تحديات التنمية الاشتراكية في كوبا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2229)

الخطاب الذي ألقاه رئيس مجلسي الدولة والوزراء والسكرتير الثاني للجنة المركزية للحزب الشيوعي الكوبي، جنرال الجيش راؤول كاسترو روز، في الجلسة الختامية للمؤتمر التاسع لاتحاد الشبيبة الشيوعية. هافانا، 4 نيسان/أبريل 2010، “العام الثاني والخمسون للثورة”.

أيتها الرفيقات والرفاق المدعوّون والمندوبون:

كان مؤتمرنا هذا مؤتمراً جيداً، وهو مؤتمر بدأ في الحقيقة في شهر تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي مع انعقاد الاجتماعات المفتوحة والعلنية التي حظيت بمشاركة مئات الآلاف من الشبان، وتواصلت من خلال الجمعيات التقييمية التي عقدتها المنظمات القاعدية واللجان البلدية والإقليمية، والتي تم فيها بلورة قرارات اعتُمدت الآن في هذه الجلسات النهائية.

إن كان هناك من شيء توافر خلال ما يزيد عن السنوات الخمس المنقضية منذ أن اختتم فيدل أعمال المؤتمر الثامن لاتحاد الشبيبة الشيوعية، في الخامس من أيلول/سبتمبر 2004، إنما هو العمل والتحديات.

نعقد هذا المؤتمر في خضم واحدة من أبشع وأوسع الحملات الإعلامية ضد الثورة الكوبية خلال السنوات الخمسين من وجودها، وهو موضوع سيتعيّن عليّ أن أتناوله بالتأكيد في لحظة لاحقة.

مع أنني لم أتمكن من حضور الجمعيات التي سبقت انعقاد هذا المؤتمر، فقد تابعتها واطلعت على مجرياتها كلها بشكل موجز. أعرف أنه قليلٌ ما ذُكر عن الإنجازات، وذلك من أجل التركيز على المشكلات، مع النظر إلى النفس من الداخل دون تخصيص وقت أكثر من اللازم لتقييم العوامل الخارجية. إنه النمط الذي ينبغي أن يتّسم به بشكل دائم عمل اتحاد الشبيبة الشيوعية، في وجه أولئك الذي يكرسون جهودهم للبحث عن “القشة في عيون الغير” بدلاً من تكريس هذا الجهد من أجل القيام بما يجب.

إنه ليبعث الرضى سماع شبان كثيرين ممن يعملون في مجال الإنتاج وهم يشرحون بفخر وبكلمات بسيطة ما يقومون به من نشاط دون أن يذكروا تقريباً الصعوبات المادية والعقبات البيروقراطية التي تؤثر سلباً على هذا النشاط.

كثيرُ من الصعوبات التي جرى بحثها ليست جديدة، وإنما هي صعوبات رافقت المنظمة منذ زمن طويل، وقد اتخذت المؤتمرات السابقة بشأنها القرارات ذات الصلة، ومع ذلك فإنها تتكرر بقدر أكبر أو أقل، مما يبرهن على وجود تقصير منهجي ودقّة غير كافية في الإشراف على تنفيذها.

وفي هذا المجال، من المحق والضروري تكرار أمر شدّد عليه الرفيقان ماتشادو ولازو اللذان ترأسا العديد من الجمعيات: يشعر الحزب بأنه مسؤول أيضاً عن عمل اتحاد الشبيبة الشيوعية، وبشكل خاص جداً عن المشكلات في سياسة الكوادر.

لا ينبغي علينا أن نسمح مرة أخرى أن تتحول الوثائق المصادق عليها إلى حبر على ورق وأن تُحفظ للذكرى. يجب أن تشكل هذه الوثائق مرشداً للعمل اليومي على مستوى المكتب الوطني وعلى مستوى كل عضو. لقد اتفقتم على القضايا الأساسية، ولم يبقَ الآن سوى العمل.

يوجّه البعض انتقادات شديدة عند حديثهم عن شبيبة اليوم وينسون بأنهم هم أيضاً كانوا شباباً. واهم من يسعي لجعل شباب اليوم كشباب الحقب السالفة، هناك مثل حكيم يقول: أبناء البشر يشبهون عصرهم أكثر مما يشبهون آباءهم.

