في العثمانيين الجدد… والعثمانيين العرب!

عبداللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2221)

كانت احتفالية لافتة وذات مغزى وأريد لها أن تكون حدثاً، حُشد لها جهداً عالياً وسخّرت لها الطاقات، والواضح أنها أعدت بعد تحضير مدروس يليق برسالتها المأمولة. تلكم هي كانت احتفالية إطلاق قناة “التركية” الناطقة باللغة العربية، حيث أطل علينا عبرها إخواننا الأتراك عبر لفيف منتقى من صنوف الإعلاميين العرب العاملين فيها، والذين اختيروا من كل أقطار دنيا العرب مشرقاً ومغرباً، وكأنما هو اختيار مقصود عبره تتم مخاطبتهم في شتى ديارهم من محيطهم إلى خليجهم، وبالتالي ايصال تلكم الرسالة المرادة. كان هذا جلياً في اختيار مختلف البرامج والحوارات والمقابلات التي تتالى فيما بعد بثها، وانتقاء القضايا التي تعني جميع “الأخوة” العرب، والتي لا يختلفون عليها. أنا شخصياً لم يقيّض لي مشاهدة هذا الافتتاح الاحتفالي المدوّي، لكنما ما قرأته وما سمعته ممن حدثوني مبهورين عن تفاصيله أعطاني هذا الانطباع الذي أوردته حوله. وحيث أنا جد مهتم بما دعوته سابقاً بالتحول الاستراتيجي التركي، وربما كنت من أوائل من تحدثوا عن “العثمانيين الجدد”، وكان هذا حتى قبل عنوان لمقال لي كان قد عالج في حينه السجال الذي وقع بين رئيس الوزراء التركي أردوغان والرئيس الإسرائيلي بيرز في حادثة منتدى دافوس الشهيرة، فأنا لم أنبهر مع المنبهرين ولم أدهش مع المندهشين بما قرأت أو سمعت حول هذه الاحتفالية، حيث وقعها وموقعها في سياقها بالنسبة لي هو ما يندرج في حكم المتوقع أو الذي لا اراه يتنافى مع ذلك التحول.

في تلكم الاحتفالية الافتتاحية، أو عبر رسالتها المبتغاه، يتلو رئيس الوزراء طيب رجب أردوغان، أبياتاً من قصيدة لنزار قباني، ويستدعي رموزاً لها مكانتها وهو يخاطب وجدان العرب حين يقول: كما كانت أم كلثوم صوت العرب جميعاً فهي أيضاً كانت صوت الأتراك، و”كما خاطب نزار قباني وماجدة الرومي بيروت فأنا أخاطبكم اليوم”، و”كما هو محمود درويش لنا ولكم ها هو نجيب فاضل لنا ولكم”… لم يكتف بهذا الحد فحسب، بل إن رجل تركيا اليوم، الذي يردد “القدس قرة العين”، و”حريقها سيشعل فلسطين والمنطقة ومن بينها تركيا، والعالم كله”، والذي يؤكد بأن الأتراك يرون أنهم يشاركون العرب المصير، يزيد فيقول: “نحن والعرب مثل الظفر واللحم. نحن مثل أصابع اليد الواحدة”، ويتمثل مثلنا الشعبي “الجار قبل الدار”. ولعل الأهم قد جاء لاحقاً عندما صرّح بأن “تركيا لن تقف مكتوفة اليدين إذا حاولت إسرائيل إشعال النار مجدداً في غزة”، وأن “غيوماً سوداء تحوم فوق القدس، درة حضارتنا”، وحين يخاطب جمعاً من رجال الأعمال الأتراك قائلاً، إن العناصر التي تقرر مصير اسطنبول هي نفسها التي تقرر مصير غزة، وحين يحرص على أن يتلو على مسامع متصهين مثل ساركوزي في زيارته الأخيرة لباريس قولاً من مثل: أن “الدولة العبرية هي الخطر الرئيس اليوم على السلام في الشرق الأوسط”… ويدافع عن البرنامج النووي الإيراني السلمي، ويردد على مسامعه ومسمع الغرب “صديقي العزيز” الرئيس محمود أحمدي نجاد!!!

… وقد نستطرد وبأثر رجعي متابعين سياسات تركيا حزب العدالة والتنمية الانفتاحية على أربع جهات حدودها، أو ما ينعتها مهندسها وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو بذات الأبعاد المتعددة، لاسيما منها المتوجهة حصراً إلى العرب والجوار الإسلامي، والتي تترجم انفتاحاً شاملاً وإلغاء تأشيرات واتفاقيات متعددة الأوجه وتبادلات اقتصادية واسعة النطاق، وصولاً إلى مشاريع لصناعات مشتركة، كما هو المعلن مؤخراً بين أنقرة ودمشق… وكل هذا الذي أغاظ الصهاينة وأقلقهم لدرجة أن تصدر خارجيتهم بياناً رسمياً يقول: “إن أردوغان يريد أن يتم انخراط تركيا في العالم الإسلامي على ظهر إسرائيل”، وأن ينعت وزير خارجيتهم ليبرمان أردوغان بالمتحول إلى “القذافي أو شافيز”!

