التعلم بلغة أجنية وخلق مجتمعات موازية

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2226)

“لا للمدارس التركية في ألمانيا” قالتها السيدة انجيلا ميركل رداً على طلب السيد أردوغان افتتاح مدارس تركية للجالية التركية في ألمانيا. وحجة السيدة ميركل أن وجود هذه المدارس يعيق اندماج (اقرأ تذويب) الجالية التركية في ألمانيا مع العلم أن المانيا تملك مدارس ألمانية في تركيا. وللتوضيح فإن المدارس الألمانية في تركيا تستقطب المواطنين الأتراك في حين أن المدارس التركية المقترحة في ألمانيا هي فقط للمهاجرين الأتراك، ولن تستقطب ألماناً. وزاد السيد فولفغانغ بوسباخ، خبير الشئون الداخلية بالحزب المسيحي الديمقراطي، على تصريحات ميركل بالقول إن وجود هذه المدارس يخلق مجتمعات موازية في ألمانيا. ومن يعش في ألمانيا عليه أن يتعلم بالألمانية.

من يعش في ألمانيا عليه أن يتعلم بالألمانية. لكن ما حال من يعش في البلاد العربية ؟

منذ ما قبل منتصف القرن التاسع عشر بقليل بدأت مدارس الارساليات الغربية والتبشيرية تنتشر في المشرق العربي بالتضاد والتنافس مع النظام التعليمي التقليدي المتمثل بالكتاب والجامعات الدينية العريقة مثل الأزهر والزيتونة والنجف. وخلال القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين افتُتحت الآلاف المؤلفة من المدارس الفرنسية والايطالية والانكليزية والأمريكية وكل منها تعلم بلغتها وتنشر ثقافتها وبكافة مستويات التعليم من الحضانة إلى الجامعي وما بينهما، وقد تخرج من هذه المدارس أجيال من المتعلمين في مختلف الاختصاصات الطبية والهندسية واللغوية والفلسفية وكلهم تعلموا بغير لغتهم الأم وتثقفوا بغير ثقافتها. ثم شكلوا كوادر الدولة العليا سواء في نهاية الدولة العثمانية أم في عهد الدول الوطنية بعد الاستقلال عن الدولة العثمانية. فإذا طبقنا تصريحات السيدة ميركل وخبير حزبها عن أضرار الدراسة بلغة غير لغة البلد وعن نشوء مجتمعات موازية بسبب ذلك. تكون النخب المتعلمة عندنا منذ منتصف القرن التاسع عشر عبارة عن مجتمع موازي داخل المجتمع المحلي، وعندها نفهم سبب الاصرار الغربي على الاجتياح الثقافي عبر إنشاء المدارس توطئة للاجتياح العسكري اللاحق.

قبل أن يبدا الغزو العسكري بعقود بدأ الغزو الثقافي على شكل: مبشر، وطبيب مداو للآلام، ومدرسة. فعلى سبيل المثال بدأ الاجتياح العسكري الأمريكي الحالي للمشرق العربي بشكله الثقافي منذ منتصف القرن التاسع عشر بواسطة الارسالية الأمريكية، التي استخدمت كافة الوسائل بدءاً من التعليم و حتى الصحافة والكتب والجمعيات، مروراً بأعمال التطبيب والأعمال الإجتماعية الأخرى. فأنشاوا عبر الغزو الثقافي مجتمعات كاملة، وأنشأوا طوائف دينية لم تكن موجودة، ونسجوا تحالفات استراتيجية مع طوائف صاعدة أو أصعدوها هم. وسلبوا المجتمعات نخبها المتعلمة الواعدة.

