبطة بالإمبريالية ولا حق لأحد في فلسطين غير شعبها؟ أم أن هذا ليس صحيحا ماركسيا؟ لا نعرف سوى أن حركة التحرر العالمي كانت عمليا في صف ” الشعبين ” في فلسطين، وأنها ساوت نظريا بين الغيبية والأمبريالية والهجرة الإستيطانية وبين حقوق شعب فلسطين!!! أما عمليا فقد كانت مجموعة فصائل لوجستية للصهيونية، أرسلت المتطوعين إلى الكيبوتسات، والعملاء إلى فلسطين والعالم العربي، على شكل أحزاب شيوعية تساند التقدمية ضد الرجعية والتخلف، وتنادي بالتقسيم والتسوية العادلة!!!!!

فلسطين هي وطن لشعب، وليست إقطاعا عالميا للتحرر. وحينما تم القضاء على عفوية علاقة الوجود بين الفلسطينيين ووطنهم تم بذلك القضاء على عفوية التحرر كمطلب تلقائي للشعب الفسطيني وأي شعب آخر. الحرية كضرورة ( قانون ) لحركة التطور البشري هي التي أوجدت ماركس ليكتشف قوانين العلاقات الإجتماعية في حركتها الجدلية. وقد اكتشف أن التحرر ليس كبسولات فكرية أو فلسفية، بل وليد حركة صراع طبقي داخل مجتمع قائم في ظروفه الموضوعية الملزمة. وإذا كانت (الظروف هي التي تصنع الإنسان فيجب أن نصنع ظروفا إنسانية ) كما قال ماركس. والظروف الإنسانية هي ذاتها وبالتطابق التام الظروف الموضوعية. فهل يعيش الفلسطينيون حاضرا في ظروف إنسانية، أي ظروف موضوعية، تتيح لهم عمليا وضع سياقات تحررية؟ الإنسان موجود في الطبيعة كخامة اجتماعية، ومن غير الممكن التحرك تطوريا خارج الشروط المادية التي تكون المجتمع. والمجتمع هو حركة البشر داخل نسيج العلاقات المادية القائمة بينهم وبين الوطن الإجتماعي بما هو تفاصيل لتلك العلاقات داخل وحدة الجغرافيا القائمة في التاريخ. وبما أن شيئا من ذلك غير متوفر للشتات الشعبي الفلسطيني، فإن الحصيلة الموضوعية لدى العقل العلمي التاريخي هي استرداد الشروط المادية أولا للكيانية الإجتماعية الفلسطينية لتحقيق الشرط الموضوعي العملي لمواصلة تطورها الإجتماعي والإنساني بما في ذلك التحرر بكل أشكاله. معنى ذلك أن إنشاء مؤسسات حزبية في هذه الحالة ليس حاجة ولا ضرورة ولا إمكان موضوعي. لأن الأفكار وحدها هي التي يمكن أن تتحول إلى وطاويط عمياء تضطرب في السواد الطلق. لا شك أن هذا يحزن شيوعيي الليبرالية والتحرر السائب في عصر الفرص التي يوفرها مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يشترط تغييب ” اٌلإشكال الفلسطيني ” و ” الإشكال القومي ” العربي لاستكمال الطابع التهويدي للمشروع. وقطامش حزين جدا بالطبع. فهو يستطيع تصور العالم بدون الماركسية ولكنه لا يستطيع تصوره بدون حزب شيوعي فلسطيني. لأن هذه هي فرصته الوحيدة لاستثمار مكانته الفكرية والتنظيرية وولعه المجرد بالتحرر. وهو يقترح على الفلسطينيين صفقة مقايضة، يتعهد بموجبها بإثارة نزاع فلسطيني اقتصادي بين كارتيلات المخيمات من جانب، وبروليتاريا الصناعات الثقيلة والفلاحين من جانب آخر. ويتعهد أيضا بتحرير المرأة الفلسطينية، ومنحها حق اقتسام فرص العمل مع الرجل في كل المؤسسات الإنتاجية الفلسطينية، المدنية والحكومية. وكل ذلك مقابل دعم حزبه الجديد والقبول بالتسوية والتطبيع مع الصهيونية وإسرائيل لفتح فضاء الحركة أمام المواهب بكل أشكالها.

