ردٌ على رد: إلى الدكتور عادل سمارة

بقلم بَرَدى يوسف

حول محاضرة طبيعة الكيان الصهيوني الإشكنازي الذي قدمها د. عادل سمارة في جامعة القدس

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2217)

ملاحظة من “كنعان”:

هذا الرد من السيدة بردى يوسُف متعلق بحوار جرى بين الزميل عادل سمارة والسيد نسيم بدران في أعقاب محاضرة قدمها عادل عن طبيعة الكيان الصهيوني الإشكنازي، وذلك في جامعة القدس ـ الدراسات العليا يوم الأربعاء 31 آذار الماضي.

أثارت المحاضرة المطولة نقاشاً من عدة أطراف وبعدة مداخل، ومن بين المعلقين نسيم بدران الذي ارتاى أن لا يشارك الزميل عادل في هذه الجامعة حتى كمحاضر ضيف كما حصل لأن بدران يرى أن هذا يخدم في تغطية عجز معين في المستوى الأكاديمي يعاني منه محاضرون/ات هناك. هذا برأيه. ويطلب من الزميل عادل أن يقبل العمل في الكاديميا اعتقادا منه أن هذا افضل للطلبة.

زميلنا يرى أنه طالما منعته الأكاديميا الفلسطينية لعقود من العمل، يرى أن لا أحد يحق له منعه، كما أنه لا يقبل أن يقوم من منعه أو فرض عليه الحظر بأن يسمح له، بمعنى من الذي يحق له منعي ويجيز لنفسه العفوي عني!.

كما ترون الصديقة بردى يوسف تناقش الأمر من جانب مختلف وهو أن عادل رفض التعليم هناك لأنه ضد التطبيع، لكنه امتنع عن قول ذلك.

كافة هذه المراسلات موجود على شبكة بنجوف .

pngof@yahoogroups.ca

* * *

ردٌ على رد

إلى الدكتور عادل سمارة

بقلم بَرَدى يوسف

عزيزي عادل،

اضطرِرْتَني للكتابة على الرغم من أنني لا أميل للمشاركة في المنتديات لأن فيها الكثير من الشد والجذب، وأحياناً سوء الفهم.

سبب كتابتي يعود لفحوى ردك على السيد نسيم بدران الذي أبدى اعتراضه على قيامك بإلقاء محاضرة في قسم الدراسات الصهيونية في جامعة القدس، مَعْقِل التطبيع، وتعنيفه لك لأنه ما كان يجب أن تقع في ذلك الشَرَك.

بداية، أي قارئ يستطيع أن يستشف مرارة الألم الذي يعتصر قلب ذلك الرجل من الأوضاع المزرية التي انحدرت إليها شؤون المواطن العربي، مُمَثَلاً هنا في شخص الطالب الفلسطيني في الجامعات الفلسطينية المحلية.

خلال عَتَبِهِ عليك ذَكَّرّكَ ذلك الرجل بواجبك، وواجب كل أكاديمي مؤهل، في أن تنخرط في العمل الأكاديمي من أجل تغيير الوضع المزري وإفادة الطالب.

عزيزي،

لا املك إلا أن أحار من الدافع الذي جعلك تحجب الحقيقة عن ذلك الشاب في ردك على تساؤله، أو الأدق، على دعوته لك للالتحاق بالعمل الأكاديمي.

جاء في ردك “لكن رفضي العمل مؤخراً لأنني لا أعتبر أن لإحد في الكون حق منعي ثم السماح لي. يفرض الحظر ويرفع الحظر…يا إلهي!!!!“.

هذا الرد يحوي عُشْر الحقيقة، أما التسعة أعشار الباقية فأنا على يقين أنك حجبتها عامداً متعمداً! علماً أنَّ حجبك للحقيقة لا يمكن تبريره بأي ذريعة كانت.

تُراك ألقيتَ السيف وترجلتَ عن ظهر الحصان وخلعت الخوذة وقررت الاعتكاف، للتصوف مثلاً! أم تراك اكتشفتَ أن تيار التطبيع أقوى من تيار مقاومة التطبيع لذلك انضممتَ إلى حزب “ضع رأسك بَيْنَ الرؤوس وقل يا قاطع الرؤوس” و “اليد لا تقاوم المِخْرَز” إلى آخر تلك القائمة من الأمثلة العربية التي تنمي العجز وتقتل في المواطن روح المبادرة والعمل من أجل التغيير، والتي يبدو أن من صاغها هم الحكام المتسلطون كي يتمكنوا من السيطرة على الجماهير. وأي جماهير يستطيع حكامهم السيطرة عليهم أكثر منا كشعوب عربية؟!

