بين المثقف والسياسي!

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2226)

علاقة ملتبسة ومتجذرة التقلب، ومطاطة وكثيرة المطبات، وهي لم ترسي على بر بالرغم من انها تبدو احيانا وكانها حسمت لصالح التبعية شبه الكلية للسياسي من قبل المثقف. في المجتمعات التي عبرت ازمة التشكل الحداثي ونقصد بها المجتمعات الراسمالية المتطورة لا نلمس مشكلة كارثية من هذا النوع وبهذا الحجم الخطير الذي تؤدي امتداداتها الى سيادة العقل الدائر حول نفسه، بمعنى ان العلاقة غير السوية بين المثقف والسياسي في المجتمعات مشوهة النمو كمجتمعاتنا ذات صلة وثيقة في طبيعة التركيبة الاقتصادية الاجتماعية السائدة وبالتالي في البنية الثقافية والسياسية التي تفرزها والتي وبكل الاحوال هي غير مقطوعة عن ما يميز تاريخيتها وروحها وادب هذه الروح وبحسب اشكال المعاش التي عاشتها والتي كبت ما في داخلها بحاضرها.

ميكافيللي (1469 ـ 1527) في كتابه “الامير” يؤطر مرحلة انفصال السياسي عن ايديولوجيا الكنيسة وما في جعبتها من تعاليم اخلاقية، لتستجيب الى التزاوج الجديد بينها وبين الليبرالية الجنينية كأفق لا بد منه للموائمة بين التراكم والتحول الذي لا يطيق الحدود والقيود على تطلعاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية. ميكافيللي يقدم للسياسي الجديد برنامجا عاريا من اي غلاف وهمي قد يخلق لبسا عنده وهو الغر الذي لم تعركه بعد ساحات الصراعات الجديدة، ان يكون متربصا بالاحداث وحاسما في خداع المتربصين به محنكا ومقتنصا للفرص لما يجعله حارسا عاما على مصلحة السوق القومية التي لا تعلو عليها مصلحة ولا اخلاقيات لها غير اخلاقيات آلياته انها هي الايديولوجيا العليا، ولو ادعت الضررورة الى تقديس التحالف مع الشيطان ضد الله ليؤمن هو الاخر بالسوق الحرة في مملكته فانه سيتحالف معه، فاللضرورة احكام من الاسلم التسليم لها، والضرورات تبيح المحضورات ـ حق القوة، واللعب على الخط الرفيع بين الحب والخوف، خداع القوة وقوة الخداع، الغاية تبرر الوسيلة ـ!

فريدريك نيتشة (1844) يرسم ملامح الانسان النموذجي الانسان الراقي، انسان القمة، وربما الانسان المثقف المتوحد بالسياسي، الانسان القوي، الانسان السوبر، لان الانسان العادي في نظره هو الذي ينساق وراء القطيع، اما الذي يتمرد مؤمنا بنفسه وتميزه وارادته فهو وحده قادر على تحقيق ما تعجز عنه الجموع القطيعية. ربما اراد نيتشة ان يجد حلا مناسبا لتوحد السياسي بالمثقف، لانه في كتابه “هكذا تكلم زرادشت” يجعل من الانسان الفرد صانعا للحدث وليس منتظرا له وحتى يكون كذلك لابد له من ان يكون شمولي الموهبة وعميق في علوم المعارف الحاسمة. فهو لا يخشى المخاطر بل يخلقها بحثا عن المجهول ليخترقه، انه يعتبر دور الفرد حاسما في صنع التاريخ اذا كان هذا الفرد بمواصفات متجاوزة لقدرات العاديين. فالحروب محاولات في هذا الاتجاه خاصة تلك الحروب التي يشعلها الابطال ويسيرون بها من نصر الى نصر ليغيرون بها وجه التاريخ وعليه كان عنده نابليون نموذج نموذجي بحروبه وارادته التي لا تعجز وهو يعتبرها خيرة لانها تصاهر البطولة كلها عندما تتجسد بفرد واحد!

غرامشى (1891 ـ 1931) في كتابه “الامير الجديد” والذي اراده نسخا لامير ميكافيللي القديم، مواطنه الذي كان يعيش عصر الارهاصات الاولى للدولة القومية، يطرح قراءة للسياسة والثقافة لما بعد الدولة القومية قراءة جديدة على ضوء الفكر الجدلي وتحديدا الماركسي. فالدولة عنده مجتمع سياسي ومجتمع مدني واذا كان السياسي اميرا في مجتمعه السياسي فان المثقف اميرا للمجتمع المدني. وبما ان المجتمع المدني اكثر قدرة على التاثير في رديفه السياسي بل هو قادر على شله وفي حالات الصفاء يكون السياسي اسيرا له فان المثقف العضوي ومن خلال صيرورة الكتلة التاريخية التي تجمع كل الفاعلين في نظام الانتاج الاجتماعي المادي والروحي المهيمن نحو التغيير الذي يناسب المشكلات النوعية التي تنتجها الدولة الراسمالية في مراحلها العليا هو صاحب المبادرة طويلة النفس لانها اكثر بقاءا وتاثيرا وهنا يكون البناء الفوقي حاسما في ازاحة انسدادات التطور وفتح افاق جديدة قد ينتج عنها بناءا تحتيا جديدا. وهذا بحد ذاته تجاوز للاليات العلاقة التقليدية بين البناء الفوقي والتحتي، انه استقراء لدور جديد تفرزه ملامح انقسام الدولة في مراحلها المتطورة الى دولة سياسية ودولة مدنية تتخادم وتتلاحم عبر مغذيات الحبل السري الكامن في شكل القاعدة الاقتصادية الاجتماعية بالغة الذروة في التعقيد ما بعد الحداثي وموفرة ما يعينها على التبسيط وسهولة التحول نتيجة الوفرة الهائلة في الادوات المعرفية وسهولة التنظيم المدني الذي توفره الثورة الهائلة في عالم الاتصالات والمعلومات وثقلها المنصب في قوة المجتمع المدني على حساب السياسي.

