قيرغيزستان: “ثورة الزنبق” الموالية لاميركا تسقط ايضا

جورج حداد*

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2227)

هب الشعب في قيرغيزستان في انتفاضة ضد جشع الحكام في نهب الثروات الوطنية، ضد الفساد وخرق حقوق الانسان.

في هذا البلد الصغير وشديد التخلف، وغير المعروف من العالم الاوسع، والذي كان حتى الامس القريب جزءا من الاتحاد السوفياتي السابق، وكان يسمى قيرغيزيا وهو يسمى اليوم قيرغيزستان، وقعت احداث مقلقة سرعان ما تحولت الى اصطدامات دموية بين السلطة وجماهير المعارضة. ونقلت مختلف وسائل الاعلام في العالم صورا ومعلومات تشير الى بداية حرب اهلية حقيقية. وصار تسلسل الاحداث معروفا على نطاق واسع. ومع ذلك علينا ان نعيد تسجيل عدد من الاحداث الاولى المثيرة، التي تصور بوضوح ماذا حدث في قيرغيزستان:

7 نيسان: تحولت المظاهرات الاحتجاجية للمعارضة الى اعمال شغب واعمالل نهب عامة. غادر رئيس جمهورية “ثورة الزنبق” قرمانبيك باقييف العاصمة بيشكيك. شكلت المعارضة حكومة مؤقتة. اعلنت السلطة الجديدة حل البرلمان، وانها تتولى مهمات رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء معا. ظل الرئيس باقييف يعتبر نفسه رأس الدولة واعلن استعداده لاجراء محادثات مع الحكومة الجديدة. وتولت زعيمة المعارضة روزا اوتونباييفا رئاسة الحكومة المؤقتة. واجرى فلاديمير بوتين وباراك اوباما محادثات مع اوتونباييفا، معترفين واقعيا بشرعية حكومتها.

9 نيسان: اعادت الحكومة النظام الى البلاد. واعلنت المعارضة عن اصرارها على اجراء محاكمة للمسؤولين عن اراقة الدماء. واقترحت اوتونباييفا على باقييف ان يغادر البلاد بسلام.

ولكن باقييف تشبث بالبقاء في جلال اباد حيث بدأ بتجميع انصاره.

وبالطبع وردت اول ردة فعل مناسبة من موسكو. حيث نشرت السكرتيرة الصحفية للرئيس الروسي ناتاليا تيماكوفا التصريح التالي: “ان الرئيس يعتبر ان اهم شيء في مثل هذا الوضع هو ان لا يسمح بوقوع ضحايا بشرية جديدة، وان يستعاد الوضع الطبيعي لادارة الدولة. ان ما يجري هو شأن داخلي لقيرغيزستان، ولكن المنحى الذي اتخذه التعبير عن الاحتجاج يدل على الغضب الشديد ضد السلطة القائمة والادارة”. وحسب اقوال تيماكوفا، فإن دميتريي ميدفيدييف يعتبر قيرغيزيا شريكا ستراتيجيا لروسيا وقد اعلن “اننا سنتابع باهتمام خاص كيف سيتطور الوضع في البلاد”.

مباشرة بعد تشكيل “الحكومة الموقتة للثقة الوطنية” برئاسة وزيرة الخارجية السابقة روزا اوتونباييفا اعلنت ان فريقها ينوي، في غضون نصف عام، ان يجري تعديلات دستورية، تتضمن مبدأ تحويل قيرغيزستان الى جمهورية برلمانية.

