يوم الأسير…ولا يوم للسجين الأميركي

سؤال إلى أهل التطبيع الثقافي والسياسي واليساري مع أميركا؟

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2214)

يحل قريباً يوم الأسير الفلسطيني لدى الكيان الصهيوني الإشكنازي، وإن كان يوما واحداً مثابة تسمية معنوية لتقدير من يجب أن يبقوا في العقل والقلب، رغم انحناء الكثيرين من اهل المرحلة إنحناء حدَّ قول النواب:

“وصافح قادتنا الأعداء ونحن نحارب،

وناموا في الصف الآخر والجيش يحارب”.

لقد فعل هذا الانحناء ساسة ومثقفين كذلك.

ليس هذا الحديث عن الذين لا يحتاجون إلى تقدير وعرفان، فما قاموا به يتحدث عنهم وعن نفسه. بل هو اعتماد يومهم المعنوي لإضاءة حال اسرى آخرين. هذا الحديث عن أسرى لدى مركز مراكز النظام الراسمالي العالمي، اي الولايات المتحدة. فالولايات المتحدة مضروبة من عملائها الثقافيين والسياسيين بحجر “ديمقراطي” أكبر من بنيتها الأخلاقية والعقيدية بالطبع. وهو ليس للبحث عن الشبه ، بل لكشف المستور الأميركي من جهة والنبش عن جذور تشابُه النظامين.

إن الهدف من هذا الحديث هو ضرب النفاق بحجر الحقيقة، أي حجر أكبر من حجر النفاق هو كشف زيف هذه الديمقراطية التي فوق اعتقال السجين تبرر وتمارس هذه الديمقراطية إغتصاب جهده الذهني والعضلي معاً، وتتم سرقة أجرته الضئيلة فوق هذا وذاك.

هناك وجه شبه بين الأسرى الفلسطينيين والأسرى في الولايات المتحدة، ولا نقصد هنا ضحايا غوانتانامو، وإن كان كثير من المرتدين لبراليا ويسارياً يصفون هؤلاء الضحايا بالإرهابيين الأصوليين!. بل الأسرى المقصودون هم السجناء المدنيون في الولايات المتحدة الذين يشكلون بدرجة أو أخرى حالة تمرد على النظام الراسمالي وعسفه.

من أوجه الشبه أن فئتي الأسرى هم ضحايا أنظمة راسمالية بيضاء عنصرية استيطانية اقتلاعية، مع ضرورة التنبيه أن الكيان الصهيوني يعتقل من ليسوا رعايا بل هم ضحايا فيه، وإن كان يعتقل وطنهم بأسره. والنظامان يشكلان مدرسة كبيرة هي أميركا تتبعها مدرسة صغيرة كما يتبع العجل أمه. وقد تكون مسألة التبعية هذه غير مألوفة لدى كثير من القراء العرب ولا سيما في جانب القمع الاجتماعي الطبقي تحديداً.

حال السجناء في أميركا “حلم” فقراء العالم!!

لا مقام حقيقي في وعي المراقب الدقيق لما تسمى ديمقراطية الولايات المتحدة بما هي نظام رأسمالي يقوم على تقديس الملكية الخاصة التي اساسها المادي منهوب من أهل البلاد الأصليين والمُبادين. وهذا يفتح بالطبع على السمات الخاصة والمميزة للمستوطنات البيضاء حيث العسف مكوِّن أساسي في ثقافتها بما هي مستوطنات اقيمت بالقوة والقسر والإستحواذ والإبادة بالطبع.

إن الجيش والشرطة الفدرالية الأميركية وأل سي.آي إيه وحتى المحاكم هي في الأساس لحماية الطبقة الرأسمالية وقمع الطبقات الشعبية في الولايات المتحدة. وهذا لافت إلى نقاش طريف ومكابر من قِبل علماء الاجتماع والاقتصاديين المبتذلين للبرجوازية الذين يرفضون أطروحة أن الدولة أداة في يد الطبقة الحاكمة المالكة. وبالطبع، فحين يقوم الأمر على التفكير المجرَّد يصعب تصديق أطروحة الدور بل الخدمة الطبقية التي تنفذها الدولة/السلطة لصالح الرأسمالية، ولذا يبقى الأمر بانتظار الوقائع العملية. لكن النفاق يتفاقم ويتعالى حين يرفض كثيرون ربط الإثنتين معاً: الوقائع والنظرية، لأن في فصلهما عن بعضهما مناخ وفرصة التمويه والتلاعب.

