استراتيجية التهويل النووي… هل تنجح؟

بقلم امين محمد حطيط

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2228)

منذ العام 1990 واثر انحلال الاتحاد السوفياتي تحاول اميركا امتلاك قرار العالم واقامة امبراطوريتها الكونية، مستفيدة من تلاشي الخصم الفعلي، وعدم جهوزية القوى العالمية الاخرى للمواجهة بما يعطل الطموح أو يفسده. ولأن القوة هي الطريق الاسرع لتحقيق الاهداف، خاصة في ظل انعدام التوازن بين المبادر ومن يخشى مواجهته للخطة، فقد اعتمدت اميركا “استراتيجية القوة الصلبة ” hard power” التي ترجمتها حروباً بدأتها في الخليج بانتصار سمّي “تحرير الكويت” وأدى الى وجود عسكري مباشر في المنطقة بشكل استراتيجي وميداني فاعل. ثم كانت “حملة افغانستان” التي تكررت فيها مقولة “التحالف الدولي” والمجتمع الدولي العامل بالقيادة الاميركية لمحاربة الارهاب، وانتقلت بعدها بسنتين الى العراق لتطوق ايران بعد اكمال الانتشار في الخليج وتحويله بحيرة اميركية اوغربية بقيادة اميركية.

لكن الذي فاجأ اميركا هو ردة الفعل التي واجهتها في الدول المستهدفة، حيث برزت مقاومات لم تكن في الحساب الاميركي موجودة او قادرة على وقف الاجتياح، وكانت المفاجأة الاكبر ماثلة في سلوك الدول “المارقة” التي ادرجت على لائحة الاخضاع والاستهداف المستقبلي وتطويعها لاقتلاع العقبات المتبقية في طريق المشروع الغربي. وفي محاولة استنفدت خمس سنوات من العمل (الى العام 2008) تبين لاميركا ان قطار احلامها اصطدم بالجدران المقفلة وان قيادتها تواجه حائطاً مسدوداً يتمثل بصلابة المواجهة ورفض الاستسلام والخضوع. وكان على اميركا ان تبحث عن مخرج، وجاء الحل بتغيير في استراتيجية العمل. وكان الموقف الجديد في اعتماد استراتيجية “القوة الناعمة الخشنة”. ومن المفيد ان نذكر بأن اميركا ارست استراتيجيتها الجديدة على مراحل خمس، تبدأ بانتاج بيئة الاسترخاء لدى الخصم بكسب ثقته، ثم العمل على افراغ يد الخصم من اوراق قوته المباشرة وغير المباشرة (قوة عسكرية، وحدة وطنية، تحالفات اقليمية) تترافق مع اعادة تجهيز القوى الذاتية وتمتين التحالفات مع اميركا ولمصلحتها، يليها الدعوة للحوار لكسب الوقت او لاملاء الشروط، فاذا حانت الفرصة الملائمة، تنقض اميركا عليه لتعالج رفضه بالحد الأدنى من القوى واحتمال اقل حد من الخسائر، ضمن الوقت الاقصر من العمل.

وبالفعل، فقد نفذت اميركا استراتيجتها تلك وفقاً لما رسم بالحاسوب الاميركي، دونما اعتبار لطبيعة الخصم وخصائصه العقائدية، فاتى اوباما الى مصر حيث الازهر يتكلم بلغة اسلامية يدغدغ بها مشاعر المسلمين وليقول لهم: “ان اصلي معكم فلا تخشوا واسترخوا”. واستغلت انتخابات ايران لزعزعة الوحدة الوطنية وتشويه صورة النظام الاسلامي مترافقة مع عمليات ارهابية نفذتها مجموعات تعمل مباشرة بإمرة وتوجيه “الموساد” و”السي آي إي” وحمايتهما، كما كانت محاولات لاغراء سوريا بفك تحالفها الاستراتيجي مع ايران، صاحبتها مناورات حوار مخادعة دعيت اليها ايران من اجل تجريدها من امكان امتلاك التقنية النووية السلمية.