بلغ عدد مدارس الإرسالية الأمريكية في المشرق العربي عام 1846 – 1847م 528 مدرسة. وكانوا يركزون على التعليم الابتدائي في البداية لأنه يزيد من علاقاتهم المحلية وارتباطهم بأهالي الأطفال الصغار، وهو ما يساعدهم في عملهم التبشيري، كما أنه يتيح لهم غرس العديد من أفكارهم الدينية في أذهان هؤلاء الأطفال، فهم أشبه بتربة خصبة صالحة لتلقي كل ما يلقى إليها على ما يذهب إليه مؤلف كتاب “التنصير الأمريكي في بلاد الشام – مكتبة مدبولي”. ويتابع المؤلف القول:

“كما اهتمت الإرسالية بتعليم البنات والسبب هو دور المرأة في بث الأفكار في أطفالها وزوجها. وقد عملت مدارس الإرسالية الأمريكية على نشر الكتب التعليمية باللغة العربية بالتعاون مع المؤلفين العرب المرتبطين بها أمثال بطرس البستاني وناصيف اليازجي، وهما اسمان سيترددان كثيراً في الكتاب كأهم من قاموا بالتعاون مع المدارس التبشيرية الأمريكية”.

بدأ التعليم الأمريكي باللغة العربية من أجل مراعاة الشعور القومي و لتحقيق أهداف سياسية لا تخفى على أحد في دولة يحكمها العنصر التركي. لكن بعد أن حققت المدارس أهدافها و ثبتت مواقعها تحول التعليم إلى اللغة الإنكليزية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. ويلاحظ مؤلف الكتاب أن التعليم وإن اكتسى صبغة علمانية حديثة إلا أنه ظل مرتبطاً بالتعليم الديني وخاصة تدريس تعاليم التوراة بغض النظر عن ديانة الطالب وما تتضمنه من التركيز على التاريخ العبراني لفلسطين!

بعد ذلك انتقل التعليم الأمريكي إلى مرحلة جديدة وهي إنشاء المدارس العليا والكليات الجامعية. فأُنشأت المدرسة العليا الأمريكية للبنات في بيروت عام 1834 م ونظام التعليم فيها أيضاً كان ديني ومدني.

وهناك المدرسة العليا للبنين في بيروت وأنشأت أواخر عام 1835م. ومدرسة عبية في جبل لبنان. ومدرسة طرابلس للبنات. ومدارس صيدا العليا الأمريكية ومدرسة الفنون الأمريكية. وأهم من كل ذلك الكلية الإنجيلية السورية التي تحولت فيما بعد إلى الجامعة الأمريكية.(لمزيد من المعلومات يمكنك مراجعة كتاب التنصير الأمريكي في بلاد الشام – “1834 – 1914).

ما ذكرناه عن الدور الأمريكي مجرد عينة، فالدور الفرنسي في هذه المجال وكذلك الانكليزي لا يقل بل يزيد. وإذا طبقنا معايير المسؤولين الألمان في رفضهم لوجود مدارس تركية في ألمانية الا يحق لنا أن نتساءل. كم يوجد بين ظهرانيينا مجتمعات موازية: أمريكية واخرى فرنسية وثالثة انكليزية!

لقد ساهم تعميم نظام تعليم غريب بلغة غريبة وثقافة غريبة بواسطة مدارس الارساليات التبشيرية. ساهم بخلق مجتمعات نخبوية مثقفة موازية لمجتمعها لا تتقاطع معه مع أنها تدعي الحديث باسمه. فهذا المجتمع النخبوي الموازي، بحسب التعابير الألمانية، فقد ارتباطه بمجتمعه وتراوحت مصائر أفراده بين قطبين: بعضهم انتهى إلى العمالة الصريحة للغرب، وبعضهم كانوا مخلصين حاولوا النهوض بمجتمعهم الأصلي لكن محاولات هؤلاء كانت معطوبة فمنيت بالفشل بسبب الحاجز الفكري والنفسي بينهم وبين أفراد المجتمع، وهذا الحاجز نشأ في أذهانهم بسبب تعلمهم بلغة غير لغتهم الأم في مدارس غريبة.