هذه الانعطافة التركية باتجاه العرب وقضية قضاياهم المركزية في فلسطين، أو هذا التحول التركي باتجاه المحيط الجغرافي والتاريخي والثقافي أو العودة صوب البيئة الحضارية الأصلية للأتراك، قابله عامة العرب بما هو أبعد من الارتياح، أو هو قوبل بحماسة من عثر على نصير وقد عزت النصرة، وأذله تفاقم العجز الرسمي، ولدرجة أن أردوغان بدى للشارع العربي بطلاً حاز شعبية عزّ نظيرها لزعيم غير عربي، لاسيما في عتمة مثل هذا الواقع العربي المنحدر، أما إذا ما تحولنا إلى الخاصة، ونعني منها الشريحة المثقفة تحديداً، فإنه كما قرأ البعض هذه الحالة التركية بموضوعية، فنحن لا نعدم أيضاُ اتجاهين آخرين، واحدهما بالغ في حماسته لها، والآخر قلّل من شأنها، بل ومنهم من شكك في مقاصدها.

الأول، ذهب بعيداً فاستحضر محمد الفاتح وخيول الأتراك البلق، وذكّرنا بأن الأتراك حين جاءوا إلى بلادنا كانوا منقذين وليس محتلين، حيث كان الصليبيون حينها قد نزلوا في أطراف مغاربنا وحلّوا على سواحل جزيرة العرب. والثاني، استعاد جمال باشا والتتريك ومآثر جماعة الاتحاد والترقي!

بالنسبة لهؤلاء، عندما تحدثت عن العثمانيين الجدد في المقال الذي أشرت إليه، وكنت حينها مجتهداً قدر استطاعتي في استقراء هذا التحول التركي، كتب زميل منهم أحترمه مستهجناً ومستغرباً هذا مني، مطنباً في هجاء الحقبة “الاستعمارية” العثمانية بما لم يقله مالك في الخمر. هنا نحن أمام فريقين، من بالغوا حتى كادوا أن يستحقوا نعت العثمانيين العرب، ومن شككوا حتى استحقوا شبهة الطورانيين العرب!

كل مافي الأمر هو أن تركيا حزب العدالة والتنمية قد قرأت جيداً التحولات التي غشت عالمنا لاسيما في هذه المرحلة بالذات التي تشهد تحولاً كونياً بدأت ارهاصاته، واستمعت جيداً إلى نبض روحها فصالحت حاضرها مع تاريخها، وبالتالي استعادت هويتها، والأهم هو أنها قد وجّهت بوصلتها إلى حيث تشير عليها مصالحها. كل ما كان من أردوغان هو إدارته للدفة بدهاء وذكاء وعناد عائداً بتركيا من تغريبتها الأتاتوركية القصرية إلى حيث تربتها وجذورها وهويتها ودورها المنسجم مع مصالحها، مستعيناً بتحقيق اشتراطات الدمقرطة التي تستوجبها احتمالات الاستجابة الأوروبية غير المؤكدة للطموح التركي التليد المزمن لعضوية الاتحاد الأوروبي، والمردود الاقتصادي المجزي للانفتاح على المحيط العربي والجوار الإسلامي، لتقليم أظافر العسكر التركي، وفل سطوة الطورانية المتزمتة.

الآن، يتم تقديم مقترحات لتعديل الدستور التركي، للإجهاز على آخر معاقل الأتاتوركية، أو ما يدعى ب”الدولة العميقة” المتبقية جيوبها في القضاء والمؤسسة العسكرية، لإنجاز هذا التحول التركي الحقيقي، الذي استدعى بحق ترحيب العرب وكان مدعاة حماستهم والذي أتاح لأردوغان حتى الآن أن يجاهر بكل ما كان محرماً في تركيا، أو بعض ما قاله قبل وبعد الاحتفالية بافتتاح قناة التركية الناطقة بالعربية التي هدفها المعلن هو تقديم تركيا لاخوتها العرب…

هنا علينا أن ننتبه إلى أمرين، وهما، أن أردوغان عندما تحدث أو سيتحدث عن المصير المشترك بين العرب والأتراك، لم يقدم نفسه منقذاً للعرب ولن يفعل ، وهو وإن كان الحريص فعلاً على تمتين مختلف الأواصر مع المحيط الطبيعي لتركيا، فهو بدايةً ونهايةً كان الأشد حرصاً على المصالح المشتركة، والتي لم ولن تعني عنده عدم الحرص على المصالح التركية الممتدة مع الغرب… يجب أن لا نحمّل تركيا أو العثمانيين الجدد ما لم ولن يتحملوه، أو نغدو نيابة عنهم عثمانيين عرب… وإذا كان أردوغان يتمثل مثلنا العربي: الجار قبل الدار، ويقول: “نحن والعرب مثل الظفر واللحم”، فعلى العرب أن يقابلوا التحية بمثلها، لكن أن لا ينسوا مثلهم القائل ما حك ظفرك غير جلدك!