وليس لدي أية نقاشات مع دور قطامش النضالي، فمن حقه إذا كان له دور كهذا أن يفخر به، وأن يستحق عرفان شعبه عليه. وقد يكون النضال الوطني رصيدا ليس من العيب أو الخطأ استثماره في الحزبية، ولكن ليس في عكس اتجاه المصلحة الوطنية العامة، خاصة في ظل الأزمات الوطنية الحادة التي تهدد بالتلاشي الإجتماعي. كما أن الماركسية عقيدة إنسانية وليست استثمارا في الديبلوماسية الدولية والسياسات الحزبية. والفلسطيني الملتزم وطنيا وماركسيا يعطي المثل لشعبه من التزامه الوطني كأولوية مرحلية في حالات الدفاع عن الوجود. وتخلى الماركسي عن تحرريته غير وارد بشرط ألا يحول التحرر إلى سياسة حزبية تتناقض مع وطنيته. لم نسمع بعد أن الموقف التحرري يتضمن تسليم شعب بضياع وطنه أو اقتسامه تحرريا مع الآخرين، إلا لدي الأحزاب الشيوعية العربية. وإذا كان التحرر يستخدم سياسيا ضد حقوقنا الوطنية المشروعة فمعنى ذلك أنه ينتقص من إنسانيتنا. اي انه يصبح مشروعا عنصريا وعلينا أن نتصدى له بوصفنا نؤمن بتحررنا الوطني كجزء من التحرر الإنساني العام، ولا يمكن أن يكون هناك تناقض بيننا وبين مضمون التحرر الحقيقي. أما إذا كان هناك من يقبل وجهة النظر الصهيونية بوجود حق وطني عام لليهود في فلسطين، فليعلن ذلك ويتوقف عن اللعب على الحبلين واستهبال شعبه باسم التحرر الذي يقذف بشعبه خارج حقه في الوجود.

وبنفس المدى، فإن الإستسهالات والمغالطات والمداورات التنظيرية الحزبية لا تعنيني. ولكن الأمانة الموضوعية تقتضي التنويه بأن الكاتب استند على استسهال النصوص في الشرح فكان يختار الترجمة الليبرالية للنص عندما يريد في مكان، ويعتمد التشدد الثوري الماركسي بما يخص بناء الحزب في مكان آخر. أي أنه يبحث عن ثورية ابتنائية محدودة التكلفة في الإلتزام. وهذا لا يتأتى إلا ل “محترفي الثورية ” أي كوادر الحزب. وهذا من المفروض في نوايا الكاتب أن يبرر القفز من المواجهة الثورية الوطنية، إلى التنظير الثوري الليبرالي ” لأخلاقيات التحرر الأممية” و ” التحليل الملموس للواقع الملموس ” بوصفها مقولة مكرسة لاتجاه واحد للحركة هو الإسترخاء الثوري كمطلب واقعي. وتكتمل صورة العقل الليبرالي الثوري لماركس حينما يسمح بتبنى المقولات الليبرالية مؤقتا لراحة نفس المحترفين الثوريين، بشرط عدم التوقف عندها. فسمح ” بنقد الواقع ” أي الوعظ الليبرالي بديلا عن ثورية الممارسة. قد يكون هذا مسموحا في النظرية الحزبية للينين للحصول على أصوات الناخبين، واستغلال التناقضات بين الرجعية والبرجوازية الليبرالية، ولكنه ليس من بنود الماركسية النظرية. إن النقد التنكيلي اللاذع الذي وجهه ماركس وإنجلس في ” الأيديولوجية الألمانية ” لفلسفات العقل المثالي المادي ( الليبرالية ) يتاخم الإبادة المعنوية، ولا أظنه يوافق قطامش في هذا السياق. إن هذا يشبه شيخا يسمح بارتياد الماخور بشرط عدم المبيت فيه. والديموقراطية والتعددية وحقوق الإنسان وأخواتها الليبراليات بتوظيفاتها الطبقية والإمبريالية هي ما يجب التشديد على فضحه. إن هذه الأدوات النظامية تقدم ليبراليا كبديل عن المفاهيم العلمية والثورية المقابلة للماركسية. ويجب على محترفي الثورية الماركسيين مقاومة الضغط الطبقي والإمبريالي على الوعي من خلال هذه المقولات وإعلامها المساند لتكون بديلا أمميا لنظام العولمة عن الماركسية.

