تكهنات شرعية

أحمد حسين

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2228)

اصبح التكهن هو آلية التحليل الأكثر ضمانا في فكر السياسة اليوم. لم يعد بالإمكان الإعتماد على المرجعيات التقليدية للظواهر على المسرح السياسي، لأن المنطق العلمي المباشر في التحليل أصبح يؤدي بالفكر إلى مطبات غير متوقعة. لم تتغير مفاهيم المصلحة أو مفاهيم السيطرة. الذي تغير فعلا هو فلسفة النظام والحركة وآلياتهما، بحيث أصبحت تشكل خروجا مدبرا على نظام العقل التاريخي، وتحولا نحو عقل الكهانة بما هو ظاهرة عقلية ووجدانية مركزها سيكيولوجيا الأنا المريضة. التكنولوجيا الحديثة واختصار زمان ومسافة التناول، والعقل الأمريكي الصهيوني الخاص، والفوارق الهائلة للقوة والتقدم العلمي بين الغرب الإمبريالي وبقية العالم، نجحت في خلق ما يمكن تسميته النهج السيكيولوجي للحركة لدى الغرب. وهو نهج لترجمة كل أنواع التفوق إلى هيكلية وجدانية للتقييم الذاتي، يصبح التاريخ على ضوئها موضوعا لمشروع الذات المتفوقة فقط، ويصبح الآخر موضوعا لمشروع المواطنة لدى نظام عالمي جديد يعيد تقييم إنسانيته على ضوء أولوية الجدوى المادية لوجوده. كان هذا الشيء، في حدود أقل تعقيدا وشمولا، يسمى في النقد التاريخي جنون العظمة، ويرتبط أحيانا ببعض الأيجابيات مثل المشاريع الإنشا ئية التذكارية الضخمة والجميلة والمفيدة أحيانا. أما الظاهرة الجديدة فهي جنون التفوق المكتسب الذي يشمل أمة أو مجموعة من الأمم تبحث عن تفسير لتفوقها في هويتها الإجتماعية والتاريخية المتفوقة. أي أنها تطرح على مواطنيها سوقة ونخبة دينا اجتماعيا – قوميا يحول الإنجاز الخاص إلى هيكل وجداني، وتقوم بالتبشير به بين أمم العالم الأخرى لتكريس سياديتها على المجموع البشري. عندها يصبح الموضوع موضوع كهانة عالمية كما هو حاصل اليوم. ما هو مادي يطرح كقيمة إنسانية ومعنوية، لأنه يشكل خامة التفوق الذاتي للنموذج. وتصبح الطائرة والسيارة والكولا والديموقراطية والجنس هي قائمة لقيم إنسانية وحضارية معاصرة لأنها كلها انجازات كان هدفها تحقيق سعادة الإنسان على الأرض. هذا رغم أن تعاسة البشر بلغت أوجها ليس في عصر الجواد والحمار والسير على القدمين والعقل المثالي، وإنما في عصر الهيمنة الغربية على صناعة التمدن المادي وفرض مفاهيم العلاقة بين البشر وحاجاتهم الإنسانية وحياتهم عموما.

هذد الكهانة المعاصرة، تحمل كل سمات فشل الإنسان في حماية منجزاته في المعنى. وهو يواجه الآن معان جديدة ليس لها هدف سوى تحويل الآخر المختلف جوهريا إلى خامة رعوية يأتي ترتيبها في الأهمية بعد آليات تحقيق الوفرة. ولكي يكون ذلك ممكنا في التبني من جانب البشر الرعويين يجب إقامة مشروع شامل ومدروس بعناية لإجراء تعديلات جوهرية على البنية المعنوية والثقافية لأولئك الرعويين الأجانب، لينشئوا انسجامهم القسري مع الواقع الجديد. يجب تعديل كل مفاهيم إدراك وتقييم الذات لدى أولئك بالصدمة المعنوية والتحول السيكيولوجي لتحويلهم بنيويا إلى ( ” ياهو ” يخدمون شعبا من الخيول المتفوقة ) بدون اعتراض من جانبهم. ومن أجل تحقيق ذلك لا بد من تدمير كل الرموز والمفاهيم التي تغذي تمنعهم الإنساني، بالترويع واسترجاع ضغط الغريزة المباشر على سلوكهم. على الحروب المجانية وإحصائيات القتل والموت جوعا وتجارب الغازات السامة والأوبئة المستحدثة التي قتلت عشرات ملايين الأفريقيين وغيرهم من البشر، أن تثير خوف أولئك الرعويين بقدر ما يؤدي ذلك إلى استسلامهم. ما قد يتبقى من مواقع للمعنى في حياتهم، يتم تدميره بغزو مجتمعاتهم بالديموقراطية المعدلة خصيصا، ونمط الحياة الغربية المثالي، وتكنولوجيات الإستهلاك اليومي، والإعلام المحلي، وتصدير حريات الفوضى البناءة التي لم يستعدوا لها بعد، والتي من المفروض مع الديموقراطية السياسية والإنتخابات المفخخة، أن تمزق بناهم وقيمهم الإجتماعية شذر مذر، وتحولهم إلى رعاع سوقيين. لم تعد الجريمة على مدار الدقيقة شذوذا في مجتمعات الثأر بل موضوعا للبحث العلمي وبيع الأسلحة الفردية. لم يعد أي شكل من أشكال التعددية المتناحرة غائبا عن الساحة فقد نجح مشروع الكهانة في تحقيق فوضى الصراعات البناءة داخل معظم مجتمعات الأرض (المتخلفة)، ودفعهم إلى نزعة التدمير الذاتي، والإستهانة بدم الأخر إلى درجة السعادة الصوفية، التي مركزها مفارقة العالم الذي تتحكم به عبقرية الجريمة. كلما اقترب الإنسان من اقتراح التقدم الغربي نقص إحساسه بإنسانيته وازدادت تعاسته وحبه للموت. لسنا بحاجة إلى إحصائية دولية لنعرف هذا. نأخذ العراق أو الصومال نموذجا وكفى.

