فعاليات ثقافية في فلسطين المحتلة: عرض ونقاش لكتاب جديد ” العتبة في فتح الإبستيم”، للدكتور اسماعيل ناشف

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2225)

ضمن موسم نشاط الجمعية الفلسطينية للقراءة لهذا الموسم، أُدير يوم 10 نيسان الجاري عرض ونقاش لكتاب جديد تأليف د. اسماعيل ناشف، (العتبة في فتح الإبستيم). وذلك بحضور عدد من المهتمين من أعضاء الجمعية واصدقاء جدد من عدة مشارب.

وعن الجمعية قدَّم الزميل عادل سمارة المؤلف مبيِّناً عمق الكتاب وجدَّية الكاتب ومشيرا إلى أن قراءة د. اسماعيل ناشف تحتاج إلى إلمام بفلسفة هيجل ونقدية جامسون والاقتصاد السياسي لماركس. وأن اسماعيل ذو فكر نقدي للحداثة على أرضية التجهيز لمبنى معرفي من خارج الحداثة الأوروبية وتوظيف ذلك في مشروع تحرير فلسطيني مختلف يتجاوز التشوهات التي مر بها هذا المشروع.

وقدم الشاعر والأكاديمي د. حسني شحادة قراءة (النص الكامل أدناه) ضافية للكتاب ارتكزت على ثلاثة محاور:

الأول:إعادة التنبيه، بإيراد نصوص محددة، إلى أن الخطاب العربي الإسلامي له أهميته وراهنيته التي بدأت ما قبل اكثر من ألفيتين، وأن التمكُّن من أدوات هذا الخطاب يفتح لنا طريقاً لقراءة نقدية وعميقة لأطروحة مؤلف :”العتبة في فتح الإبستيم“. وقدم شحادة مقتطفات لعدد من المفكرين القدامى كالمقدسي والغزالي…الخ.

والثاني: نقد مبنى ووظيفة وتوظيف الحداثة الأوروبية تحديداً وعدم أهليتها لتكون آلية الفهم الوحيدة للعالم، مبيناً أن التجاوز يجب أن يشمل تجاوز هذه الحداثة بما هي مشروع فكري ثقافي للعرق الأبيض تم ويتم إنتاجه وتوظيفه في خدمة النظام الراسمالي العالمي، نمط الإنتاج الراسمالي أو عموماً الرأسمالية.

والثالث: ان القراءة النقد/حداثية التي يقدمها الكتاب يمكن أن تقود كمحاولة فتحٍ جديد إلى بلورة مشروع معرفي فلسطيني مقاوم يرتكز على رفض أدوات الحداثة التقنية الأوروبية.

وتحدث بعد ذلك د. اسماعيل ناشف مركزاً على أن الكيان الصهيوني الإشكازي ليس مجرد أداة للمشروع الحداثي الأوروبي بل جزء لصيق منه.

وقد شارك عدد كبير من الحضور بمداخلات توضيحية ونقدية مما اثرى اللقاء.

* * *

العتبة في فتح الابستيم ـ مداخلة

د. حسني الخطيب شحادة

مداخلة بمناسبة احتفالية صدور الكتاب لاسماعيل ناشف

البيرة- رام الله 10 نيسان 2010

أولا تحياتي للصديق اسماعيل وتهنئة من القلب لصدور الكتاب الذي طالما اراده ولعله الاول من سلسلة كتابات تثَبّت رصيد الفكر الفلسطيني في المقدمة.

شهور قليلة مرّت منذ قرأت الكتاب بتمعن قبل صدوره بشكل صفحات الكترونية على شاشة الكمبيوتر. طلب مني اسماعيل مطالعة الكتاب بشكل عابر قبل طباعته على الورق. الوقت الذي حددّه لي كان قصيرا، بل قصير جداً، لمدة اسبوع. لم تكن لدي فرصة خيار لتأجيل القراءة فأخذت نفساً طويلا لعلمي المسبق باني سأدخل مغامرة لن تكون نتائجها محمودة العواقب. معرفتي السابقة باسماعيل وبكتاباته الادبية والفكرية كانت دوما قيد الحوار والتعامل مع النصّ بشكل فظّ حيث يحاول دوما تطبيش اللغة واختراع المفردات التي لم ترق لي دوما، أو على الأغلب اعلم بان كتابته ترتأى اللغة المعقّدة التي لم تكن دائما بالشيء الذي يمكنك المرور عليه عبور زائر والسلام.

