من أتاتورك إلى أردوغان

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2220)

كانت بداية القرن العشرين، وتحديداً سنوات الحرب العالمية الأولى وما تلاها من أحداث، منعطفاً عالمياً فقد زالت امبرطوريات كالنمساوية – المجرية، واستولى البلاشفة على السلطة، كما انحلت الرابطة العثمانية التي جمعت العرب والترك والكرد وغيرهم لمدة أربعمائة عام. وفي تلك السنوات تقرر مصير العرب لقرن من الزمان ومازال ذلك مستمراً عبر معاهدة سايكس بيكو، وتوأمها السيامي: ود بلفور الذي أنشأ،لاحقاً، الكيان الصهيوني في فلسطين.

في تلك السنوات زالت الدولة العثمانية من الوجود الواقعي بعد هزيمتها بالحرب العالمية الأولى، فسقط المشرق العربي تحت احتلال الحلفاء ليتقاسموه بمعاهدة سايكس بيكو، كما تعرض الأناضول إلى اجتياح اليونان بمساعدة وتحريض مباشر من الحلفاء الغربيين الذين هاجموا، ثم حاصروا استنبول عاصمة السلطنة.

في هذه الأجواء برزت شخصية مثيرة للجدل حتى اليوم هي شخصية أتاتورك، فقد قاد مع النخب العسكرية والمدنية المحيطة به حرباً تحررية ضد الاحتلال اليوناني – الغربي، فاستطاع انقاذ الأناضول من مصير التقسيم والاحتلال الذي خضع له العرب، كما استطاع أن يؤسس دولة قومية تركية على ما تبقى من ممتلكات الدولة العثمانية. وبعد ذلك قام أتاتورك بإلغاء مؤسسة الخلافة عام 1924، التي لم يكن قد بقي منها سوى بعدها الرمزي، مع العلم أن هذه المؤسسة بقيت مستمرة حوالي أربعة عشر قرناً، إما استمراراً حقيقياً مؤثراً، أو رمزياً له بعده المعنوي عند شعوب العالم الاسلامي، وهذا هو حالها عندما قام أتاتورك بإلغائها.

* * *

خلال الشهور الماضية قرأت عدة كتب تتعرض بشكل أو آخر إلى تلك الحقبة التاريخية و إلى شخوصها وبشكل خاص أتاتورك أولها كتاب “لطيفة هانم” وهو كتاب عن زوجة أتاتورك لطيفة حققته الكاتبة التركية إيبك تشالشلر، ونشرته دار قدمس.

يستعرض هذا الكتاب الظروف الرهيبة التي كان الأناضول يمر بها في بداية القرن العشرين، فقد كانت لطيفة من سكان أزمير أهم ميناء في الدولة العثمانية، وثالث مدنها بعد استنبول والقاهرة ومقر برجوازيتها. احتل اليونانيون هذه المدينة الاستراتيجية لسنوات، وكانت قواتهم البرية المرابطة في المدينة محمية بحراً بالأساطيل الغربية من البحر، لكن أتاتورك استرد أزمير مع الأناضول الغربي بعد معارك طاحنة، وتابع حتى استطاع فك الحصار البحري عن استنبول مستفيداً من أزمة السيطرة الغربية على العالم التي نشأت بعد ثورة أكتوبر في روسيا، ومستفيداً أيضاً من الامكانيات البشرية والعسكرية الضخمة التي تجمعت بين يديه بحكم أن استنبول كانت عاصمة الدولة العثمانية، التي امتدت على مساحة واسعة: زمنياً وجغرافياً، وكانت مركزاً للتراكم البشري والرأسمالي والعسكري لقرون، وهذا ما افتقده العرب في تلك الفترة الزمنية لأن بلاد الشام والحجاز والعراق كانت ولايات طرفية للدولة العثمانية فانعدم التراكم فيها، يضاف إلى ذلك تفصيلة خاصة بالعراق تزيد وضعه سوءاً، وهي أنه كان أرض صراع فاصلة بين الدولة العثمانية والصفوية لقرون تتبادلان السيطرة عليه، فتحول إلى خراب بفعل الحروب التي دارت فيه وحوله.