طالما كان الشباب الكوبيون وما يزالون مستعدّين لمواجهة التحديات، وهذا ما أثبتوه في الانتعاش من الأضرار التي أحدثتها الأعاصير، ومواجهة استفزازات العدو ومهمات الدفاع، ويمكنني أن أذكر الكثير غيرها.

متوسط عمر المندوبين إلى المؤتمر هو 28 سنة، وبالتالي فإنهم جميعاً قد كبروا خلال هذه السنوات القاسية من الفترة الخاصة وشاركوا في جهود شعبنا الرامية لحماية الإنجازات الرئيسية للاشتراكية في خضم الوضع الاقتصادي بالغ التعقيد.

ونظراً لأهمية أن تكون طليعة الشباب متابِعة لواقعنا الاقتصادي بالذات، فقد أقرّت لجنة المكتب السياسي (للحزب الشيوعي الكوبي)، وانطلاقاً من التجربة التحليلية الإيجابية التي جرت على هذا الصعيد مع نواب الجمعية الوطنية (للسلطة الشعبية)، أن تضع أمام الجمعيات البلدية لاتحاد الشبيبة الشيوعية معلومات تصف، بكل فجاجة، الوضع الحالي والآفاق في هذا المجال، وهي المعلومات التي تلقاها اكثر من 30 الف شاب عضو في الاتحاد، والقادة الحزبيين الرئيسيين، وقادة المنظمات الجماهيرية والحكومة على مختلف المستويات.

تشكل المعركة الاقتصادية اليوم وأكثر من أي وقت مضى المهمة الرئيسية ومحور العمل الأيديولوجي، لأنه على هذه المعركة تعتمد ديمومة نظامنا الاجتماعي وصونه.

من دون اقتصاد متين وديناميكي، ومن دون القضاء على النفقات السخيفة والإسراف، لن يكون بالإمكان التقدم في رفع مستوى حياة المواطنين، ولن يكون بالوسع المحافظة على المستويات المحرزة في التعليم والصحة المؤمنة مجاناً لجميع المواطنين وتحسين هذه المستويات.

من دون زراعة قويّة وذات كفاءة، نستطيع تطويرها بالموارد المتوفرة بعيداً عن الحلم بالموازنات الكبرى المعهودة في أوقات أخرى، لا نستطيع أن نطمح بديمومة ورفع مستوى غذاء المواطنين، الذي ما زال اعتماده كبيراً على استيراد منتجات يمكن زراعتها في كوبا.

من دون أن يشعر الأشخاص بالحاجة للعمل من أجل العيش، في كنف نظم وقوانين حكومية بالغة الأبوية و اللاعقلانية، لا نقوى أبداً على تحفيز حبّ العمل، ولن نحلّ النقص المزمن في البنّائين والعمال الزراعيين والصناعيين والمعلّمين ورجال الشرطة وغيرها من المهن الضرورية الآخذة بالاندثار شيئاً فشيئاً.

دون بلورةرفض اجتماعي ثابت ومنتظم للخروج عن القانون ومختلف مظاهر الفساد، سيظل عدد ليس بقليل من الأفراد يغتني على حساب عرَق الأغلبية ويروّج لمواقف وأفكار تضرب بشكل مباشر جوهر الاشتراكية.

إذا ما حافظنا على قوائم عمّال متضخمة (بطالة مقنعة وإن كانت غير مقصودة/المترجم) في جميع ميادين العمل الوطني واستمررنا في دفع أجور لا علاقة لها بالنتائج المحرزة ورفع حجم الأموال المتداولة، لا يمكننا أن نتوقّع توقف الأسعار عن الارتفاع المتواصل، ضاربة بذلك القدرة الشرائية لدى الشعب. نعرف أنه يفيض عن الحاجة مئات الآلاف من العمال في القطاعين الحكومي والشركاتي، ويقدر بعض الأخصائيين أن الفائض من فرص العمل يزيد عن المليون شخص، وهذه هي قضية حساسة جداً من واجبنا مواجهتها بحزم وحسّ سياسي.

لن تترك الثورة أحداً مكسور الجناح، وستكافح في سبيل توفير الظروف لكي يكون لكل الكوبيين فرصاً للعمل الكريم، ولكن المسألة ليست أن تتكفل الدولة بتأمين فرصة عمل لكل واحد بعد عدة فرص عُرضت عليه. أول المهتمّين بإيجاد فرصة عمل مفيدة اجتماعياً يجب أن يكون المواطن نفسه.