محاور ودوائر عديدة ربطتني باسماعيل منذ كنا طالبين على مقاعد الدراسة في الجامعة لكل منا كان توجّه مختلف، درست في قسم اللغة العربية وتاريخ الفنون والتاريخ العام واسماعيل درس علم الاجتماع والعلوم الانسانية. الحلقة الثانية من الارتباط كانت على صعيد الكتابة والابداع حيث كنا نلتقي ضمن مجموعة من المبدعين الفلسطينيين الذين حاولوا من خلال اللقاءات والحوار تكوين حركة ابداعية متعددة المحاور من كتابة نثرية وشعر وموسيقى ورسم ونحت وتمثيل مسرحي. سنوات مرّت وانتقل كل الى بلد بعيد لمواصلة الدراسة والبحث – اسماعيل الى امريكا وانا في ايطاليا وعدنا مع الدكتوراة وبدأنا ولا نزال نواصل الكفاح من اجل اخذ مكانة بين الباحثين الفلسطينيين كل في مجال تخصصه. وها نحن نلتقي مجددا في نفس الجامعة في الجنوب وكلّ في مجال تخصصّه.

هذه المقدمة كان لا بد منها لان الكتاب الذي نحتفل بصدوره يحمل العديد من المحاور التي تؤكد الصلة ما بين الباحث الاكاديمي وتواصله مع ما يمكن دعوته بخيط الذاكرة ومجريات احداث مرت به في الماضي ولا يزال يمرّ بها في حاضره.

فتحت النصّ – أقول فتحته لانه فعلا عبارة عن فتح لنصّ جديد. الان وبعد مرور الاشهر منذ قراءته للمرة الاولى وبعد العودة اليه للمرة الثانية والثالثة اجدني اقف بدهشة المتلقي لاول رذاذ في مطرة تشرين. بالرغم من اننا الان في نيسان ولكن عبق القراءة الاول يعاودني وساحاول من خلال هذه المداخلة ان استرجع وإيّاكم تلك التجربة الحسيّة والذهنية التي تضوعتُ بأريجها حال قرائتي حينذاك. واعترف بان قرائتي المجددة للكتاب حملت عبقا من نفس التوهج الاوليّ!

اللغة وما أدراك ما اللغة

لها عاقبة التوخي ودهشة الانبهار ومعصية الخالق!

اللغة هي احدى الاسس التي وجدتها في الكتاب والتي تلعب دورا مهما في نقل افكار الباحث نحو محاولته لفكّ معضلة الحداثة وارتباطها بالمكان والزمان والفراغ الفلسطيني.

العنوان لا يكشف الكثير، بل يخفي أكثر مما يوحي.

العتبة – اختيار شعري لنصّ اكاديمي وهو ليس بالمعتاد، ثمّ يأتي الفتح – بدون تورية او مقولة سياسية، لماذا يرغب اسماعيل بالفتح ولماذا اختار هذه الكلمة بالذات؟

ثم يندرج الابستيم ككلمة من أصل فارسي هي الابزيم أي شيء من المعدن يقوم مقام العروة يكون في احد طرفيه لسان يدخل في الطرف الآخر. إذاً ماتبقى لاسماعيل الاّ أن يفتح الإغلاق والإبهام، وكم من أُناس لم يفلحوا في ذلك فهل نجح اسماعيل؟

يقول أبو الطيّب محمد بن اسحاق بن يحي الوشّاء (من أدباء القرن الرابع الهجري/ العاشر ميلادي) في مقدمة كتابه الموشّى بأن من ألّف كتابا فقد استُشرِفَ وإذا أصاب فقد استُهدِفَ وإذا أخطأ فقد استقذِفَ، وكان يقال لا يزال الرجل في فُسحة من عقله ما لم يقل شعرا أو يضع كتابا. واختيار الرجل وافد عقله والعلم كثير والعمر قصير الخ الخ.

