تَقَوُّل في تصحيح تهديفنا النسوي

المشرِّع في المجتمع الراسمالي الأميركي…ذكوري

بادية ربيع

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2220)

علمنا شيوخنا ممن انطبعنا بهم من مفكرين ومناضلين، وهم من صاغوا معظم تكويننا كمريدين عن بعد أو قرب لا خلاف، وخاصة جرثومة الاشتباك، علمونا أن تحديد الهدف كافٍ للإنتاج وموصل للإنجاز، وهذا أهم من النصر لأنه طريقه المؤدي إليه بالضرورة. فهو الاستمرار والتواصل للمقاومة على مختلف وغير صعيد، والمقاومة هي القابلة الاجتماعية التاريخية إلى الأمام، أي القبض على مفاتيح اللحظة وصولاً إلى ناصية المرحلة.

كان تحديد الهدف، ما قبل سوقنة العالم وهيمنة السوق وعولمة كل شيىء، محصوراً ومقيداً في أطراف التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية المعطاة ليس أبعد، بما هي موقع/ فضاء للحدث. أمَّا وعالمنا يتغير بسرعة، بتنا نلهث ورائه تقنياً بلا شك، فلنحاول أن لا نلهث ورائه تفكيراً، أي لنحاول الإحاطة بالتغيرات والمتغيرات وعياً، بوعيها.

من التغيرات أن العدو لم يعد فقط ذلك العدو الطبقي في البلد أو المجتمع الواحد، ولم يعد العدو هو العدو القومي من بلد آخر وحسب. تداخلت العلاقات وتشابكت التحديات، فصار العدو القومي عدواً طبقيٌّاً في الوقت نفسه. وصار العدو الطبقي في البلد جزءاً أو فرعاً متخارجاً من شجرة راس المال العالمي، فأخذ دوراً لا قومياً، رغم تشابه الأسماء ومكان الولادة والاشتراك في اللغة…الخ. وليس المقصود هنا تحوله/ها إلى عميل استخباراتي لدولة عدوة، بل المقصود بنى وأدوارٍ طبقية تقوم على مصالح تودي بجِماعِ أمة إلى التهلكة.

كي لا نبتعد عميقاً وكثيراً ليست هذه العُجالة قراءة طبقية لمجتمع ما. هي محاولة لتوضيح أن ظروفاً معينة، هي الظروف الحالية تستدعي الاشتباك مع راس العدو لا مع أطرافه لأن معاقبة الراس تمتد إلى الأطراف ولا ريب. والعدو هو الطبقة الحاكمة في المركز الراسمالي المعولم. ولكن، ولكي لا يتحول الاشتباك إلى حالة كوزموبوليتية لا تتغبَّر بتراب الوطن، لا بد من ربط هذا الاشتباك بتمفصلات العدو المحلية.

قد يبدو، بل إن، هذا المقترب الاشتباكي متأثر بمدرسة النظام العالمي/فك الارتباط المادية (لا الاقتصادية وحسب)، وإن كان في هذا تطفل على ما ليس حقلي أنا نفسي كمريدٍة لشيوخٍ كثرٍ في شؤون النسوة. لكن في التعلُّم من الحقيقي أجران لا أجر واحد.

هدف هذا التقوُّل مزدوج:

· إظهار وكشف المستور في جوهر الموقف الرأسمالي الأميركي من المرأة.

· وإحراج المرأة غير الأميركية (النسوية العربية ومنها الفلسطينية) التي تمارس الدهشة والاندهاش بالثقافة الأميركية.

الولايات المتحدة رجعية تجاه المرأة

تتيح ملكية ومن ثم تطور آلة الإعلام، للراسمالية الأميركية فرص ومناخات التكرار المتلاعب بمزاعمها عن “نشر الديمقراطية، و “الديمقراطية الكاملة” في العالم إلى درجة تدمير أمم، وإباحة اغتصاب نسائها بحجة أن هذه كُلَفاً زهيدة إن ما قورنت بالهدف منها، ولا أجَلُّ، أي دقرطة تلك الأمم. دقرطة الخراب واليباب.

ونقاشي هنا ليس لتقديم حقائق تكشف عري الزعم الأميركي، بل استحضار ما يتم في أميركا نفسها مما يفِّند تلك المزاعم.

هل تخيَّلت نسوياتنا واللبراليات/المتغربنات من بيننا أن الكونجرس الأميركي لم يُقر التعديل المخصص للتساوي في الحقوق بين الرجال والنساء في أميركا نفسها، وهو تعديل بسيط ينص على إعلان تساوي المرأة في الحقوق. وهذا التعديل عُرض على الكونجرس عام 1923. وقد تم تفعيله عام 1972 حينما كانت الحركة النسوية في أوجها. ولكن تم وضعه على الرف عام 1982 لأن تمريره افتقر للحصول على قبول ثلاثة أرباع المشرعين الأميركيين. فهل سيتم تفعيله اليوم والأزمة الاقتصادية تمسك بخناق عشرين بالمئة من قوة العمل الأميركية ولا يبدو من سبيل خلاصٍ رغم الضخ الإعلامي عن التعافي!

والنصُّ المتعلق بالتفعيل هو: ” جزء 1: إن المساواة في الحقوق في ظل القانون يجب ان لا يتم إنكاره من قبل الولايات المتحدة او أية ولاية فيما يخص الجنس[1]“.