دماء الغربي المتعالي تسيل على بساط الحرب العدوانية والجريمة والشذوذ والإنتحار والمخدرات لأنه اكتشف أن الدخل المرتفع وحده لا يجلب السعادة، وأنه عضو في مجمع كبير للكراسي يجلس عليه آخرون. شحنته شركات السيادة الإقتصادية بصلوات الحداثة واحتقار الآخر وحولتهم إلى قردة متمدنة وأنيقة في أقفاص مختلفة بين الفضة والبلاستيك المقوى، يعيشون فيها طوعا. كل ما يتميزون به عن ناس الحضيض السياسي والإقتصادي هو الثقافة الإعلامية للمواطنة المباشرة لنظام الكهانة. ليس لهم مضمون آخر البتة.ويحاولون أن يكونوا سعداء فلا يستطيعون. فيعمدون إلى الإنتحار في مخادعهم أو في صفوف “بلاك ووتر” والفرق الخاصة، ومغاور عبادة الشيطان.

في عالم التبعية والحضيض الإقتصادي العالمي، الموت والحياة ليس لهما قانون محدد سوى انعدام جدوى الكم لمشروع الكهانة. يبذر أرواحهم أحيانا في التجارب المخبرية وأحيانا في تقديم القرابين العبثية كما فعل ويفعل في العراق، وأفغانستان وفلسطين ولبنان وغيرها بدرجات متفاوتة. وتبقى الإبادة العراقية واحتمالات الأبادة الشرق أوسطية القادمة، نموذجا للقتل خارج الحاجة السياسة، واستخداما للدم في سيكيولوجيا الهيمنة الكهنوتية.

كيف يمكن إذن، في وضع عالمي كهذا، تديره فذاذة القوة وعبقرية الجريمة التي استطاعت اغتصاب المرحلة من تاريخيتها، وإقامة كهنوت تاريخي مكانها، أن نقيم منهجا للعلاقة التحليلية أو النقدية العلمية؟

لم يعد هناك مرجعيات للفهم السياسي، يعتمد عليها في هذا العماء المنهجي، وبالتالي السلوكي، سوى التكهن. فليس هناك قانون واضح للسلوك والوجدان الغيبي يمكن الإعتماد عليه في تحليل واستنتاج سلوك البنية التاريخي. نحن أمام مشروع له قانونه الخاص، أي أمام حالة جنون للقوة والوجدان الخاص. فالتحليق الذاتي في العظمة الذي زرعته الإنجازات الخرافية في الغرب، لدى نخب الجنون الممثلة في المحافظين الجدد، هو حقيقة المرحلة الغارقة في كهنوت القوة المعربدة، وتصوفات العقل المنحرف المستغني عن القانون.