في الوقت الذي تسيرفيه اشكالية المثقف والسياسي الى الحل في البلدان المتطورة بواسطة تعاظم قاعدة المجتمع المدني فيها، ما زالت مجتمعاتنا تعاني من تفاقم الاشكالية بحكم غياب شبه كامل لمقومات المجتمع المدني التي لا تنمو الا اذا تنازلت السلطة السياسية مجبرة على الكثير من وظائفها واستبدادها الطفولي وفلسفة وجودها لصالح المجتمع المدني والذي بدوره يجب ان يكون مستعدا لانتزاع ما امكنه من نفوذها وصلاحياتها وهنا يبرز دور المثقف الحقيقي وكل في مجاله .

الدولة الامبريالية تراهن على مثقفي البلدان النائمة ليكونوا عونها للتغلغل في بلدانهم. فالحرب لا يحسمها البارود ما دامت تريدها حرباً طويلة وعن بعد لاخضاع الارواح قبل الاجساد، فمن خلال التغلغل الناعم في نواتات المجتمع المدني وتبعية المجتمعات السياسية المحسومة اصلا لها تحكم قبضتها محولة المثقف الى دمية لا ترقص الا على طبلها!

كان المتنبي قد اشر وبوضوح قل نظيره على طريق الند مع السياسي بل وجد ان المثقف الحر وحده من يليق به تتويج او تزكية او ازاحة السياسي. فكان يمدح ذاته في مستهل اي قصيدة مخصصة لمدح سياسي ما. وكانت حكايته مع خداع كافور الاخشيدي له خير مثال فالمتنبي مدحه واوفى بوعده لكن كافور نكث وعده ولم يسلمه ما كان متفقا عليه، والنتيجة ان ذم المتنبي لكافور هو الباقي اما المديح فقد زال بزوال سببه وخسر كافور ما اخذه وخرج ذميما ابد الدهر. زمن المتنبي لم يكن البداية الاولى لهذه الندية فلا نغالي اذا قلنا منذ ان قامت دويلات المدن وحتى الان اشكالية العلاقة كانت اما مع او ضد وفي حالة الضد اما السجن او الهجرة، اما المنزلة بين المنزلتين فهي على كثرتها لكنها نوع من المساومة ربما المشروعة احيانا لكنها تبقى مقبرة حية لاصحابها. المشكلة الكبرى عندما تتشابك ملاحقات سياسي الداخل المحلي مع سياسي الخارج الاقليمي والدولي للمثقف الفاعل او العضوي عندها يشتد الخناق وتمتحن درجات المقاومة عند المثقفين وبحسب صلادة منطلقاتهم. خضع الكثير منهم وتحولوا الى وعاظ للسلاطين او تجار ثقافة ـ ثقافة البزنز ـ يبيعون ويشترون اما حصرا مع السياسي المحلي او السياسي الاقليمي او الدولي او مع الجميع وفي وقت واحد كما هو حاصل اليوم مع مثقفي الاحتلال في العراق مثقفي الطائفية السياسية والعرقية ومثقفي اليسار الانتهازي المتهافت الذي ارتضى لنفسه ان يكون ذيليا وعبدا لما يكسبه من غنائم الحرب او فتاتها على ان يكون طليعيا بما يجب ان يدفعه من ضرائب نضالية وتضحيات في التصدي لطوفان الفساد المدمر الذي يلف البلاد والعباد والذي قادته ابشع امبريالية عرفها التاريخ!

على ايقاعات طبول السياسي الامبريالي والاقليمي التابع والمحلي المصاب بالانفصام ـ اسد على ابناء جلدته وارنب امام السياسيين الاقوياء والكبار في الاقليم والعالم ـ يرقص مثقفو الثلاث ورقات، يرقص تجار الثقافة وادعيائها رقصة موتهم على ابوابها، لانها اي الثقافة في جوهرها معرفة حرة وموهبة انسانية لا يمكن ان تتفتق كامل طاقتها الا في طقس انساني، انها عملية اكتشاف نوعي للمعرفة الحرة وتكييفها جماليا وتعقيمها من القبح الذي ينتشر كالجدري الذي يصيب البصر، انه تزييف وتحريف وبيع وشراء ليس بالمثقف فقط وانما بالمعرفة ايضا وبالتالي بالثقافة كلها، وعندها يكون المثقف دعي وربما مقلد ناجح ومثير كما هي القرود في رقصاتها!

هامش تطبيقي :

اليست المواقف المتناقضة والمتضاربة لبعض مثقفي مصر وكتابها من شخص محمد البرادعي قبل وبعد ترشحه لمنصب الرئاسة مثيرة للسخرية والشفقة وكانها تعتذر لولي نعمتها وابنه لانها كانت قد قيمته ايجابا قبل ترشحه لرئاسة الجمهورية، اليست هي نوع رديء من رقصة القرود ـ المثقفة ـ على حس طبل السياسي صاحب الكرامات والامر والنهي؟؟