يمكننا القول بكل ثقة أن المصير المقرر غربياً في ذلك الوقت لأتراك الأناضول لم يكن بأفضل من مصير العرب، فهم كانوا سيخضعون للتقسيم والاحتلال كما حصل لعرب القرن العشرين. لكن النخبة العسكرية التي تجمعت حول أتاتورك أنقذت أتراك الأناضول من هذا المصير. وهنا يبرز السؤال بأي ثمن تم هذا الانقاذ؟

يمكن لأي قاريء لما حدث في الأناضول في تلك السنوات أن يلاحظ التضحيات الهائلة التي قدمها الأتراك بكافة طبقاتهم، مادياً وبشرياً، وأيضاً تلاحهم الشديد حول النخبة الأتاتوركية، وتقديمهم الغالي والرخيص في سبيل انقاذ الأناضول من التقسيم و الاحتلال، ثم جاء الظرف التاريخي المواتي والذي نسميه اختصاراً أزمة السيطرة الغربية على العالم (انهاك الغرب بسبب الحرب الأولى، ثورة أكتوبر) التي استغلها أتاتورك أحسن استغلال. لكن رغم ذلك لا يمكننا أن نغفل الأثمان التي قدمتها النخبة الأتاتوركية للغرب وهي أثمان باهظة.فقد ضحى أتاتورك بمؤسسة الخلافة استجابة لشروط بريطانية واضحة لا تقبل النقاش، فألغى هذه المؤسسة وطرد آخر الخلفاء بطريقة مهينة إلى باريس. وبالتالي تخلى عن مركز استنبول المحوري في العالم الاسلامي باعتبارها مركزاً من مراكزه الأساسية. فحسب المفكر الجزائري مالك بن نبي كانت مراكز العالم الاسلامي حتى بداية القرن العشرين ثلاثة مراكز هي: دلهي في الهند، واستنبول، والقاهرة. ويمكننا بسهولة أن نقول إن استنبول هي الأهم من بين المراكز السابقة. ففيها استقرت مؤسسة الخلافة المحملة ببعدها الرمزي الممتد إلى زمن الرسول، بغض النظر عن النقاش حول أحقية استنبول بهذا المركز أم لا، كما أنها على صعيد الوجود الواقعي كانت أقوى من المركزين السابقين فهي تحكم مساحة واسعة من العالم بما فيه قلب العالم: المشرق العربي. ورغم ما انتابها من ضعف ومرض فقد ظلت دولة لها وزنها على الساحة الدولية. لذلك من الطبيعي أن تتعلق أعين المسلمين وقلوبهم، عواطفهم و عقولهم باستنبول، فتنفعل مع ما يجري من أحداث هناك، فنجد في كتاب “لطيفة خانم” حديثاً عن التبرعات التي جمعها مسلمو الهند لمساعدة مصطفى أتاتورك في رد العدوان الغربي. وفي ذلك الوقت أيضاً انفعل أمير الشعراء أحمد شوقي بما يجري في الأناضول من معارك تحررية، فألف قصيدة يمدح بها الغازي أتاتورك ويشبهه بخالد بن الوليد:

” الله أكبر كم في الفتح من عجب ياخالد الترك جدد خالد العرب

حذوت حرب الصلاحيين في زمن فيه القتال بلا شرع ولا أدب

تحية أيها الغازي وتهنئة بآية الفتح تبقى آية الحقب “.

وعبر شوقي صراحة عن تعلق البلاد العربية و المسلمة بما يفعله أتاتورك في تلك القصيدة، فقال:

“هزّت (دمشق) بني (أيّوب) فانتبهوا يهنّئون (بني حمدان) في (حلب)

ومسلمو (الهند) و(الهندوس) في جذلٍ ومسلمو (مصر) والأقباط في طرب

ممالكٌ ضمّها الإسلام في رحمٍ وشيجةٍ، وحواها الشرق في نسب

من كل ضاحية ترمي بمكتحلٍ إلى مكانك، أو ترمي بمختضب

تقول: لولا الفتى التركيّ حلّ بنا يومٌ كيوم يهودٍ كان عن كثب”

كما أن مالك بن نبي من الجزائر يشرح بالتفصيل في مذكراته كيف أن الجزائريين، الذين وقعوا في براثن الاستعمار قبل ثمانية عقود ونيف، تفاعلوا مع انتصارات أتاتورك في الأناضول، فظهر حراك ثوري بين أوساط الشباب الجزائريين استلهاماً لتجربة اتاتورك، حتى أن السلطات الاستعمارية أطلقت على هؤلاء اسم “الأتراك الشباب”، وباتوا مصدر قلق وريبة وموضع مراقبة السلطات الاستعمارية. كما يذكر مالك بن نبي في كتابه سالف الذكر أن السلطات الاستعمارية الفرنسية حرصت على عدم اشراك المجندين الجزائريين في جيشها الذي كان يساهم بحصار استنبول خشية تمردهم.

لا يمكن تفسير تبرعات مسلمي الهند، ولا قصيدة أحمد شوقي، ولا انفعال الجزائريين بمعارك أتاتورك التحررية في الأناضول إلا بالرأسمال الرمزي الذي تملكه استنبول، وهو مؤسسة الخلافة، التي كانت قد فقدت رأسمالها الواقعي لكنها بقيت محتفظة برأسمالها الرمزي الذي أمل شوقي والجزائريين والهنود أن يعيد انتاج نفسه واقعياً على يد أتاتورك لأنهم اعتبروه جنديا في جيش مؤسسة الخلافة، وهو كان كذلك قبل أن ينقلب عليها.