كيف يمكن فهم ظاهرة دفع ( الرماديين ) الأمريكان إلى الواجهة الرئاسية والتنفيذية، في زمن المحافظين الجدد، على أنها أكثر من طقوس تبشيرية وتوجيهية، تستغل قناع اللون في تمرير جرائم مقنعة. ما الذي يدفع المحافظين الجدد من جانبي الحلبة السياسية الأمريكية إلى الإجماع القومي على إقامة إدارة أمريكية بيضاء ومغرقة في العرقية وعبادة الذات، برئاسة شخص رمادي من أصل مسلم، لم يكن معروفا لأحد قبل تنصيبه؟ لا يمكن الإجابة على ذلك بدون الإعتماد على التكهن بصفة رئيسية. هناك طبعا سبب لهذا التنصيب، ولكنه سبب طقوسي يتعلق بعقل كهنوتي مريض، يخاطب في العالم الثالث عقل الغريزة والعفوية بصفته رذالة بشرية يمكن استئناس سطحيتها بإعادة كتابة النصوص البيضاء ذاتها بخط أسود أو رمادي هذه المرة. لا يمكن تتبع ذلك السبب في منطق التحول الإجتماعي في أمريكا، فهي الآن في ذروة انزياحها العنصري الأبيض القومي الصهيوني. هي في قمة القناعة بموقعها النخبوي القدري الذي ينفذ نص المصير العالمي لأسطورة العولمة، حيث تتحول نخب المصير هذا إلى أوليمب ألهيمنة، تاركة البشر يتخبطون في فوضاهم الأرضية البناءة، كالنحل العامل الذي يهيء رحيق السعادة لكائنات الأوليمب، التي يحول كهنة الكلام سعالها المريض إلى معرفة نهائية.

حينما يسقط أوباما بعد انتهاء دوره القذر، وهو على الأغلب تكوين التحالف العالمي على الساحة الدولية، والعربي الإسرائيلي على ساحة المنطقة لتصفية كل جيوب الممانعة الدولية للتهويد والعولمة الشاملتين، ولإخراج عربة المحافظين الجدد من مستنقع العربدة والدم، واستعادة هيبة النظام الأمريكي، حين يسقط هذا الموظف الرمادي الصغير، سيسقط بركلة قدم وليس بصفعة مدوية، كما سقط كلينتون من علو اعتباري لا يتعدى بضعة سنتيمترات في الحقيقة، ولكنه شاهق مجازيا. ولكنه لن يسقط قبل أن يلعب المحافظون الجدد ورقة أمريكا الأخيرة.فالتنازل عن الأحلام أصعب بكثير من التنازل في الصفقات الصغيرة، لأنها عادة ما تكون ذات مستوى عال من الطموح، وهي في حالة المحافظين الجدد طموح لإعادة تشخيص سفر التكوين الذي لن يكون ممكنا إلا بطوفان جديد. لقد آن الأوان لتتحول الرموز المادية للقوة العسكرية والدولار والعقل التكنولوجي، إلى معادلها المعنوي، أي إلى كهنوت تاريخي شامل لنخب العهد القديم والجديد وبأي ثمن.ما معنى التفوق إذن؟ أليس تماثل القوة مع العقل هو انفصالها عنه وانفصاله عنها؟

وفي الحقيقة، لا مجال لتوافق الأضداد إلا في الكهانة.والكهانة هي جريمة العقل الغيبي الكاملة التي تقوم على التآلف الجدلي بين القوة والعقل في البنية المجنونة.

هذا كله تكهن ! ليس عليه دليل علمي واحد، ولكن عليه أدلة شرعية كثيرة.