فهل وصل الحال باسماعيل بان يجمع بين طيات هذا الكتاب حصيلة فكر وتجربة ودراسة وبحث؟

للاجابة على هذا السؤال لا بدّ ان نعود للكتاب:

وسأبدأ من النهاية:

والنهاية سؤال كما البداية:

كيف يبدو العالم من فلسطين؟

سؤال يضع القاريءً، ايًّ قاريءٍ (عاديّ، باحث، متخصص، ناقد) امام تحدّ لمجريات الحدث اليومي؟ الحدث يتداخل مع محوري الزمان والمكان ليصنع معهما مادة هي الاقصوصة، هي النصّ، هي الفكر الذي يحاول الباحث من خلاله طرح السؤال/ الاسئلة، والتي تتماشى وكثافة الاجوبة التي يضعها أمام القارىء بشكل مُسَهّل أحيانا وبشكل يحتاج لتروٍّ أحيانَ أخرى.

قلت في البداية انني بدأت القراءة للمرة الاولى بعد أخذ نفس طويل حيث لم يداعب خيالي للحظة بانني ساقف أمام نصّ جديد يدعوني للسباحة والغور في طلاسمه بحيث لم استطع ترك الكتاب حتى وصلت الى النهاية. هل هو كتاب بوليسي أعادني الى فكّ رموز الجريمة في قصص أغاتا كريستي او أرسين لوبين حيث طالعنا صغارا وبتشوّق كل كتاب مترجم يروي عن جريمة نكراء يحاول المفتش او المفتشة البوليسية الكشف عنها!

فاذا لم يكن كتابا بوليسيا، فلعله يتبع أدب الرحلات، وكما هو شائع في ادب الرحلة العربي نجد الرحالة طالبي العلم لا يكتفون بنقل وصف واف لما يشاهدونه، بل في احيان كثيرة يتداخل الانا الرحالة والمكان والزمان اللذان يحددان له حيّز التنفس والوصف. هكذا يعترف اسماعيل في غلاف الكتاب الخلفي بان السؤال أطلق لديه رحلة البحث والاستكشاف عن أبنية إنتاج المعرفة الحداثية. يذكرني القول بالمقدسي الذي كتب “أحسن التقاسيم في معرفة الاقاليم” في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري-العاشر ميلادي، حيث يأخذنا في رحلته الى أماكن عدة ويؤكّد انّه يقصد علماً قد أغفله من سبقه وينفرد بفنّ لم يذكره من قبله. المقدسي يعتني بالمنازل المسلوكة والتجارات ويقف على الاختلاف في الكلام والاصوات بين البلدان، المذاهب والمكاييل والاوزان، النقود، الاطعمة، الشراب والثمار والمفاخر والعيوب، وجغرافيات البلاد، والصنائع والعلوم، ولا ينسى ذكر المناسك والعادات والاحتفالات.

لماذا المقدسي بالذات يراودني الان مع كتاب اسماعيل؟ الأن اسماعيل يرتاد علماً لم يسبقه اليه أحد؟ على الأقل هنا في هذا الحيّز الجغرافي المعلن في الكتاب؟

ربّما لأنّ النصّ الذي يتناول اقليم الشام يضمّ وصفا له ارتباط بالتعامل مع جغرافية الحيّز الفلسطيني آنذاك، كما هو الان في النصّ الجديد لاسماعيل. اسماعيل يأخذنا في رحلة استكشاف حداثية عبر الفضاء الخارجي الشاسع – الضيّق لفلسطين المكان ويعبر بنا عبر الازقة، يرتقي مداخل البيت، يرتقي العتبات، عتبة عتبة، بتروٍّ يحسد عليه، ليصل الى داخل المنزل، يفكك ويهشم ويهمش مكوّنات المادة والسلطة والمؤسسة والفرد والمجتمع، ليصل بالقارىء الى لعنة اليوم الذي بدأ فيه بقراءة الكتاب، وفي نفس الوقت للدهشة والتفكير بانّ ما يجري له شخصياً هو ما يقرأه الان في النصّ!