وهنا خذلت اميركا مرة جديدة، حيث تبين ان محاولات الدفع نحو الاسترخاء وافراغ يد الخصم من اوراق قوته، او وقوعه في شراك الخداع كلها لم تنفع ولم تنتج البيئة الملائمة لتنفيذ المرحلة الاخيرة من مراحل “استراتيجية القوة الناعمة الذكية”، اي الانقضاض السريع على الخصم وتحقيق الاهداف لديه بالمهلة الاقصر والجهد الادنى والخسائر الاقل. وانكشف المشهد مع بداية 2010 على صورة تبدو فيها قوى المواجهة، والتي تقع ايران في محورها واساسها، في موقع اقوى مما كانت عليه قبل سنتين، ميدانياً واستراتيجياً. موقع يقطع ببساطة كلية الشك بيقين القول بأن القوة الذكية التي كان يعول عليها لتحقيق الاهداف وبالوجه التقليدي باتت عاجزة عن انجاز المطلوب، حيث ان الحرب التقليدية التي تعتمد منظومة النار والحصار والعزل والعقوبات الاقتصادية، باتت دون المفاعيل التي تبلغ الاهداف الاميركية باخضاع ايران والحاقها بالمشروع او الغاء مفاعيل رفضها له او تعطيله.

ولأن المنطق في المواجهة يقوم على قاعدة تقول: ان فشل الخطة مع الاحتفاظ بالقوة الأساس يفرض تغيير الاستراتيجية اذا شاء ممتلك القوة الاستمرار في السعي لتحقيق اهدافه، فان اميركا التي تملك من الطاقات العسكرية والاقتصادية الكثير الذي يمكن اللجوء اليه في السعي لتأمين الاهداف الاستراتيجية الكبرى لها في العالم، لجأت الى السلاح الذي لا تملكه ايران، والذي تتصور بأن مجرد التلويح باستعماله سيلقي الرعب في النفس الايرانية فتخضع وتستجيب من غير ان يكون لديها فرص الاختيار والمواجهة… هددت اميركا باللجوء الى السلاح النووي مطلقة التهديد في سياق ما سمّته الاستراتيجية النووية لاوباما والتي تقوم على اركان ثلاثة:

– خفض مخزون السلاح النووي المتوافر لديها مقابل السعي لخفض المخزون من الرؤوس النووية والمنشور منها لدى روسيا، في رسالة توجهها للعالم بانها جادة في السعي الى عالم خالٍ من السلاح النووي.

– الالتزام بعدم استعمال السلاح النووي المتبقي لديها في معرض الهجوم ضد اي دولة في عالم، وبقي الاستعمال دفاعياً، بمعنى ان الدول المالكة للسلاح النووي لن تكون عرضة لهجوم الا اذا استعملت هي سلاحها النووي ضد اميركا، اما الدول الاخرى فإنها لن تهاجم بأسلحة نووية مطلقاً لانها لا تشكل تهديدا نوويا لاميركا.

ـ الاحتفاظ “بحق” اميركا باللجوء الى السلاح النووي لمهاجمة كل من ايران وكوريا الشمالية، بشكل استثنائي لارغامهما على الاستجابة لمطالب اميركا في موضوع السعي لامتلاك التقنية النووية.

وقد رمت اميركا من اطلاق هذه الاستراتيجية معالجة اخفاقات الاستراتيجيات السابقة، وتحقيق الاهداف التالية:

ـ الاحتفاظ بالتهديد النووي ضد ايران، مع التلويح الجدي باستعماله بشكل استثنائي بعد طمأنة دول العالم غير النووية الى مصيرها واستبعاد اي خطر نووي يتهددها لمنعها من الوقوف مع ايران في مواجهة مثل هذا التهديد.

ـ الحؤول دون سعي اي دولة في العالم لامتلاك التقنية النووية الا بالاشراف المباشر او غير المباشر لأميركا والا عرضت نفسها لمصير مماثل لمصير ايران: الخطر النووي. ـ تحقيق تفوق استراتيجي نووي على روسيا من خلال التعادل في امتلاك الرؤوس النووية المخزونة، دون المس بالرؤوس المنشورة اميركيا ودون التعرض للدرع الصاروخية التي تعتزم اقامتها في اوروبا الشرقية وفي البحر المتوسط او في اي مكان آخر…

وفي معرض التنفيذ السريع لهذه الاستراتيجية، وقّعت اميركا معاهدة “ستارت 2” التي سيكون لكل من البلدين بمقتضاها ان ينزل بمخزونه النووي الى 1500 رأس. وقد قبلت روسيا بالتوقيع دون ان تثير جديا مسألة الدرع الصاروخية الاميركية المخططة لتعطيل قدرات روسيا الصاروخية ضد الغرب، قبلت بذلك مرغمة لأنها لا تستطيع اليوم وفي واقعها الاقتصادي الصعب، ان ترمم ترسانتها النووية وتنافس اميركا في قدراتها في هذا المجال، ما يجعل توقيعها على “ستارت 2” بمثابة تخفيف اعباء اقتصادية مع احتفاظها بقدرات نووية كافية للعمل بمبدأ “الردع النووي” وان السلاح النووي يُملك ولا يُستعمل، واذا عطف الامر على استراتيجية اوباما والتزامه بعدم المبادرة لهجوم نووي ضد دولة نووية، فانه يؤدي الى طمأنة روسيا ايضاً مما يتيح لها التوقيع.