وهذا الرأسمال الرمزي الهائل، الذي يخشى الغرب أن يُعاد انتاجه واقعياً، هو بالتحديد ما تنازل عنه أتاتورك مقابل اعتراف الغرب بنظامه. فالغاء مؤسسة الخلافة هو فك ارتباط بقضايا العالمين العربي والاسلامي وانكماش لتركيا داخل حدودها وهنا يمكنك أن تجد النسخة المبكرة لشعار (مصر أولاً ـ ايران أولاً ـ لبنان أولاً……………) الذي يردده هذا الأيام كل من أراد التحاقاً بالغرب وتنصلاً من قضايا أمته.

وما سبق يُفسر الخيبة العميقة التي حلت بالشاعر أحمد شوقي بعد أن ألغى أتاتورك مؤسسة الخلافة فألف قصيدة يهجوه بها، ويمحو مديحه السابق معتبراً ما جرى من الغاء لمؤسسة الخلافة نكبة للهند ودمشق والقاهرة. يقول شوقي:

“عادت أغاني العرس رجعَ نواحِ ونعيتِ بيسن معالم الأفراح

كُفّنتِ في ليل الزفاف بثوبه ودُفِنت عند تبلّج الإصباح

شُيّعت من هلع بعبرة ضاحكٍ في كل ناحية، وسكرة صاح

ضجّت عليك منابرٌ ومآذنٌ وبكت عليك ممالكٌ ونواح

الهندُ والهةٌ، ومصر حزينةٌ تبكي عليك بمدمعٍ سحّاح

والشام تسأل، والعراق، وفارسٌ أمحا من الأرض الخلافةَ ماحي؟

في فترة تاريخية متقاربة تعرضت روسية القيصرية لأحداث تشابه في بعض تفاصيلها ما تعرضت له الدولة العثمانية، إذ حدثت ثورة واستولى لينين على السلطة، ولمقاربة التاريخ أكثر تخيلوا لو أن لينين أعلن عام استيلائه على السلطة أن لا علاقة له بروسيا القيصرية، وأنه قومي روسي فقط معني بحدود روسيا التاريخية، فتخلى بجرة قلم عن أجزاء كبيرة من القوقاز عن آسيا الوسطى (وهو ما فعله يلتسين لاحقاً)، على العكس تخيلوا لو أن أتاتورك تصرف كما تصرف لينين، فاستغل هذا الرأسمال الرمزي الهائل وصمم على تدعيم مكانة استنبول كمركز للعالم الاسلامي، طبعاً دون أن يغيب عن بالنا أن ظروف أتاتورك أكثر تعقيداً وأكثر صعوبة لأنه ورث مؤسسة لم يعد لها سوى الوجود الرمزي، أما لينين فقد ورث دولة موجودة على الأرض. وهنا يبرز الدور الخطير للثقافة السياسية التي يحملها الأفراد. ففي النهاية الأفكار هي التي تغير العالم.

لا يمكننا أثناء المقارنة بين مصير الدولتين الروسية والعثمانية في القرن العشرين إلا أن نلاحظ المفارقة المتمثلة في تبادل الأدوار، فحين صعدت روسيا في بداية القرن العشرين لتؤدي دوراً دولياً بأفكار لينين الأممية انكفأت تركيا إلى داخل حدودها لتتحول إلى دولة متوسطة ليس لها أي وزن في السياسات الدولية. وحين انكفأت روسيا في نهاية نفس القرن بأفكار غورباتشوف ويلتسين الانعزالية التابعة للغرب فتحولت إلى دولة قومية متوسطة القوة تكافح ليبقى لها دور في السياسات الدولية، في نفس الوقت بدأت تصعد تركيا بأفكار أربكان ثم أردوغان الأممية (الاسلامية) لتؤدي دوراً في السياسات الدولية.

تبقى أخيراً الإشارة إلى المركزين المتبقيين للعالم الاسلامي: دلهي والقاهرة. يتكلم مالك بن نبي عن دلهي التي كانت مركز اشعاع اسلامي إلى آسيا كلها لكنها أصيبت بالنكبة بسبب تقسيم الهند وظهور دولة باكستان، ففقد المسلمون مركزهم الثاني بعد الحرب العالمية الثانية. وبقيت القاهرة التي تحولت إلى المركز العربي ـ الاسلامي الوحيد بأفكارها الناصرية حتى كان الانقلاب الساداتي، ففي أواسط السبعينيات من القرن العشرين وتحت شعار مصر أولاً تخلت القاهرة عن هذا الدور. حاولت بغداد أن تلعب دور المركز فدمرها الأمريكان. واليوم تعاود الكرة استنبول و طهران، وكل عاصمة بطريقتها الخاصة. وفي خضم هذه المحاولات تبرز الحاجة الملحة إلى صعود مركز عربي ليتناغم مع محاولات طهران واستنبول.