والمقدسي يأخذك في رحلة استكشاف قديمة-حديثة، فمن مدينة بانياس على طرف الحولة الى طبريا الضيقة الكربة المؤذية في الصيف، ينتقل بك الى وصف اناسها الذين يرقصون شهرين ويمصّون قصب السكّر وشهرين عراة. فعكا الحصينة على البحر وميناؤها العظيم فينتقل الى الجشّ القرية، ثم الرملة قصبة فلسطين البهية واسعة الفواكه والتجارة،، ليس في الاسلام أبهى من جامعها، ذات فنادق رشيقة وحمامات أنيقة، وبقربها اللد وعيدها الذي يحتفل به المسلمون مع النصارى، انتقالا الى بيت المقدس حيث هواؤها سجسج، اي لا حرّ ولا برد، وبنيانها حجر لا ترى أحسن منه، ولكنه يزيدنا بمعلومات قيّمة بانّ الفقيه مهجور والاديب غير مشهود ولا مجلس نظر ولا تدريس – أيختلف الوضع اليوم؟

سلوان المحلة في ربض المدينة، جبل زيتا، وبيت لحم وحَبرَي هي قرية ابراهيم الخليل عليه السلام، وبيت جبريل ذات المقاطع الرخامية العظيمة حيث يصف بانها كثيرة المخنّثين، تنعم بضياع جليلة، فغزة الحصينة، فعسقلان على البحر جليلة، كثيرة المحارس والفواكه والجمّيز، فيافا الصغيرة، ولكنّها خِزانة فلسطين، فأرسوف، فقيسارية التي تفور نعما وتندفق خيرات، فنابلس، فاريحا مدينة الجبارين كما يقول. والتجارات في فلسطين الزيت والقطين والزبيب والخرنوب والملاحم والصابون والفوط ومن بيت المقدس الجبن والزبيب على أنواعه والتفاح والقضم والمرايا والقدور والابر (ص 133- 164). هذه كتابة لنصّ من القرن العاشر هو واحد من النصوص التي تصنع إرثا مكتوبا هو تاريخ يتطلب قراءة مجدّدة وتحليل آخر يتعامل مع النصّ بمفهومه الحداثي الجديد الذي يمكن تبنّيه من خلال النصّ الجديد في كتاب اسماعيل العتبة – هل هو تحدٍ لمقولة اسماعيل في الكتاب بأنّ المشروع الحداثي استطاع ان يلغي المكان، معرفياً، بعد أن سيطر عليه عسكرياً وسياسيًا. ولكنّه يسترجع ويقول: أما هنا في فلسطين فقد أخفق الاستعمار في إلغاء المكان، بالرغم من السيطرة العسكرية عليه، فما زالت فلسطين مكانا مولّدا للخلل وللإخفاق الحداثي. فالمكان ماضً وحاضر ومستقبل والماضي لا يبدأ فقط في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات التنظير الحداثي وتحليلاته الفوق-تاريخية! (ص93)

نحن بطبيعة وعينا منذ نعومة أظافرنا نتلقى الكتابة بتقديس ما، وهذه معضلة. أما هنا فاسماعيل يحاول تقويض هذه المقولة وسلب قدسية اللغة من الكتابة.

هل نجح في ذلك؟

اللغة نجدها في فصل يحمل عنوان “عتبات ومنزل : في المعرفة الحداثية كنوع لغوي” وضمن هذا الفصل يتعامل اسماعيل بشرح وافٍ مع علاقة اللغة بالحداثة. هذا ليس الفصل الوحيد في الكتاب الذي يتطرق فيه الباحث لموضوع اللغة والحداثة كمحورين متوازيين أحيانا وكطاغ الواحد على الآخر في أحيان اخرى. يقول في حيثيات الامر بان “الانطلاق من اللغة لفهم العالم لم ينتج لغة فهم واحدة، بل عدة نماذج من الصعب أن تجد المشترك بينها سوى نقطة الانطلاق. (ص 116)