بإيجاز، الاستمرار في الإنفاق أكثر من الدخول (المداخيل)، يساوى ببساطة، التهامنا للمستقبل ووضع بقاء الثورة بحد ذاته في خطر.

إننا نواجه وقائع ليست محببة أبداً، ولكننا لا نغمض عيوننا أمامها. إننا على قناعة بأنه يجب تحطيم التّحجّر ونتحمّل بثبات وثقة مسؤولية تحديث نموذجنا الاقتصادي، والذي دخل حيز التنفيذ، بهدف وضع أسس اللاعودة عن الاشتراكية الكوبية، بل تطويرها، ونحن نعلم أن الاشتراكية هي ضمانة الاستقلال والسيادة الوطنية.

لا أجهل بأن اليأس يدب أحياناً في نفوس بعض الرفاق، وذلك لرغبتهم بتغييرات فورية في ميادين عديدة. أقصد بهذا القول طبعاً أولئك الذين يفعلون ذلك دون النية في الانسياق للعدو في لعبته. نتفهم مباعث القلق هذه، التي تنشأ بشكل عام نتيجة الجهل بحجم المهمة التي نحن أمامها، وعمق وتعقيد التشابكات بين مختلف عوامل أداء المجتمع والتي يجب تعديلها.

أولئك الذين يطالبون بالتقدم بخطى أسرع، عليهم أن يأخذوا بعين الاعتبار سلسلة القضايا التي نقوم ببحثها، والتي لم أذكر لكم منها اليوم إلا بعضها. من واجبنا تفادي التسبب بمشكلات أكبر من المشكلات التي نحاول حلّها، نتيجة التسرع أو الارتجال. ففي مسائل ذات بُعد إستراتيجي بالنسبة لحياة الأمة كلها، لا يمكننا أن ننجر وراء العواطف وأن نتحرك دون النظرة الشمولية اللازمة. وكما شرحت، هذا هو السبب الوحيد الذي جعلنا نقرر تأجيل انعقاد مؤتمر الحزب عدة أشهر وكذلك المؤتمر الوطني الذي سيسبق انعقاده.

هذا هو التحدّي الأكبر والأهم الذي يواجهنا من أجل ضمان استمرار الإنجاز الذي تم بناؤه على مدى هذه السنوات الخمسين، والذي تبنته شبيبتنا بمسؤولية وقناعة كاملتين. الشعار الذي التأم هذا المؤتمر في ظله هو “كل شيء من أجل الثورة” وهذا يعني قبل كل شيء تعزيز وتوطيد الاقتصاد الوطني.

إن الشبيبة الكوبية مدعوّة لأخذ مكانها خلفا للجيل المؤسس للثورة، ولكي تقود القوة الجماهيرية الكبرى فهي تحتاج لطليعة قادرة على الإقناع وعلى التعبئة انطلاقاً من القوة المنبثقة من مثالها الشخصي، وفي مقدمتها قادة أشدّاء ومؤهلين وذوي مكانة مرموقة، قادة حقيقيون، غير مرتجلين، وأن يكونوا قد مرّوا في مدرسة الطبقة العاملة التي لا غنى عنها، والتي تتبلور فيها القيم الأكثر أصالة عند الإنسان الثوري. لقد أثبتت الحياة لنا ببلاغة خطر انتهاك هذا المبدأ.

لقد قالها فيدل بوضوح في اختتام المؤتمر الثاني لاتحاد الشبيبة الشيوعية، في الرابع من نيسان/أبريل 1972:

“لا أحد يتعلم السباحة على اليابسة، ولن يمشي أحد فوق البحر. الإنسان يخلقه وسطه البيئي، الإنسان تخلقه حياته نفسها، نشاطه نفسه”.

وانتهى إلى القول:

“سنتعلّم احترام ما يبدعه العمل، عبر إبداعنا. سنُعلّم احترام هذه الخيرات، عبر تعليم أبداع هذه الخيرات”.

هذه الفكرة، التي أُطلقت قبل 38 سنة من اليوم، والتي من المؤكد أنها وجدت تصفيقاً حاداً في ذلك المؤتمر، هي تعبير جليّ أيضاً عن القضايا التي نتفق عليها ومن ثم لا نطبّقها.