قد يبدو هذا الحديث لدى البعض خطاباً ماركسياً تحريضياً وهو كذلك، ولكنه قائم على أساس تؤكده السجون الأميركية التي هي مثابة معسكرات تجميع اعتقالي.

تمتلىء السجون الأميركية بكل من يحتج على فقره أو على عدم تشغيله، بكل من لا مستقبل له ولا مأوى…الخ والخطر أن هدف السجون ليس إعادة التأهيل بل تدمير من يدخلها لأن هدف النظام الحاكم هو الضرب الوقائي/الاستباقي لروح التمرد منذ بداياتها الأولية الصغيرة!

على أرضية القمع والاستغلال والتمييز العنصري تكَّون المجمَّع الصناعي للسجون، وهو اصطلاح مأخوذ عن المجمع الصناعي المدني والعسكري هناك الذي تبلور وصيغ في فترة حكم دوايت أيزنهاور في خمسينات القرن الماضي.

في السنوات الثلاثين الأخيرة حيث تدهورت اوضاع العمال هناك زاد عدد السجناء بنسبة 300%، بينما زاد السكان بنسبة 25%. وبالتوازي مع هذا زاد القمع. وعليه، فإن القوة الأعظم في العالم فيها اكبر عدد من السجناء بالمعنيين النسبي والمطلق. وصل عدد السجناء في الولايات المتحدة الى 2,4 مليون شخص، هم 1,6 مليون في السجون الفدرالية و 723,000 في السجون المحلية. أي هناك من كل مئة بالغ واحد في السجن. وهناك خمسة ملايين طليقي السراح ولكن سجنهم مؤجلاٍ.

إن عدد سكان الولايات المتحدة هو 5% من سكان العالم، بينما حصتها من نزلاء السجون هي 25%.

أما التزايد الأعلى فهو في سجون النساء حيث جرى سجن 210,000 إمرأة عام 2006. لكن هذا لا ينفي المكون العنصري للسجون حيث هناك سجينة من بين كل مئة امرأة من الأصل الإفريقي-الأميركي، بينما هناك واحدة من بين كل 355 إمرأة بيضاء.

تخلق طبيعة المجتمع الرأسمالي آليات الاعتقال حيث تسهل الشرطة بيع المخدرات لتقوم إثر ذلك بحملات الاعتقال. وتقوم المحاكم بإصدار أحكام عالية جدا وذلك خدمة للشركات التي تستخدم السجناء كقوة عمل بأجور زهيدة! وبهذا يكون السجناء أكثر المنافسين على صعيد العالم على الأجور الأدنى! بل تقوم وزارة العدل بِحثِّ اصحاب الأعمال على تشغيل السجناء كي يتم الضغط على الأجور إلى الأدنى وذلك خدمة للطبقة الراسمالية بأسرها.

كتبت إيف جولدبرج وليندا إيفانس[1]

ان السجون في اميركا جَرَّة ذهب. لا حماية ولا تأمين ولا تعويضات ولا نقابات ولا إضرابات…الخ. يقوم السجناء بإدخال معلومات لشركة شيفرون وحجز مقاعد لشركة تي. دبليو. إيه ويرفعون الزبالة ويصنعون لوحات سيارات الليموزين ويصنعون الملابس الداخلية للنساء…الخ بأجرة تقارب العمل المجاني.

تقوم صناعات إسكود في ساوث كارولينا بتشغيل السجناء بصنع كوابل كهربية لتباع بعدها لشركات آي. بي. أم ونورثرن تيليكوم. وكانت قد بدأت هذه الشركة صناعاتها في المناطق الصناعية “مكيلادورا” في المكسيك لكن حكومة الولاية وجدت ان كلفة ساعة العمل في السجون أقل.

بالمناسبة فإن المناطق الصناعية التي تُقام حالياً، بتوصية من البنك الدولي، في الضفة الغربية وسابقاً في قطاع غزة على الحدود شبيهة من حيث الدور والاستغلال والموقع بتلك، التي على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة.

وتشغل شركة ديل للكمبيوتر سجناء من السجون الفدرالية الحكومية حيث تدفع من 23 سنت إلى 1.15 من الدولار للساعة. وتقوم إدارة السجن بخصم كلفة احتواء السجين من هذا المبلغ الزهيد. كما يقوم جنرالات البنتاغون وهم رجال اعمال بتشغيل السجناء.