اذا اجرينا تحليلا متأنيا للفترة التي سبقت الاحداث المأساوية الاخيرة في بيشكيك فسنجد اننا نضع يدنا على فشل جديد للثورات الملونة: “البرتقالية” في اوكرانيا، و”ثورة الوردة” في جورجيا، اللتين تحولتا الى ما يشبه الكارثة الطبيعية في كلا الدولتين. ولنتذكر هنا انه في سنة 2005، وقعت بدورها “ثورة الزنبق” في قيرغيزستان، وفي سيناريو مشابه استولت على السلطة باسم الاصلاحات الدمقراطية، التي كان يفترض ان تخرج البلاد من الجمود السياسي وبالاخص الاقتصادي. وباسم الدمقراطية ظهرت آفاق كاذبة، انما سرابية، لمستقبل مشرق ورغيد، نام ومزدهر. وكانت احداث 2005 تمثل انتفاضة عشائر الجنوب ضد عشائر الشمال، التي كان يرتبط بها أكاييف (الرئيس الاسبق عسكر اكاييفيتش اكايف، آخر رئيس سوفياتي لقيرغزستان، شغل منصب الرئاسة من سنة 1990 حتى قامت “ثورة الزنبق” ضده في 2005. وهو عالم بصريات والكترونيات مشهور، عضو في اكاديمية العلوم الروسية، وعضو عامل في اكاديمية العلوم النيويوركية). والان تبدو الصورة كانعكاس في مرآة، حيث الشمال يتجه ضد الجنوب الذي ينتمي اليه باقييف. ولكن هذا التصوير البسيط للامور بالرغم من كل مزاياه لا يعبر تماما عن الواقع. لان باقييف اصبح رئيسا بوصفه عضوا في الكتلة القوية المعادية لأكايف، وهي التي جاءت به الى السلطة. وبدون ان يكون قائد المعارضة المعترف به من الجميع، شغل منصب رئاسة الجمهورية، بوصفه الممثل الاكثر نفوذا للجهة المنتصرة (وكان قد شغل منصب رئيس الوزراء لفترة وجيزة في عهد أكايف) وبوصفه “رجل الجنوب”، وكان يلح ان يزاح عن مركز الرئاسة “رجل الشمال” الذي لم يبارح المنصب الاعلى في الدولة منذ اكثر من عشر سنوات.

ولكنه لم تمض فترة وجيزة حتى انهارت الكتلة الداعمة لباقييف، والسبب الاساسي لانهيارها هو طموحه لان يفرض سيطرة شخصية كاملة على الوضع في البلاد. ومنذ الاشهر الاولى لانتصار “ثورة الزنبق” صار واضحا ان الازدهار السهل ليس في الحقيقة سوى امتياز لمجموعة فقط من السياسيين والانتهازيين الذين استطاعوا الوصول الى المواقع الرئيسية لادارة اقتصاد البلاد، والذين بدأوا بثبات وبشكل لا رجعة فيه بالاستحواز على الثروة الوطنية التي تمت مراكمتها في العقود الماضية. وهذا ما اثار فورا اهتمام دعاة الدمقرطية خلف المحيط، الذين يطمحون بشكل سافر الى الحصول على مواقع ستراتيجية في الاقليم. ان العديد من المراقبين الدوليين لاحظوا بشكل صائب ان الاحداث في قيرغيزستان تذكر مرة اخرى ان السياسة الخارجية للولايات المتحدة الاميركية، بالاقوال، لا بالافعال، ترتبط بشدة بموضوعة حقوق الانسان، مما يساعد على استثارة انفجارات اجتماعية في مختلف انحاء الكوكب. وحسب اقوال جوزف هاف ـ هينون، وهو معلق سياسي في “الغارديان” البريطانية، فإن واشنطن تفضل الا ترى المصالح النهبية لمالكي السلطة، وقتل الصحفيين والنشطاء المعارضين، والفساد المنتشر في كل طبقات السلطة. وهو قد توصل الى الاستنتاج انه على وجه التحديد في قيرغيزستان، فإن اللوحة المعروفة تتكرر: فإن شعب البلد الذي يقع حرفيا على مفترق الطرق لمجهودات الولايات المتحدة لاجل “دمقرطة” افغانستان المجاروة، ينتفض ويسقط الحكومة التي كانت تراهن بشدة على المساعدات الاميركية والعقود الاقتصادية الخارجية والتي تحولت بجوهرها الى حكومة معادية للدمقراطية. وفي الوقت نفسه يبقى لغز عدم المبالاة الذي ابدته واشنطن حيال التوتر المتنامي في قيرغيزستان، الذي هو على الاقل لاأخلاقي ولادمقراطي، نظرا الى دور قيرغيزستان كعقدة مواصلات في تزويد الجيوش الاميركية في افغانستان. والحرب هناك ، كما نعلم، هي حرب دموية، بالمقاييس المعاصرة المعروفة، وهي حرب لن تنتهي في وقت قريب.

ومن الممكن ان نقول ان الرئيس الاسبق عسكر أكايف قد وصف الوضع ادق وصف. والجميع يعترف بأنه ذو ميول دمقراطية، وخلال سنوات حكمه فهو لم يبدل موقفه حيال الارتباط التقليدي طويل الامد لشعب قيرغيزستان بروسيا والشعب والثقافة الروسيين. وفي هذا الصدد فإنه لمعبر تماما الشعار الذي رفعه اكايف في السنوات التي كان فيها الروس وكذلك شعوب المنطقة بعد السوفياتية، يعانون الصعوبات الاستثنائية لتكوين مجتمع جديد. وهذا الشعار هو “ان روسيا هي معطاة لنا من الله والتاريخ”.