إذن الولايات المتحدة التي تنشر جيوشها (جيوش العسكر أو الأكاديميا أو الإعلام…أو جميعها من النساء والرجال) في أربعة زوايا العالم داعين للديمقراطية ومسوِّقين لحقوق المرأة، حتى لكأنها تقول للذكوريين الشرقيين: “إن لم تتغيروا مثلنا، فإننا سنحرر نسائكم منكم إلينا…فنسائكم تخصنا”، أميركا هذه لم يُقر مشرِّعوها ما اقرته معظم بلدان العالم الثالث!. ولكن، بمعزلٍ عن جدِّية التطبيق والالتزام.

وأميركا نفسها، التي تشتغل فيها النساء كما الرجال من حيث الإرهاق والأنين تحت الاستغلال إلى درجة تأنيث العمل، حيث وصل عدد قوة العمل في أميركا إلى 151 مليون شخص منها 70 مليون إمرأة، أي اكثر من 45 بالمئة نساء، كما أن 44% من قوة العمل المنظمة هي نساء. ( بشأن تأنيث العمل (أنظري/ر مقالتي: “تأنيث العمل لا يحقق المساواة”، كنعان الإلكترونية العدد 2119 الأول من كانون الثاني (يناير) 2010 ).[2]

وحقيقة الأمر أن الاستغلال الواقع على المرأة ينقسم إلى قسمين:

أولاً: الاستغلال العمري الذي ينقسم بدوه إلى قسمين:

· دور المرأة في إعادة تجديد المجتمع بالإنجاب، وهذا دور مقتصر عليها ولها، ولا يُحسب لها بالطبع.

· ودور المرأة في العمل. وهذا ينقسم بدوره عنوة إلى ورديات تشغيلٍ ثلاث مقارنة بتشغيل الرجل:

o الوردية الأولى هي العمل المأجور والذي كما يبدو يتفاقم مقترباً من تأنيث العمل.

o والوردية الثانية، هي العمل المنزلي وهي غير مدفوعة الأجر لا مالياً ولا رمزياُ.

o والوردية الثالثة هي خضوع المرأة لتقليص الأجور أكثر من خضوع الرجل.

ما نفهمه من هذا أن من يُدير هذا الاستغلال هي السلطة (عبر الهيمنة والسيطرة وحتى القوة) وهي أداة/شريك/ممثلة/حارسة راس المال، بما هو المستفيد ألرئيسي من استغلال المرأة، والرجل بالطبع.

من المفارقات المتعلقة هنا، أن الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة، وخاصة اليمين الجمهوري هي الأكثر تخارجاً على صعيد عالمي لنشر “الديمقراطية الكاملة المشتملة اساساً على “تحرير” نساء العالم غير الغربي!”. ومثال العراق واضح!.

أما في أميركا نفسها، فلم يتوقف هذا اليمين قط عن هجمات شرسة وواسعة ضد النساء لا سيما إبان تنامي الحركة النسوية المشار إليه أعلاه، وذلك في مجالات حق الإجهاض، والتحرش الجنسي وتجارة الجنس بالنساء والبنات وقمعهن اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.

ماذا تقول نسوياتنا؟

واللافت، أن مختلف أنواع النسويات في الوطن العربي، باستثناء النساء اللائي يقفن على أرضية التحليل الطبقي للمجتمع، لا يلامسن هذا الأمر! ويُبقين على انفسهن مثابة إعلانات مدفوعة الأجر، عبر الأنجزة والتموُّل من المؤسسات الأميركية والغربية سواء للمكاتب بما تُدير من “تعليم الديمقراطية وحقوق الإنسان والشفافية…حتى فن رعي الماشية مع بثينة وجميل”، او للمنح الدراسية أو للرحلات…الخ متحولات إلى لوحات عرض للثقافة الأميركية خاصة والغربية عامة.

بهذا الدور المكشوف والمكتشَف، تقف هاتيك النسوة في صف تعميق/تأبيد التخلف والرجعية المحلية. فمثل هذه الأدوار المأجورة والمقلِّدة بالعمى، تنحاز نسوة كثيرات في الوطن العربي للاحتماء بالذكورة الشرقية التي تنال من المرأة بطوع المرأة نفسها. هل يدركن المتغربنات هذا؟ إن أدركن، فهن يقمن إذن بدور ووظيفة، وإن لم يدركن، فهن قشرة معزولة تتمتع بتخارجها شاعرة أن في ذلك تميُّزاً عن الجمهور المحليِ البسيط كما لو كان عواماً وهواماً، لكن جوهر كل هذا فُصاماً.

هل يبرر هذا التحليل المقتضب حتى الابتسار ما اشرت إليه أعلاه، بأن الهدف يجب أن يكون على الدوام كشف المستور الأميركي/الغربي الأبيض عامة ومنه نصل لا شك إلى تمفصلاته المحلية المتسلقة طفيلياً على جذوعه الضخمة، والتي مرة أخرى، تطلق الرصاص الفارغ على الذكورة الشرقية، والمليىء على مصير المرأة.


[1] Fred Doldestein, Low-Wage Capitalism: colossus with feet of clay, World View Forum New York, 2008:229.