اليوم أكثر من أي وقت مضى يحتاج الأمر لكوادر قادرين على القيام بعمل أيديولوجي فاعل، لا يمكن أن يكون حوار طرشان ولا تكراراً ميكانيكياً لشعارات؛ قادة يفكّرون بحجج متينة، من دون أن يظنوا أنفسهم أصحاب الحقيقة المطلقة؛ يعرفون الإصغاء (للاخرين)، ولو لم يعجبهم ما يقوله بعضهم؛ يقيمون وجهات نظر الآخرين بعقل مفتوح، وهذا لا يستثني تفنيد وجهات النظر غير المقبولة بأسس متينة وشدة.

تشجيع النقاش الصريح وعدم رؤية التباين بأنه مشكلة، وإنما مصدراً لأفضل الحلول. الإجماع المطلق بشكل عام هو مصطنع وبالتالي فإنه مؤذٍ. التناقض، حين لا يكون تناحرياً، كما هو في حالتنا هذه، إنما هو محرك للتطور. من واجبنا أن نقضي، مع سبق الإصرار، على كل ما يغذي التملق والانتهازية. إن تعلّم كيفية التوفيق بين الآراء، وتحفيز الوحدة وتعزيز القيادة الجماعية، تشكل الصفات التي يجب أن يتّسم بها قادة الثورة في المستقبليون.

إن الشبان ذوو الفكر والقدرة الضروريين لتحمّل مهام القيادة متوفّرون على طول البلاد وعرضها. التحدي يكمن في اكتشافهم، وإعدادهم وتوكيلهم بمسؤوليات أكبر بشكل تدريجي. والجماهير ستتكفل بالتأكيد على صحة الاختيار.

نلاحظ أنه يتواصل التقدم في ما يتعلق بالتركيبة العرقية والجندرية. إنه توجّه لا يمكننا أن نسمح لأنفسنا بالتراجع عنه ولا بالسطحية فيه، ويتعيّن على اتحاد الشبيبة الشيوعية أن يعمل فيه بشكل دائم. وبهذه المناسبة، أؤكّد بأنه أحد القرارات التي اتخذناها، وفي هذه الحالة قبل 35 سنة من اليوم، في المؤتمر الأول للحزب، والذي تركنا تطبيقه لاحقاً للمبادرة العفوية ولم نشرف عليه كما يجب، مع أن هذا أيضاً هو إحدى الدعوات الأولى التي أطلقها فيدل في مناسبات متكررة منذ لحظة انتصار الثورة.

كما ذكرت لكم في البداية، توافق إنعقاد هذا المؤتمر مع حملة غير معهودة للتشهير بكوبا يتم تنظيمها وإدارتها وتمويلها من مراكز القوة الإمبراطورية في الولايات المتحدة وأوروبا، رافعين رايات حقوق الإنسان نفاقا.

لقد تم التلاعب بدناءة ووقاحة بموت شخص محكومٍ بالسجن بسبب ارتكابه 14 جناية عامة، تم تحويله عمداً وبفضل الكذب المتكرر والطمع بدعم اقتصادي من الخارج إلى “منشق سياسي”، جرى تحفيزه على الاستمرار في إضرابه عن الطعام من اجل مطالب غير منطقية.

بالرغم من الجهود التي بذلها أطباؤنا توفّي، وهو أمر عبّرنا عن أسفنا له في لحظته وكشفنا عن المستفيدين الوحيدين من هذا الحدث، وهم أنفسهم الذين يحفّزون اليوم شخصاً آخر على الاستمرار في موقف مشابه من حيث الابتزاز غير المقبول. هذا الأخير، وبالرغم من كل الافتراء، ليس مسجوناً، إنه شخص طليق نفّذ حكمه بالسجن لارتكابه جنايات عامة، وبالتحديد الاعتداء على سيدة وإصابتها، وهي طبيبة ومديرة مستشفى، وبالإضافة لذلك هددها بالموت، ومن ثم اعتدى على شخص مسنّ في السبعين من العمر، اضطر الأمر لبتر ذراعه. وكما في الحالة السابقة، يتم فعل كل ما يمكن في سبيل إنقاذ حياته، ولكن إذا لم يغيّر موقفه المدمّر له ذاتياً، فإنه سيكون مسؤولاً، إلى جانب من يقفون وراءه، عن النهاية التي لا نتمنّاها أيضاً.