من اللغة ينطلق الباحث عبر ذكر الأسماء والنظريات المهة التي تدور في هذا الفلك الى انطباقها على علم التاريخ الذي يعرّفه بشمولية الباحث في العلوم الانسانية بانه “يبحث في نشوء ونضوج وأفول واندثار حضارات ومجتمعات عينية” (ص 121). هذا التعريف وهذه الاشكالية هي وليدة فكر غربي يعتمد عليه اسماعيل دونما رجوع الى مراجع التراث العربي القديم، حيث الفكر الاسلامي في قرون بائدة ارتأت البحث في علم التاريخ ليس من منطلق البحث في صعود وهبوط حضارة بعينها (كما يحلو للكثير من مدارس الاستشراق الاخذ بها طبقا لنظرية ابن خلدون) بل كل متصفح لكاتبي التاريخ الذي يضمّ الادب والسيّر والطبقات والجغرافيا والعلوم والرحلات والشعر واللغة والفقه والتفسير والتراجم سيجد حتما ضالته في سرديات الحدث اليومي والمُشاهد الشاهد على حالة لا تعالِج بالضرورة ارتقاء او خسارة. لا شكّ بان المشهد الفلسطيني المهمّش الذي يصوره اسماعيل في كتابه هو البداية وهو المحفز لحل معقل الفرس، والفرس جموح وما امتطاء صهوة الجواد ببلاغة الاديب تعفي الباحث من انتقاء اللغة كلغة ارتقاء نحو المشهد اليومي الذي يصوره اسماعيل بانه أعلى وأرقى بكثير من النظريّات والمؤسسات التي تحاول جاهدا ان تحتويه. هذا المشهد المتكبّر العنوت الذي يسبق بحداثته الحداثة، هو الذي يحاول الكتاب ان يواجهه بتحدًّ كبير، وليس كما يقول كمشاهد ساذج وبريء، أي الباحث الاكاديمي (ص 129)، فشتان ما بين السذاجة والبراءة من هذا النصّ المفعم بالتحليل الغير بريء!

العتبات ثلاث، أقلّ او أكثر، تصل بنا الى منزل يدعونا النصّ للولوج اليه، فبعدما نقرأ بتمعن ما يسرده لنا الباحث، الراوي، المشاهد، الاديب عمّا يمكن ان نجده في العتبة، فها نحن نصل المنزل هل سندخله عنوة ام سنخرج منه بأمان؟

قبل التعامل مع عتبة الدار اخترت الولوج او الخروج من/الى المنزل الذي يصوره الباحث بأنّه “مهتريء بروتينية غربته الصدئة ببريق المشهد الزماني – الصوري المتدفق باستمرارية تذكّر أحيانا بنوع القصور الذاتي، تتعالى تارة وتنخفض تارة اخرى، قطع من أصوات أحداث وأبعاد من فضاءات أمكنة تترصّص كضجة” (ص143). من نافل القول أو قد يكون من الأهمية بمكان التوضيح التالي (والكلمات لاسماعيل اقتباسا من الكتاب ص 144) لا يمكن لايّ نظام ان يحتوي كلّ أشكال الوجود الاجتماعي التاريخي في لحظته وفضائه وماديته كنظام قائم! واضيفُ، كما أنّه لا يستطيع إحتواء المشهد اليومي واللغة اليومية والروتين اليومي والتعب اليومي والملل اليوميّ!

فكلّ شيء عادي ومملّ- قصيدة

كل شيء عادي…… ومملّ

الحياة مجموعة احتمالات غير متوقعة
سَكَنٌ لبقايا سجائر لم أدخنها
أدوسها بقدميّ وأمرّ عليها مرّ السلام
إحباط لتجربة او…. عدم
والتجربة حالة من اللذة
وسفر لعوالم اخرى
❊❊❊❊

مجاهل الجهل تغزو كلّ شئ
تطفو على العقل
والعقل قيد أنملة او نملة
قد انداست بسنابك الخيل
ولم تسمع “أوامر الملك” ولم تُطِع
او انّ سليمان لم يفهم لغة النمل ولا يعلمون!
وكل شئ عادي… ومملّ!؟
❊❊❊❊

سريع غضب الالهة
سريع هيجان البحر وخفوت الريح
سقوط الشُهُب وانطفاؤها قبل الوصول
نزول الوحي على أنبياء لا يعلمون ولا يفقهون؟!
❊❊❊❊

القمر يضئ الليل
والشمس تشرق النهار
القهوة تغلي الصباح
ومدارس ملأى بالاولاد والبنات
فكلّ شيء عادي….. ومملّ
❊❊❊❊