ومثال آخر على الإستسهال النظري في تناول النصوص، قضية ” قانون ” التوافق بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج. إذا لم يكن هنا إساءة تعبير وقصور لغوي في لفظة التوافق، فهناك خطأ نظري يقف وراءه الإستسهال. فالتوافق هو الإنطباق الشكلي الساكن ولا يتضمن حركة سياق جدلي مركبة اجتماعيا. أي أنه تماثل شكلي مثل السبب والنتيجة في القانون الفيزيائي. واللفظة التي تؤدي جدلية المعنى هي التطابق، أي ( التضاد البنيوي ) أو التقابل الجدلي. فالتوافق الساكن هنا لا يعبر عن طبيعة القانون. والتوافق بمعناه السهل يمكن أن يكون بين ملكية أدوات الإنتاج وعلاقات العمل، ومع التحفظ أيضا. فالعلاقات داخل المجتمع مركبات جدلية وتاريخية. ولا يوجد علاقات سهلة تتيح مساحة من الحرية لتسهيل مركبة العلاقة بين ضرورة الوطن وحاجات التحرر، لإفساح المجال أمام الإنتهازية. الحرية مفهوم اجتماعي متولد جدليا عن قانون الضرورة. ووعي قوانين الضرورة في الحركة هو شرط الحرية. أي أنها التزام معرفي أولا من حيث أنها نشاط اجتماعي يسقط عمليا بالتلاعب. لأن جدل الحركة هو حوار بين الضرورات. أي هو جوهر قانون الجدل الذي يحاور الضرورة بالضرورة المقابلة في الطبيعة، والقانون بقانون نقيض. في هذا السياق يتركز جدل الحرية كإمكان كامن قانونيا في الضرورة، وليس كاجتهاد إيديولوجي للحركة الإجتماعية كما تزعم الليبرالية الإنتهازية. لا يمكن مقاومة إملاءات الضرورة في الحركة إلا بإملاءات نقيضها القانوني في السياق، سواء في حركة الطبيعة أو حركة المجتمع. وإجراء تسويات نظرية على جدل تولد الحرية داخل قانون علاقة الحاجة بالضرورة، لا تعني في حالة قطامش أكثر من السعي لإقامة حزب ليبرالي ثوري يتخطى علمية المنهج الماركسي، نحو حرية التسيب الليبرالي. لم يخلق الإنسان من أجل الماركسية ولكن الماركسية وجدت من أجل الإنسانية، لذلك لا أظن ماركس سيفهم إنسانيا مقايضة الوطن بحزب تحرري يستمد ضروراته من الواقع السياسي المرحلي ويرتب عليها حاجات البشر المقهورين. ذلك لأنه يعلم أن التسيب اليساري النظري يعني الليبرالية والعولمة الطبقية وإحياء الثورية البرجوازية التي تنام في سرير الديموقراطية والتعددية السياسية وحقوق الإنسان، التي تقدمها العولمة الطبقية بديلا عن الماركسية.