أنا أعلم أنك تعشق التدريس للطلبة اليافعين لأنك تعتبرهم أمل المستقبل. وأعلم كذلك أنك رفضت مؤخراً عرضاً قدمه لك رئيس أحد الأقسام في جامعة القدس للإلتحاق بالكادر الأكاديمي للجامعة المذكورة. وأعلم ثالثاً أن سبب رفضك العمل لا يكمن في الإقتباس الذي أوْرَدتُهُ آنفاً وإنما يكمن في حقيقة أنك تعتبر أن جامعة القدس جامعة تطبيعية، وأنك إن التحقت بها فلن تتمكن من مهاجمة تيار التطبيع. بلى هو تيار يا عزيزي وليس مجرد ثلة من المطبعين.

يُضافُ إلى ذلك أنك آثرتَ أن تبقى حراً لأن الغالبية العظمى في فلسطين، تحديداً بعد اوسلو، أصبحت تتعامل وفق “أطعِمْ الفَمَّ تخجل العين”. والخطر يكمن من وجهة نَظَرِك في أنك، حسب آخر ما سمعتُه، منك مصممٌ على مناهضة التطبيع حتى الرمق الأخير، وفي حال أن قمتَ بمهاجة القائمين على الجامعة التي تعمل لدى إدارتها فسوف يقوموا بطردك من العمل مما سيُجَرِّد ما تفعله من قيمته حيث سيقوم اولئك بالترويج بأنك تهاجمهم لأنهم لفظوك وليس لمبدأ تحمله. ترى هل أستطيع أن أبوح بأكثر من هذا؟ لا أدري! لكن طالما فتحنا باب الحساب فلنطرح كل ما في جعبتنا. أنت تقول إنه في تلك الجامعة التطبيعية بامتياز فقط الجسم الطلابي والهيئة التدريسية يستطيعان أن يعلنا العصيان المدني داخل الجامعة ويخلعا تلك الحفنة من المسؤولين الذي يسيؤون للشعب الفلسطيني برمته. لكن انظر كم هو مخزٍ وفاضح وضع تلك الجامعة! فالقائمون عليها يقومون بمهاجمة الأكاديميين البريطانيين الذي أعلنوا مقاطعة الأكاديميين الإسرائيليين في الجامعات الصهيونية بسبب مواقف الفئة الأخيرة غير المشرفة من الشعب الفلسطيني! البريطانيون الذين قاموا بإعطاء اليهود وطناً قومياً في الأراضي العربية يعلنون مقاطعة الجامعات الإسرائيلية كي تُغير مواقفها! البريطانيون الذين حدث التطهير العرقي للفلسطينيين عام 1947 من قِبَل اليهود لمدة عام أمام ناظريهم ينجبون أكاديميين يقولون لا لزملائهم في الجامعات الإسرائيلية! أما أبناء القدس الشريف الموقرون فيقومون بالدفاع عن تلك الصروح الأكاديمية الإسرائيلية ومهاجمة الشرفاء من الشعب البريطاني! “أعترِفُ الآن أمام الصحراء بأني مبتذلٌ وبذيء ودنيء كهزيمتكم”!

وفي هذا يكمن الرد على تساؤل السيد نسيم ألا وهو “كيف لِمُدَرِّسة، راحيل مزراحي، تحمل درجة الماجستير فقط ان تحاضِرَ لطلاب مستوى الماجستير لا لشيء سوى أنها إسرائيلية”. نعم يا سيد نسيم، في تساؤلك يكمن الجواب. هذه هي إدارة تلك الجامعة التي تفرض على الفلسطينيين من حملة شهادات الدكتوراه من الجامعات الأوروبية العمل حاملي حقائب في الموانئ، هذا لو كان لدى فلسطينيي الحكم الذاتي موانئ، وتقوم بتوظيف إسرائيلية لا يمكن أن تجد لنفسها مكاناً في جامعة كالجامعة العبرية مثلاً لأن الجامعات الإسرائيلية تشترط على الأكاديمي كي يتمكن من الحصول على مقعد مدرس لديها أن يُثبتَ مسبقاً أنه باحث عبقري، كما تقول أنت.