ويعلق الرئيس الاسبق أكايف قائلا “بالواقع لا يوجد بديل لقيرغيزستان، فهذا هو الطريق الوحيد للتطور الناجح. وما جرى هو احتجاج من قبل الشعب على التقارب مع اميركا… انا اعتقد انه في انتفاضة نيسان هذه فإن فضل قادة المعارضة ليس كبيرا. ان باقييف لم يقم فقط عمليا بخنق وسائل الاعلام العامة. وهو قد قام بنجاح بتنظيف المدى السياسي. لماذا انهار صبر الشعب؟ لانه طوال هذه السنوات فإن باقييف ومجموعته كانوا مشغولين بتدعيم سلطتهم الشخصية، وبخصخصة وتقاسم الملكية في الجمهورية. لقد وصل الاقتصاد الى الكارثة… وكل ذلك كان يمكن ان يحدث في سنة 2009، ولكن روسيا انقذت الوضع حينذاك. وكلنا يذكر المساعدة السخية التي قدمتها روسيا والتي بلغت نصف مليار دولار، بالاضافة الى القرض بلا فائدة بقيمة 300 مليون دولار وشطب دين بقيمة 200 مليون دولار”.

ويذكر انه في السنة الماضية جرت انتخابات رئاسية في قيرغيزستان. وحسب تقدير العديد من المراقبين من الموظفين الكبار في مختلف المؤسسات الدولية، والسياسيين، والصحفيين، فإن المساعدة الروسية هي التي ساعدت باقييف على الفوز بمركز الرئاسة من جديد. وحسب رأي أكايف فإن قسما من المبالغ المذكورة اعلاه قام باقييف باستخدامه مباشرة في حملته الانتخابية، وقسم صغير جدا نسبيا جرى حقنه في شرايين اقتصاد البلاد. وقدم اكايف مثالا معبرا جدا، يتعلق بوسائل ادارة الاقتصاد. “الان اصبح واضحا ان الذين كانوا يديرون الاقتصاد هم مجموعة من السفلة الدوليين امثال يفغينيي غوريفيتش، الذي يبحث عنه القضاء الايطالي في كل انحاء العالم. لقد وصل الشعب الى البؤس. ولم يكن بمقدوره احتمال زيادة الضرائب والرسوم عدة اضعاف في 1 كانون الثاني 2010. ان الضرائب والرسوم تزيد الان 3 ـ 4 اضعاف المعدل الوسطي للاجور. ان الشعب الذي وصل الى حد اليأس، قد انتفض لوحده، لان جميع قادة المعارضة كانوا قيد الاعتقال…”.

ان وسائل الاعلام العام الاجنبية، في متابعتها للاحداث الاخيرة في قيرغيزستان، عبرت عن فرضية تقول، انه من المرجح ان تنظيم انقلاب الدولة في قيرغيزستان لم يتم بدون تدخل روسيا. وحسب رأي “الغارديان” البريطانية، فإن روسيا هي ذات مصلحة في استعادة نفوذها في هذه البلاد، وليس في ان تزاحم مصالح الصين او الولايات المتحدة الاميركية، في مسائل كمسائل السيطرة على الاحتياطات وممرات الترانزيت الطاقية الستراتيجية. وعلى هذا النمط يفكر عدد غير قليل من ممثلي المعارضة. ولكن ما يوحدهم في نهاية المطاف، يدفعهم موضوعيا لان يتطلعوا من جديد نحو روسيا.

كيف ستتطور العمليات السياسية في قيرغيزستان، واي طريق للتطور ستنتهج البلاد، هذا ما ستدل عليه الانتخابات المرجح اجراؤها. والتي من المتوقع ان يتم بواسطتها التغلب على الانقسام العشائري في البلاد، وكذلك على السلبيات الاقتصاددية والاجتماعية، المتراكمة في السنوات الاخيرة.

هذا ونقلت وكالة ريا نوفوستي يوم امس تصريحا للرئيس الروسي دميتريي ميدفيدييف، الذي يقوم بزيارة الى البرازيل، قال فيه ان روسيا مستعدة لان تساعد قيرغيزستان، ولكنه حذر من ان المشاريع الكبرى يمكن تحقيقها، فقط اذا نفذت السلطات الجديدة المهمات الموضوعة امامها. ولم يستبعد ميدفيدييف ان السيناريو القيرغيزي يمكن تكراره في بلدان اخرى، اذا كانت السلطات تنتهج السياسة ذاتها لقرمانبيك باقييف.

:::::

* كاتب لبناني مستقل