إنه ليثير الاشمئزاز المكيال بمعيارين من قبل الذين يطبقون صمتاً متواطئاً في أوروبا على أعمال التعذيب في ما تعرف بالحرب على الإرهاب، وسمحوا برحلات جوية سريّة للسي آي إيه من أجل نقل سجناء، وحتى أنهم قدّموا أراضي بلادهم من أجل إقامة سجون سرّيّة.

ماذا كانوا سيقولون لو أننا فعلنا مثلهم وانتهكنا الأعراف الخلقية وغذّّينا هؤلاء الأشخاص بالقوة، كما جرت العادة على فعله في مراكز تعذيب كثيرة من بينها قاعدة غوانتانامو البحرية. وبالمناسبة، هم أنفسهم الذين يقومون في عقر بلدانهم باستخدام قوات الشرطة للهجوم بالخيول على المتظاهرين، كما نشاهد يومياً تقريباً عبر شاشات التلفزيون، وللضرب وإطلاق الغازات المسيلة للدموع، وحتى الرصاص. وماذا يمكن القول عن سوء المعاملة والإذلال المتكرر الذي يُخضعون المهاجرين له؟

الصحافة الكبرى الغربية لا تهاجم كوبا فحسب، فقد شرعت بممارسة شكل جديد من الإرهاب الصحافي الشديد ضد قادة سياسيين ومثقفين وفنانين وشخصيات أخرى ترفع أصواتها في كل أنحاء العالم ضد الخداع والنفاق، ويقيّمون الأحداث بكل بساطة بشكل موضوعي.

من ناحية أخرى، يبدو بأن من حملوا راية حرية الصحافة التي يتحدثون عنها قد نسوا بأن الحصار الاقتصادي والتجاري (والمالي) المفروض على كوبا وكل آثاره اللاإنسانية على شعبنا ما تزال سارية وتشتد حدة؛ وأن إدارة الولايات المتحدة الحالية لم توقف بتاتا دعمها للتخريب الانقلابي؛ وأن الموقف المشترك المجحف والتمييزي والتدخلي للاتحاد الأوروبي، الذي رعته في لحظة اعتماده الإدارة الأمريكية واليمين المتطرف الإسباني، ما يزال يطالب بتغيير النظام في بلدنا، أو تدمير الثورة، والحال سواء بسواء.

إن أكثر من نصف قرن من المعركة الدائمة قد علّمت شعبنا بأن التردد هو مرادف للهزيمة.

مهما حدث، لن نتنازل أبداً أمام الابتزاز، جاء هذا من أي بلد أو من أي مجموعة بلدان مهما بلغ جبروتها. من حقنا أن ندافع عن أنفسنا.

إذا كانوا يسعون لحشرنا، فليعلموا بأننا سنعرف كيف نتحصّن، أولاً في الحقيقة وفي المبادئ. سنكون من جديد صامدين ورابطى الجأش وصابرين. الأمثلة في تاريخنا تزيد عن الحاجة!

هكذا كافح مناضلونا الأوائل الابطال في الحروب من أجل الاستقلال في القرن التاسع عشر!

وهكذا ألحقنا الهزيمة بآخر هجوم شنّه عشرة آلاف جنديّ من الدكتاتورية المدججين بالسلاح، الذين واجههم في البداية مائتا مقاتل ثائر خاضوا تحت القيادة المباشرة للقائد العام فيدل كاسترو روز، وعلى مدى 75 يوماً، بين الرابع والعشرين من أيار/مايو والسادس من آب/أغسطس من عام 1958، أكثر من 100 معركة، بما فيها أربع في منطقة صغيرة تتراوح مساحتها بين 650 و700 كيلومتر مربّع، أي، منطقة أصغر مساحة من مدينة هافانا. تلك العملية الكبرى حسمت مجرى الحرب، وبعد ذلك بأربعة أشهر ويزيد جاء انتصار الثورة، مما حمل القائد إرنستو غيفارا على أن يكتب في يومياته الحربية: “خرج جيش باتيستا مكسور الشوكة من هذا الهجوم الأخير على سلسلة جبال سييرّا مايسترا”.

ولم يخيفنا الأسطول اليانكي أيضاً قبالة شاطئ خيرون [خليج الخنازير] عام 1961. أمام ناظرهم قضينا على جيشهم المرتزق في ما شكّل أول هزيمة لمغامرة عسكرية للولايات المتحدة في هذه القارة.