تم تشغيل السجناء في حرب الخليج 1991 في انتاج أكياس الرمل، والبطانيات ونظارات الرؤية الليلية (وكانت النرويج هي الدولة التي زودت الجيش الأميركي بنظارات الرؤية الليلية في عدوانه الوحشي على العراق 1991، أما فنلندا فزودت أميركا بمخططات الملاجىء الاستراتيجية العراقية حيث بنتها شركات فنلندية. ألا يجدر بنا مضايقة هذه الدول العميلة لأميركا أو الحذر منها على الاقل)، ومكونات قنابل وأدوات كشف الغاز الكيماوي. ويعمل نزلاء السجون في ساوث كارولينا ثلاثة ورديات على مدى 24 ساعة.

الكيان على النهج الأميركي مبكراً

قد يسعفنا هنا إيراد المقتطف التالي عن الكيان الصهيوني وقمعه لليهود، فما بالك للأسرى الفلسطينيين، على ضوء ما ذكرنا عن الفضاء الداكن الذي وضعت فيه الراسمالية الأميركية السجناء هناك.

يتعلق المقتطف بالنظام السائد في الكيان الصهيوني الإشكنازي من مدخل إثني/عمالي، حيث حسم بن غوريون مؤسس هذا الكيان، حسم السير على خطى العنصرية البيضاء في الولايات المتحدة مما أعطى الكيان الصهيوني الإشكنازي هويته البيضاء العنصرية حتى ضد فقرائه والألوان غير البيضاء داخله وخاصة العرب الفلسطينيين.

فيما يخص الإثنية المزراحية والعمال، فقد حسم اليسار الصهيوني الإشكنازي هذا الأمر على يد بن غوريون منذ بداية خمسينات القرن الماضي:

” … لقد تم تسييس التناقض بين تراكم رأس المال وتمثيل العمال داخل الهستدروت عبر الصراع بين المجلس التنفيذي والمجالس المحلية للعمال التي تمتعت حتى أوائل خمسينات القرن العشرين باستقلال نسبي. لقد دُعم هجوم المجلس التنفيذي تماما من قبل حكومة الماباي التي أممت مكاتب التشغيل الخاضعة للمجالس واستخدمت البنك المركزي لتقويض ارصدة الاتحادات بفرض متطلبات سيولة مالية عالية، ودعمت المشغَّلين في الخصومات العمالية. فمثلا حينما شن عمال الأسطول التجاري اضرابا شاملا في اوائل الخمسينات انتهز بن غوريون الفرصة ليظهر للأميركيين اخلاصه الحقيقي فأرسل قوة شرطة ضخمة ليسحق “المؤامرة الشيوعية” كما اسماها. وفي مرة اخرى حاول استخدام الجيش لحل مشكلة خلاف في سكة الحديد. وحينما رفض هانز مولر مالك اكبر شركة ملابس آتا، رفض الاعتراف بإضراب عمال مجلس منتخب، وقف بن غوريون إلى جانبه، مطالبا العمال بالاستسلام، تماما كما فعل حينما أضرب عمال شركة روتنبرغ للكهرباء في حيفا. قامت حكومة العمل بتأميم النظام التعليمي للعمال، وبذا مسحت مخاطر الإيديولوجيا المضادة(بينما أبقت على الاستقلال الذاتي للتعليم الديني دون مساس… وهذا يمثل تسريع ظهور مراتبية إثنية بين الإشكناز الذين اتوا قبل 1948 والسفراد الذين اتوا بعدها[2]” .

السؤال بعد هذا موجه إلى اللبراليين الفلسطينيين والمرتدين عن ماركسية لم يتمثلوها سوى كشعارات سياسية سواء مثقفين وسياسيين، ما الذي يعجبكم في نظام الولايات المتحدة حتى تعطوها تفويض التحكم بالبلد، وتروجوا وتسمحوا لثقافتها ذات البعد الواحد بالهيمنة محلياً؟

لا بل إن الأمر اقسى، فهؤلا ءالمثقفون والساسة هم الذين يمارسون التطبيع مع الكيان الصهيوني والإمبريالية الأميركية. ما الذي يغريكم بهذه العلاقة وهذا الموقف من كيانين يمثلان الوجه المطلق للفتك بالإنسانية وفي مقدمتها شعبكم وأمتكم!


[1] The Prison Industrial Complex & the Global Economy. Prison Activest Resource Center, Berkeley, December 18, 1997, Online at www.hartford-hwp.com/archives/26/152.html

[2] The Global Political Economy of Isreal, Jonathan Nitzan & Shimshon Bichler, Pluto Press, 2002:104?