الارض تجرى لمستقر لها
وأنا… أبحث عن مستقري
في جريان الايام
… نحو الحطام
فكل شيء عادي وممل!
❊❊❊❊

افترض انني شاعر أكتب لغتي على ورق
وأذوب في متاهات عشوائية
أبتلع صمتي وخوفي
وأمتنع عن مراقبة الظلال
… والأشياء
ألمح بقايا الناس… ظِلال الناس
يلتمسون بقايا الحياة
يفرحون ويحزنون… يبكون ويضحكون…
ولا يقفون وهلة لالتقاط الانفاس
كل شيء عادي… وممل!
❊❊❊❊

كلّ شئ عادي… وممل
ظلال العيون تذوب في النظر على بقايا الناس
وبقايا الناس تذوي وتذوي
في أحلام محبطة نحو عالم يهوي نحو الحطام!

…. كفى…. فللملل بقية…

وعودة الى المداخلة والكتاب:

العتبات التي تحاول إدخالنا في متاهة التحليل الحداثي للمشهد الفلسطيني هي اختيار عبقري يستوحيه اسماعيل من واقع يعايشه الفلسطيني بعد فقدان المنزل والارض.

العتبات تتدرج من الخارج للداخل:

عتبة استشراف حدود القائم وقصة الولد ورقّاص الساعة والوقت – الوقت الفلسطيني الضائع؟

حيث يصل الباحث الى استنتاج الا-لغة أو حالة الا-لغة كبديل ليصل في نهاية الفصل بتعريف اللغة أساس تُبنى عليه تراكمات تاريخية تصل بنا الى حدّ إقصاء اللغة لتشفّي حدود المعرفة الحداثية دونما فهم أو الى فهم منقوص!

العتبة الوسطى : مفهوم التشكّل

ضمن العتبة الوسطى يتصاعد الافق البلاغي ليصور الزمان مجازا في العبور المكاني ولتنوع المكان في الوعي الزماني الممتدّ ابداً. وتدخل اللغة هنا أيضا كتمثيل للوجود الاجتماعي.

هنا تصل كثافة الوعي المتدفق من الصورة التي يصوغها اسماعيل علماً في هذا الكتاب الى حدّ لا يمكن إلا ان يطغى عليك ملكوت الحزن أو الفرح! الحركة هي فعل ايقاعي من غير الممكن تأديته خارج علاقة ما يحوم هنالك في سديم ما!

والسديم ينقلني الى طفولة المنسيّ:

العتبة هي عتبة عادية كما لكل بيت فلسطيني عادي. الاولاد يجلسون على العتبة بعد انتهاء الدوام، في انتظار السماح بالدخول بعد الانتهاء من تنظيف المنزل! يكركرون ويزعقون في باحة الدار حتى تهبّ بهم الأم أو الجارة صارخة بالتوقف عن الزعيق والشيطنة!

الام والجارات يجلسن على العتبة لشرب قهوة الصباح واستقراء الحدث اليومي من خلال خطوط القهوة في الفناجين!

الاب ورفاقه يجلسون على عتبة المساء بعد التعب اليومي في لعب الورق (الشّدّة والمشادّة)!

هناك حيّز فراغي ما بين العتبة والمنزل وهذا الحيز هو الوقت الذي يتمحور خلف المكان والزمان!

النظام أو المؤسسة الطاغية على الحدث هي الوحيدة القادرة على تخطّي العتبة دون تريث ودون ذاكرة، فبامكانها ان تدخل/ تقتحم المنزل المتشظي دونما إقصاء للحالة!

إذاً اختيار الرموز من قِبَل الباحث لثلاث عتبات هي ليست مجرد تأهيل لفهم ما يجري في العمق- في الداخل- في المنزل – بل يعود الاختيار لمرحلة ابداع جديدة وواعية هي الأساس للاختيارات المتغايرة عبر الكتاب.