لماذا يستعمل أوباما مع إيران ذات طريقة بوش مع العراق بحذافيرها حول السلاح النووي والإرهاب؟ إنه يعرف أنها لا تستطيع حاليا انتاج هذا السلاح، ولا تريده مستقبلا، لأنه لن يسمح لها بالإفلات بذك أبدا، علاوة على عبثية مقاومة الدبابة أو البارجة النووية بمسدس نووي. فما هو التكهن الشرعي المناسب إذن سوى أن أمريكا لها حسابات أخرى في إيران، تحتم عليها إعادة الطقس العراقي الدموي بكامله هناك؟ حتى لو رضخت إيران دبلوماسيا فلن يفيدها ذلك كما يكذب أوباما.فإسرائيل جاهزة كاحتياطي تدميري مستقل الإرادة في اللعبة، له حق الدفاع عن نفسه استباقيا، و( ضد رغبة أمريكا والصهيونية ). لذلك فإيران محكوم عليها بالإعدام، وليس لها مخرج حتى في التكهن. وإذا ظنت إيران أن مصالح أمريكا في الخليج ستجعل أمريكا تتردد في إعطاء إسرائيل الموافقة على تنفيذ سيناريو الضربة القاصمة، فهو دليل قصور عن فهم الواقع. فالخليج بكياناته الإدارية والنفطية هو استثمار أمريكي لوجستي في السياسة، أكثر بكثير مما هو استثمار في البنية التنموية العضوية لأمريكا، وإذا ابتلع البحر الخليج والسعودية فإن آخر من سيعاني من ذلك هو أمريكا. بل قد يكون تعطيل آبار النفط لفترة محدودة في صالح مشروعها المستهتر في الهيمنة. سيتراجع الخطر الكرتوني الأصفر على طريق الإنهيار المحقق الذي تؤجله أمريكا والصهيونية لأسباب تخص زمنية التحريك المقررة. وستبتلع اليابان نهائيا كشركة معولمة في تبعية مقيدة ومشروطة داخل المنظومة الإقتصادية لمشروع الهيمنة الأمريكي الصهيوني الشامل. أما المتسكعين على هوامش الفقر النسبي مثل “القطط ” الآسيوية فهي معدة أصلا لتكون آليات توظيفية كمبرودورية في البنية التنظيمية لمشروع الإقتصاد المعولم. أما الإتحاد الروسي فهو تحالف من اتحادات مافيوية سياسية واقتصادية، وشعب لم يزل غارقا في صدمة “الرفاه ” المفاجيء التي أعقبت سقوط امبراطوريته اللينينية المقدسة. وهو لا يساوي في حسابات التأثير الوهمية أكثر من صوته في مجلس الأمن الدولي، الذي يتقاضى عنه راتبا ماديا ومعنويا سنويا من أمريكا والصهيونية. وقد أبلغ إيران سلفا بأنه عاجز عن منع ضربة “ميني نووية” عنها في حين قررت أمريكا والصهيونية ذلك، لأنهما يلعبان بورقتهما الأخيرة، وهي ورقة ” هار مجيدون ” الني ستسفر عن عالم أقل حجما وحيوية ولكنه أكثر استقرارا. وأنه لا خيار في ذلك لأحد غيرهما.

حينما وقف أوباما يتلو وثيقة الخيار النووي على أعداء أمريكا كان واضحا جدا. صحيح أنه قال ذلك بلغة الكهنة التي تفتح باب التوبة أمام الخطاة والإرهابيين، ولكن لم يحدث في تاريخ الكهانة أن التوبة نفعت الخطاة قبل موتهم.فالكهنة لا يغفرون. الذي يغفر هو الرب وحده، ولكنهم عادة لا يطلقون نبوءاتهم الغاضبة إلا بعد تأكدهم أن الرب قد اتخذ قراره النهائي بمعاقبة العالم. وأوباما قال أن قرار إمكان استخدام السلاح النووي قد اتخذ في أمريكا، وكأنه لم يستخدم من قبل في نغازاكي وهيروشيما والعراق والمحيط الهاديء. ولكن هذا يؤكد فقط أن أمريكا تعني ما تقول. وأن أوباما هو أفعى رمادية من أفاعي الجحيم، رأسها في كل مكان وذنبها تحت قدم المحافظين الصهاينة الجدد في البيت الأبيض. وفي أمريكا لمن لا يعلم كثير من البيوت الرمادية والسوداء والصفراء والبنية ولكنها دور عبادة صغيرة وسوقية، تمتزج ألوانها الأساسية لتكون اللون الأمريكي الصهيوني الأبيض. لقد أوشك دور أوباما على الإنتهاء، لأن اتخاذ القرار المسكوني قد اقترب. ولكنه أثبت أنه ثعلب بمهارات كهنوتية استثنائبة. تصوروا فقط أنه استطاع أن يجعل مبارك يقف مع إسرائيل ضد أمريكا… مع نتانياهو والمحافظين الجدد ضد أوباما وإيران. وفي ذات الوقت يجعل السعودية والخليج تقف مع إوباما وإسرائيل ضد إيران. وينشيء في العراق حزبا قوميا عربيا يؤيد أمريكا ضد إيران. معادلات متناقضة ونتائج واحدة، وتواجد في عدة أمكنة في وقت واحد. وهذا لا يعني الكثير من حيث الكهانة أو السحر فالحكام العرب لا يحتاجون إلى كهانة أو سحر، فهم ودودون سياسيا بطبعهم، ولكن ماذا يقصد أوباما بهذا الإخراج البارع والمعقد؟ أتكهن بأن دوره قد قارب على الإنتهاء، فقد قام بوضع اللمسات الأخيرة على المشهد القادم والتي كان آخرها نبوءته النووية.