وهذا ما فعلناه مجدداً عام 1962 خلال أزمة أكتوبر [أزمة الصواريخ]. لم نتراجع مليمتر واحد أمام التهديدات الوحشية التي أطلقها عدوّ كان يصوّب إلينا أسلحته النووية ويستعد لغزو الجزيرة؛ ولا حتى فعلنا ذلك عندما حاول قادة الاتحاد السوفييتي، حليفنا الرئيسي، في وضع بالغ الصعوبة وكان مصير الثورة يعتمد على دعمه، حاولوا بلا احترام أن يقنعونا، بعدما تفاوضوا من وراء ظهرنا على شروط حل الأزمة، أن نرضى بالتفتيش داخل أراضي وطننا للتحقق من سحب أسلحتهم النووية، وقلنا بأنه في أحسن الأحوال يمكنهم القيام بذلك من على متن سفنهم في المياه الدولية، ولكن في كوبا.. أبداً.

إننا متأكدون بأن ظروفاً أسوأ من تلك يصعب أن تتكرر.

وفي مرحلة أحدث عهداً، أظهر الشعب الكوبي بشكل راسخ قدرته على المقاومة وثقته بنفسه عندما عانت كوبا، كمحصّلة لاندثار المعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفييتي، انخفاض إجمالي ناتجها المحلي بنسبة 35 بالمائة، وتقلّص تجارتها الخارجية بنسبة 85 بالمائة، وفقدانها لأسواق صادراتها الأساسية، مثل السكر والنيكل والحمضيات وغيرها، التي انخفضت أسعارها بمقدار النصف، واختفاء القروض بشروط مؤاتية، بما تبع ذلك من توقف للاستثمارات الحيوية الرئيسية مثل أول محطة كهرو-نووية ومصفاة سيينفويغوس، وانهيار المواصلات والبناء والزراعة مع التوقف الفجائي ومرة واحدة للامدادات من قطع الغيار للتقنية والأسمدة والأعلاف والمواد الأولية للصناعات، مما أدى إلى شلل مائة بالمائة من المصانع والتدهور المفاجئ كماً ونوعاً لغذاء شعبنا وصولاً إلى ما دون المستوى اللازم. جميعنا عانينا فصول الصيف الحارّة تلك خلال النصف الأول من عقد التسعينات من القرن الماضي بانقطاعات للتيار الكهربائي تزيد مدة الواحد منها عن الاثنتي عشر ساعة بسبب نقص الوَقود اللازم لتوليد الكهرباء؛ وبينما كان يحدث كل هذا، كانت عشرات الوكالات الصحفية الغربية، ومن دون أن يخفي بعضها بهجته، ترسل مراسليها إلى كوبا لكي تكون الأولى في نقل وقائع الهزيمة النهائية للثورة.

في خضم ذلك الوضع المأساوي، لم يُترك أحد لمصيره وظهرت جلياً القوة التي تبعثها وحدة الشعب حين يتعلق الأمر بالدفاع عن أفكار عادلة وعن إنجاز تم تحقيقه بكثير من التضحية. فقط النظام الاشتراكي، وبالرغم من عيوبه ونواقصه، قادر على تجاوز ذاك الامتحان العسير.

وعليه، فإنها لا تؤرقنا المناوشات الراهنة لهجمة الرجعية الدولية، المنسَّقة كالعادة، من قبل الذين لا يتقبّلون الإدراك بأن هذا البلد لن يركع ابدا، بأي طريقة كانت، وأنه يفضّل الاختفاء من الوجود قبل ذلك، كما أثبتنا في عام 1962.

قبل 142 سنة فقط من اليوم، في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 1868، بدأت هذه الثورة. في ذلك الوقت كان الصراع مع استعمار أوروبي قيد الانحطاط، وهو كفاح جرت مقاطعته دائماً من قبل الإمبريالية الأمريكية حديثة الولادة التي لم تكن تريد لنا الاستقلال، إلى أن تسقط “الثمرة الناضجة” بفعل “الجاذبية الجغرافية” بين يديها. هذا ما حدث بعد ذلك الموعد بثلاثين سنة من حروب خاضها وتضحيات قدمها الشعب الكوبي.