نصل الى عتبة الدخول: حول التحقق والغياب

هنا يتعامل الباحث بعقلانية أكادمية لما يجري من أمور من حيث احتمال مفهمة اللغة من خلال الحدث الاتصّالي – اي كل ما يتعلّق بالوجود اللغوي الاجتماعيّ، ممارسة وتنظيراً (ص 128). هل هذه العتبة موجودة فعلاً على أرض الواقع ام ان اللا-حضور هو سبب اختلاقها؟ السؤال الذي يتبنى الفكرة يدور في حَيّز الفراغ اللا-موقعي، اي ان الباحث يجهد في خلق غياب هو موجود فِعلاً في أرض الواقع، ولكن يتهيأ للجميع عدم وجوده بالرغم من معايشته فكرياً وسياسياً. عتبة الدخول هي التي تنزع من القارىء ما تبق لديه من شفقة على نفسه لتضع رتوشا اخرى للصورة ذاتها ولكن بألوان فاقعة تميل الى النمط الغير مستحب في النظام الرأسمالي الغربي – هو ما يُدعَى باللون المفلّح – من الفلاحة اي التابع للنمط القروي الذي يميّز الفكر الاجتماعي الفلسطيني ككلّ – الحدث الفلسطيني وتقاطعات الحدث الاتصاليّ بشكليه التقليدي والمتأخّر- أسئلة تدور في فكر الكاتب وتصل حتماً للقارىء بعنف:

– حول كيفية التأليف والتنصيص

– حول كيفية التلقّي والانتاج الابداعي

– حول كيفية التوزيع والاستهلاك

هذه ثلاثة محاور لسؤال معرفيّ حاد ومهّم يتعامل مع النصّ الحداثي من على عتبة المنزل القربية من البيت بل هي جزء منه وقبيل الدخول اليه!

المدخل الى السؤال الاول:

كيف يبدو العالم إذا نظرنا إليه من فلسطين؟

السؤال لم يتغير ولم يتبدل؟ بل مصادر المعرفة تتخذ زخماً وبعداً وكثافة هي البنية التي يبني عليها الباحث كتابه!

الرحلة هي رحلة استكشاف وبحث عن أبنية إنتاج المعرفة الحداثية، نمرّ عبرها بمصطلحات وأسماء ونظريات ووعي تام للكاتب بأن هذا الكتاب هو عبارة عن كتاب تأسيس لحركة فكر فلسطينية تضع بنيتها التحتية في تقصّي العلوم ونقد الأبحاث ودراسة المشهد الفلسطيني بعين النقد والتحليل والابداع.

يقول: “الادّعاء انّه لا يمكن فهم فلسطين المعرفيّة إلاّ من خلال المشروع الحداثي، بكونه روح العصر وبناءاً ايديولوجياً، ادعاء إشكالي من الدرجة الأولى، ويحمل تناقضات ذات أبعاد مصيرية على فعل المعرفة وبناء/تفكيك الذات الفلسطينية-الجماعية والفردية على السواء. ومن محاولة كشف إمكانية كون الموقع الفلسطيني مسطّحا حاملا لمعرفة بديلة، معرفة تمكّن حاملها من تفكيك صمّام الأمان المعرفيّ الحداثيّ. (ص 70)

ولعلّ المصادر يمكنها التبدّل والتغيّر ولكن الأجوبة المستحدثة والوسائل التي يرتادها الكاتب في “العتبة في فتح الابستيم” ستتخذ مساراً جديدا في التحليل والنقد. فحتى لو تناولنا الرسائل الغرامية التي نقلها النواسي عبر ديوانه الممنوع؟

ام لعلّ رابعة العدوية وعشقها الالهي قد صنعت معجزة التحدّي كامرأة تعشق كما يحلو لها ومن يحلو لها؟ او ابن خرداذبه ومسالكه والمقدسي في أحسن تقاسيمه، أم الجاحظ في بخلائه وابن طفيل في ابن يقظانه وابن خلدون في مقدمته والمقريزي في سلوكه والحلاج في توحدّه، والخيّام في رباعياته والمعري في لزومياته وابن قتيبة في عيون أخباره سيبقى هذا الكتاب مصدراً للاستشراف والتلقّي.

هو رحلة تبدأ بسؤال وتنتهي بسؤال وما بين السؤال والسؤال صفحات تتراكم فيها المعرفة، جزئياً وتكاملياً، لمن يطلب آلة المعرفة ولمن يودّ أن يبقى قيد الترقّب المفاجىء للأدرنالين الذي يمنحه الكتاب وبشدّة!