كل شيء في جدل المادة والإنسان يتحول إلى معنى. ألمادة في كمالها البنيوي المتحقق دستوريا تتحول ولا يتغير جوهرها. أما الإنسان فهو مزيج كيميائي دائم التفاعل من المعاني والمفاهيم والرموز والمعتقدات وسيكولوجيا الغرائز المعدلة اجتماعيا، لا يمكن وعيه منفردا إلا داخل بوتقة ذاته المادية والتاريخية والإجتماعية التي تسمى الوجدان. هو حيواني أليف داخل بوتقة مادته الحيوية، ولكنه شديد الخطورة على مستوى كونه فكرة ومزاجا وطاقة مركزة للوعي الخاص معرضة لانفلات السيطرة. إنه بطبيعته يتحرك بين وعي ماديته التاريخية ووعي وعيه، أي التحليق داخله بحثا عن الإبداع كتخلق ذاتي. هذه الحركة الخطيرة لإعادة التخلق الذاتي هي بداية التحرك على منزلق الجنون الإبداعي أي الكهانة.

والكهانة المعاصرة كمشروع للعقل غير التاريخي، تعرف أن مصدر الخطر على مشروعها يكمن في عقل الإنسان التاريخي. لقد اشترى المشروع الأمريكي الصهيوني كل النخب البارزة على السطح وصفى غيرها بوسائل مختلفة، ولكنه يعرف أنه لا يستطيع شراء مناجم النخب التي تنتج العقل التاريخي، أى الشعوب. لذلك هي مصنفة كعدو أول وربما وحيد في نظره. وهو الآن كما سبق القول يعمل على تعطيل الحركات الإجتماعية ووعيها التاريخي في كل مكان بكل أساليب التمزيق والتحويل وضغوطات الحاجة والغريزة وجرائم الإبادة الترهيبية وإيقاظ التعددات البنيوية المتناحرة لتفجير البنية الإجتماعية من داخلها. وهو يعد الآن لتنفيذ نماذج من الردع بالإبادة الجماعية لاستئصال إنسانية المعنى والعقل التاريخي المعوق لدى تلك الشعوب، وتحويلها إلى مناجم للطاقة البشرية البناءة. لأن الإستقرار لا يمكن أن يتحقق في هذا العالم بدون تحقيق شكل التراتب الأسمى وهو نظام شامل للعبودية البناءة. هذه هي طبيعة الحياة وجوهر حركتها الحتمي. وقانون الإنٌتخاب الطبيعي، يؤكد على ان التاريخ هو تاريخ النخبة، وأن ظاهرة الشعوب إعاقة تطورية يجب أن تتلاشى في تاريخ النخبة العالمية. هذا هو فكر المحافظين الجدد والصهيونية العالمية، وليس أمام الشعوب، إذا أرادت أن تثبت عكس ما تقوله النخبة الكهنوتية التي تتحكم في نسبية المصير العالمي، سوى أن تحقق انتصار العقل التاريخي الإنساني على الكهانة.

لم يوضع الإنسان وتاريخه أمام تحد كهذا من قبل لأن الكهانة استكملت في عصرنا تطورها المادي الأعلى، وجنونها الإنزياحي نحو الغيبية. والكرة الآن في ملعب الشعوب.

وإلى الذين سينكرون حتما شرعية هذه التكهنات، ويرون في مدخل اتهام الكهانة مبالغة سقيمة، أريد أن أوجه سؤالا حول أمر هو من مظاهر التجربة والمشاهدة على مر العصور. كيف يمكن شرح حالة الفرد الرأسمالي المنغمس في قلق النهب وتتمية ثروته الأسطورية التي تكفي لسداد حاجة دولة كاملة؟ لماذا هو بحاجة إلى ذلك لو كان يعي نفسه كشخص عادي؟ سيقولون ربما أن هذا تبسيط للأمور وأن هذا الشخص هو جزء من حركة اقتصادية مركبة تتحرك بمنطقها الداخلي خارج سيطرة الأفراد وأن التوقف غير ممكن. وبذلك يكونون قد أجابوا عني. هذه هي الكهانة بالضبط ! حركة في غموض الدافع والحاجة وعقل المعرفة تحول المنخرطين فيها إلى جماعة منصاعة لحركة غيبية عشوائية خارج منطق العقل الموحد. وأيضا هذه هي الإمبريالية في جوهرها. كهانة مادية بنهج مثالي، تسير على طريق استكمال كهنوتها المتحرر من التاريخ، ضمن حركة تلاعب وهمية للوعي. ديانة ككل الأديان التي أطلقتها وترعرعت في كنف تلاعباتها الغيبية التبريرية لظاهرة الفقر والغنى. وكل كهانة من ورائها عقل دموي لا بد أن يصل غايته التدميرية القصوى. هذا هو ما تقوله التجربة التاريخية بوضوح موثق بالدم والخراب.