اللاعبون الخارجيون يقومون الآن بتبادل الأدوار فيما بينهم. منذ أكثر من نصف قرن والإمبراطورية الأكثر حداثة وجبروتاً على وجه الأرض تعتدي علينا وتحاصرنا بشكل متواصل، مستعينة الآن بالمقاطعة المترتبة عن “الموقف المشترك” المشين، الذي ما يزال على حاله بفضل ضغوط بعض البلدان والقوى السياسية الرجعية من الاتحاد الأوروبية بشروط متنوعة مرفوضة.

اننا نتساءل: لماذا؟ ونرى بكل بساطة ومن حيث الجوهر، أن هؤلاء اللاعبون ما زالوا هم أنفسهم، ولا يتخلون عن طموحاتهم القديمة في السيطرة.

يدرك الشباب الثوري الكوبي تماماً أنه في سبيل حماية الثورة والاشتراكية، ومواصلة السير في طريق العزة والحرية ما زالت أمامهم سنوات كثيرة بعد من الكفاح والتضحيات.

في ذات الوقت، تحدّق بالبشرية تحديات هائلة، وينبغي على الشبان، في المقام الأول، مواجهتها. يتعلق الأمر بالدفاع عن بقاء الجنس البشري بحد ذاته، الذي يهدده التغير المناخي اليوم أكثر من أي وقت مضى، وهو تغيّر يتسارع بفعل معايير الإنتاج والاستهلاك اللاعقلانية التي تكرّسها الرأسمالية.

نحن اليوم سبعة مليار انسان على وجه الأرض. نصفهم من الفقراء، ألف وعشرون مليون يعانون الجوع. يجدر التساؤل: ماذا سيحدث في عام 2050، حين يصل عدد سكان العالم إلى تسعة مليار وتكون شروط الحياة على وجه الأرض قد تدهورت بشكل أكبر بعد.

المهزلة التي انتهت إليها القمة الأخيرة المنعقدة في العاصمة الدانماركية في شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي هي إثبات على أن الرأسمالية بقوانين سوقها العمياء لن تقوى أبداً على حل هذه المشكلة ولا غيرها من المشكلات الكثيرة. إنما الوعي وحده وتعبئة الشعوب والإرادة السياسية عند الحكومات وتقدم المعرفة العلمية والتكنولوجية ما يمكنه أن يمنع انقراض الإنسان.

وفي الختام أود أن أذكر بأنه في شهر نيسان/أبريل من العام القادم يمر نصف قرن على إعلان الطابع الاشتراكي للثورة وعلى الانتصار الساحق على غزو المرتزقة في شاطئ خيرون. سنحتفل بهذين الحدثين الهامّين في كل ركن من أركان البلاد، بدءاً من باراكووا (اقصى شرق كوبا/المترجم)حيث حاولوا إنزال كتيبة، وحتى أقصى غربي البلاد، وسنقوم في العاصمة بمسيرة شعبية كبرى واستعراض عسكري، وفي جميع هذه النشاطات سيكون الشغيلة والمثقفون والشباب هم المضطّلعون الرئيسيون بها.

بعد أيام قليلة، في الأول من أيار/مايو، سيقدم شعبنا الثوري رداً ساحقاً على طول البلاد وعرضها، في الشوارع وفي الساحات العامة، على هذا التصعيد العدواني الدولي الجديد.

لا تخشى كوبا الأكاذيب ولا تركع أمام الضغوط أو الاشتراطات أو الإملاءات، أتت من حيث أتت، إنها تدافع عن نفسها بالحقيقة، التي تفرض نفسها دائماً، عاجلاً أم آجلاً.

قبل 48 سنة من الآن، في مثل هذا اليوم، ولد اتحاد الشبيبة الشيوعية. في ذلك الرابع من نيسان/أبريل 1962 التاريخي، أكد فيدل:

“إن الإيمان بالشباب هو أن ترى فيهم، بالإضافة الى الحماس، أهلية؛ وبالإضافة الى الطاقة، مسؤولية؛ وبالإضافة الى الشبوبية، طهارة، بطولة، شخصية قوية، إرادة، حب للوطن، إيمان بالوطن! حب للثورة، إيمان بالثورة، ثقة بأنفسهم! قناعة عميقة بأن الشبيبة قادرة، بأن الشبيبة كفؤة، قناعة عميقة بأنه على كاهل الشبيبة يمكن إيداع مهام كبرى”.

هكذا كان الأمس، وهكذا هو اليوم، وهكذا سيكون الغد.

شكراً جزيلاً.