هل يملك قطامش على صعيد التجربة العربية والفلسطينية، أية لوجستية تاريخية تدعم تجربته الحزبية الجديدة. إن الأحزاب الشيوعية العربية لم تقم وزنا حتى للدولة السوفييتية وحزبها الثوري، في عدائها للقومية العربية. وبينما كان السوفييت يعتبرون التجربة الناصرية ومنهجها الإشتراكي مكسبا لحركة التحرر العالمي، كانت قيادات الأحزاب الشيوعية العربية تتراكض إلى موسكو لإقناعها بتغيير موقفها. وكان الحزب الشيوعي العراقي يتحالف مع المخابرات البريطانية لسحل القوميين والناصريين في العراق. وهو ذات الحزب الذي شارك في استدعاء واستقبال الدبابات الأمريكية في بغداد. وهو أيضا ذات الحزب الذي رعى العلاقات الإسرائيلية البرزانية والطالبانية في الخمسينات ويقوم اليوم بتنسيق تلك العلاقات لإقامة دولة النموذج الإسرائيلي الكردية في شمال العراق. ودور بكداش الخالد في هذا الشأن معروف. أما حزب العجائز من المراهقين والمراهقات في مصر فقد وقف ينافس الإخوان المسلمين في فرحهم بعدوان إسرائيل والغرب ونتائجه سنة 67 معتبرا أن الكابوس القومي في مصر قد زال إلى الأبد. وحينما اصبح العدوان الأمريكي على العراق مؤكدا، وقفت عجوز مراهقة التحقت بالحزب بسبب بشاعتها فقط، لتحرض على العراق ورئيسه، أي على الشعب العراقي. أما دور تلك الأحزاب في القضية الفلسطينية، فلا حاجة لتكراره فقد أصبح كتابا مقروءا على كل المستويات. كان باختصار دورا معاديا ومتآمرا ومتصهينا بوضوح تحرري، يحمل تلك الأحزاب نصيبها من أوزار ما حدث للفلسطينيين. يكفي أنها حملت لواء التطبيع مع الصهيونية قبل قيام إسرائيل، وما تزال بقاياها العميلة التي زرعتها في الجسد السياسي والثقافي الفلسطيني، تحمل اللواء حتى اليوم. لا أعتقد أنه حتى السقوط الفلسطيني الحالي على كل المستويات، يمكن أن يجعل الفلسطينيين يهجسون بحزب شيوعي لا مكان له موضوعيا في حالتهم.

هل هناك معنى لكل تلك التناقضات الميدانية لموقف تلك الأحزاب مع الموقف السوفييتي، سوى أن العلاقة بين الطرفين كانت علاقة شكلية خالصة، وأن تلك الأحزاب كانت بؤرا لنشاط ميداني بعيد عن مظهرها الأيديولوجي؟ وهل أثبتت التجربة ذلك؟

لم يكن التفاؤل هو الذي دفعني لكتابة هذا. فسياسيا واجتماعيا كل شيء يبعث على التشاؤم.

وأعتقد أننا الآن ننتظر في محطة خاربة قطارا لن يأتي. نحن الآن ركام عربي وفلسطيني يبدو أن كل خطوط التواصل انقطعت بينه وبين المستقبل. بل بينه وبين الوجود الإنساني المعاصر. لقد اختفت النخبوية من حياتنا تماما. واختفت معها دينامية التطلع الوطني والقومي. ولكن التخلي عن إنسانيتنا ليس سهلا، لذلك فقط لا يمكن لنا السكوت الشفهي عن العبث الإنتهازي والطفيلي الذي أصبح يستخف حتى بمعاناتنا الإنسانية. ليس هناك في العالم من ليس له مصلحة فيما يجري على أرضنا سوانا. ماذا أكثر من ذلك؟ نحن مطالبون بوضوح من جانب الغرب أن نتجاهل إنسانيتنا. وأصبحنا نعامل من جانبه على هذا الأساس. ثم يأتي من يقول لنا أن الحل هو إقامة حزب شيوعي ليبرالي يفتح أمامنا باب التحرر بدون حرية وبدون وطن. ويأتي آخرون في مصر ليقولوا أن البرادعي هو الحل. ويقولون للعراقيين أن علاوي والهاشمي هما الحل. وكأننا سلمنا بأن الحل هو أن ترسل لنا أمريكا من يحكمنا بدون تدخل من جانبنا. ليكن ما دام هذا هو ممكنا السياسي والإجتماعي الوحيد. ولكن لماذا لا يريدوننا أن نبصق في مرآتنا؟ هل علينا أن نستدخل القبح ونخسر بذلك إنسانيتنا أيضا، ونذهب بدون خجل لندلي بوجوهنا المنفرة في قناة الجزيرة، لنضحك الآخر؟ كلا! سيبقى منا الكثيرون يرفضون ولو بصمت ويواصلون البصق في المرآة احتجاجا على الذات، فهذا هو ما تبقى لنا من شرف الموقف الذاتي، ولن نفرط به. فلعل وعسى أن يكون لنا ذات يوم، فرصة من غباء الظلم وكرامة الإنسان، تدفعنا إلى فهم ما لا نفهم.