اما على الصعيد العالمي فقد نظمت اميركا قمة دولية ل 43 دولة (ليس فيها ايران وكوريا الشمالية) من اجل حشد العالم ضد الخطر النووي الارهابي، والخلفية الحقيقة لهذه القمة هي تنظيم تكتل دولي مؤيد لاميركا في استراتيجيتها الجديدة (مبدأً واستثناءً) واقناع الدول المدعوة وهي الدول ذات الاهمية الاستراتيجية الكبرى على المسرح العالمي، بالوقوف مع اميركا ضد ايران ودعم خططها التأديبية العقابية ضدها، واسماعها النية الاميركية باللجوء الى السلاح النووي ضد هذه الدولة، استثناء، ان لم تخضع للمتطلبات الاميركية.

لم تكن قمة اميركا النووية مؤتمراً من اجل السعي لعالم خالي من السلاح النووي، والا كيف نفسر استبعاد من يتهم بالسعي لامتلاك القنبلة النووية؟ واحجام اسرائيل النووية عن حضورها؟ بل كانت القمة النووية هذه حشداً بديلاً من تحالف دولي يتعذر قيامه اليوم ضد ايران كما اقيم ضد العراق في العام 1991 وضد افغانستان و”القاعدة” في العام 2003. لقد كان حشداً تهديدياً وجاء بقمة تهويلية ضد ايران اساساً. فهل نجح السعي الاميركي في تحقيق اهدافه؟ وهل فعلاً ستلجأ اميركا الى حرب نووية ضد ايران؟

قد يرى البعض ان اميركا احدثت خرقاً استراتيجياً تعويضيا في سلوكها الاخير ولكننا نرى نحن خلاف ذلك، فهي لم تتوصل الى انجاز التحشد او السكوت الدولي المطلوب اميركياً وبالتالي لن يكون بمقدورها لأكثر من اعتبار تنفيذ تهديدها النووي بسبب عوائق نذكر منها:

ـ موقف الصين، التي ترى في ايران اليوم خط دفاع رئيسا عن مصالحها وموقعها الاستراتيجي الدولي، بحيث ان سقوط ايران سيفرض على الصين ان تدافع عن نفسها في داخلها او على حدودها المباشرة، فأسواق العالم وطرق التجارة ومصادر النفط والثروة الطبيعية لن تبقى آمنة وفي متناول يد الصين كما هي اليوم، اذا سقطت ايران.

ـ موقف روسيا، التي قد تقبل بضغوط او بتحرشات عسكرية تقليدية ضد ايران، اما الحرب النووية او الاسقاط الكلي لايران فلن يكون مقبولاً روسياً وهذا امر تدركه اميركا جيداً.

ـ قدرات الرد الايراني، فإيران تمتلك من القوة العسكرية الذاتية والتحالفية ما يمكنها من اشعال المنطقة برمتها والنفط فيها، واذا دمرت مدينة او اكثر في ايران فان ما تبقى سيكون قادرا على متابعة تدمير المصالح الغربية في كل المنطقة، واميركا وأوروبا والعرب يدركون ذلك. وهنا نسأل هل ان اميركا موجودة في المنطقة من اجل السكن في الصحراء؟ ام من اجل نفطها وثرواتها؟ فاذا احترق النفط والثروة فما الذي يبقى من المشروع كله؟

لكل ذلك ارى ان التهديد الاميركي بالسلاح النووي هو عمل تعويضي يُلجأ اليه بعد فشل استراتيجيتين لاحكام السيطرة على المنطقة في اقل من عقد من الزمن، وهنا نسأل هل ستدمن اميركا تجرع فشل الاستراتيجيات وتكون استراتيجية التهويل النووي هي الثالثة في الفشل؟

:::::

امين محمد حطيط، عميد ركن – قائد كلية القيادة والاركان سابقاً

“النهار”

http://www.annahar.com/content.php?priority=4&table=kadaya&type=kadaya&day=Sat