ترى هل نستطيع أن نُضيفَ هنا أنه لا يوجد أدنى مساحة من الحرية متاحة للأكاديميين في بلادنا العربية لممارسة قناعاتهم وطرح ما لديهم والطالب وحده المخول بقبول طروحاتهم أو رفضها؟ أنا بالقطع أجزم أنه لا يوجد. فكم هو عدد الجامعات العربية التي صُنِّفَت كأفضل جامعات عالمية؟

لا أدري كيف يمكن محاربة “غول” التطبيع الآخذ في الاستشراء كالمرض الخبيث؟! للأسف، آخر من وقع في شَرَك دعاية السلطة الفلسطينية لضرورة ذهاب العرب إلى القدس من أجل دعم القضية الفلسطينية هو الداعية الرائع محمد العريفي. نعم، أقول رائع وسيبقى رائعاً حتى يعبر الجسر بين الأراضي الأُردنية وفلسطين التاريخية التي تبسط إسرائيل قبضتها عليها كلها، عندها سيفقد روعته لأن في قدومه اعتراف بالاحتلال وبالسيادة الإسرائيلية على القدس. فالقدس في الدبلوماسية الإسرائيلية يا عزيزي العريفي هي مدينة إسرائيلية موحدة وعلى الفلسطينيين والعرب ألا يطمحوا في الحصول على موطئ قدم فيها. ترى ماذا ستجيب يا سماحة الشيخ ربك، سبحانه وتعالى، عندما يسألك يوم القيامة عن كيفية حضورك إلى القدس؟ ترى هل ستقول له “جئت مجاهداً عبر تلويث جواز سفري بخاتم تأشيرة دخول من قِبَل الاحتلال الإسرائيلي”؟ ستذهب إلى القدس وتصور حلقتك فيها وتُريَ الناس كم هو آمن ومستقر الوضع هناك. ستصور الأقصى وتستثير في نفوس العرب الشجن لزيارته والتبرك به، فتساهم من حيث تدري أو لا تدري، في عمل دعاية للآخرين من أجل الحضور. ربما تقول بل سأحضر كي أُري الناس مآسي الشعب الفلسطيني! إن كانت هذه حجتك فأنت لست بحاجة للقدوم بنفسك كي تنقل صوراً عن مرارة الألم الذي يتجرعه الفلسطينيون عامة والمقدسيين خاصة ليل نهار لأن الفضائيات تنقل نقلاً حياً ومباشراً الجرائم الإسرائيلية التي تُرتكب بحق القدس وقاطنيها.

عندها لن تنطبق عليك الآية الشريفة التي تقول ” وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى” لأنك ستحمل، وأنت ذو شعبية واسعة، أوزار كل من سيقلدك، لأن دورك كداعية يكمن في حث الشباب العربي على الجهاد، ووفق المصطلح العصري المقاومة، لأجل تحرير تلك المدينة السليبة وليس المساومة. فما سُلِبَ بالقوة لا يُستَرَدُ إلا بالقوة.

وكيف لنا نحن محبوك أن نستمر في متابعة دروسك وعظاتك التي تترك فينا بالغ الأثر بعد أن نراك تُهان في مسرى الرسول، عليه الصلاة والسلام، الذي تَمْلِكُ أنت الحق فيه أكثر من ثلة المرتزقة التي تُسيطِرُ عليه؟!

سماحة الشيخ،

السلطة الفلسطينية التي تدعو العرب للحضور من أجل دعم الشعب الفلسطيني لا يملك الواحد من رجالاتها، أي تلك السلطة، سُلطَةً على شاربه. فلو أصدر له الاحتلال مرسوماً بحلق شاربه لما استطاع أن يناقش ذلك المرسوم ولقام بالتنفيذ فوراً. أُقدم لك الدليل على ذلك. كان من المفترض أن يقوم الرئيس محمود عباس بافتتاح ميدان الشهيدة دلال المغربي في مدينة البيرة، وقبل الافتتاح بيوم واحد أمره الاحتلال بعدم المشاركة في هكذا نشاط لأن الشهيدة بإذن الله دلال المغربي، رحمها الله، شخصية إرهابية قامت بالتسلل إلى الأراضي الإسرائيلية وتلوثت يداها بدماء الصهاينة الزكية، فما كان من الأخير إلا أن أذعن للأمر. واليوم (8 نيسان 2010) قام مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بإرسال اعتراض إلى السلطة الفلسطينية بسبب قيام بلدية رام الله بإطلاق اسم الشهيد يحيى عياش على أحد شوارعها. ويحيى عياش لمن لا يعرفه هو الفدائي الذي خطط لأكثر العمليات الفدائية نجاحاً قبل استشهاده في كانون ثاني 1996م.

أترككم في رعاية الله وأمنه.