بماذا تبتز اسرائيل بعض كوادر مؤسسات السلطة الفلسطينية؟

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2231)

سأذكربعض الشواهد المعلنة لتكون مدخلا لما سأتناوله لاحقا في محاولتي للاجابة على السؤال الذي يطرحه العنوان.

الشاهد الاول هو القبض على العديد من المتعاونين مع اجهزة المخابرات الاسرائيلية من بين العاملين في اجهزة الحماية واجهزة الامن التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية بشكل عام ولحركة فتح بشكل خاص. ففي عملية اغتيال ابو أياد كان هناك متعاونون، وقيل نفس الشيء قبلها عن عملية اغتيال ابو جهاد ومن قبلها على مسلسل اغتيالات قادة وكوادر المنظمة في بيروت وغيرها من العواصم، ومنهم ابو يوسف النجار وكمال عدوان وماجد ابو شرار، ثم تواصل هذا المسلسل وبإستسهال وتداخل ملفت وبتكاليف بسيطة لا تقارن مع تكاليف الاغتيالات التي نالت من القيادات والكوادر الفلسطينية خارج فلسطين في الفترة التي سبقت اتفاقية اوسلو، نعم تواصل نهج التصفية الاسرائيلي لكل ما هو نوعي في كيان منظمة التحرير وبنيتها الاساسية وفصائلها الرئيسية ناهيك عن الفصائل الاخرى كحماس والجهاد، وذلك على صعيد الافراد والبرنامج والتعبئة والتنظيم والتمويل والتدريب. فعمليات الاغتيال قبل اوسلو كانت محدودة ومقننة ومكلفة وغير مضمونة، بحكم حصانة المنظمة المعتمد على اليقظة المقاومة والتي تقتضيها اي مواجهة مع عدو قادر وفاجر وغادر، عدو لا يتمسكن الا ليتمكن، ولا يجنح للسلم الا لينتزع الاستسلام بعد ان يكشف كل اسرار عدوه ويستدرجه للمكان والزمان الذي يحدده هو وبشروطه ثم لينهال متدرجا عليه، ومن جميع الجهات حتى يفترسه، ووقتها سيكون الوقت متاخرا ليستعيد المغدور به زمام المبادرة حتى وان اراد ذلك وبكامل ارادته لانه وقتها يكون قد فقد نفسه بفقدان حسه الامني المتأتي من موقف الحسم في المواحهة، والذي لا ينزل بمراسيم حتى ولو كانت رئاسية انما يصعد من معمعان المقاومة ذاتها وما تفرضه من قيم وتقاليد واخلاقيات وممارسات وتلمس مستنفر يشمشم المخاطر بالخبرة قربا وبعد.

هذه المرة كانت الاغتيالات مكثفة بتقصدها لكوادر حماس والفصائل الفلسطينية غير المتعاونة امنيا مع الاجهزة الاسرائيلية كما حصل ذلك في اغتيال الشهيد احمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وعياش وايضا باغتيال المناضل البارز ابو علي مصطفى امين عام الجبهة الشعبية، ثم توج باغتيال قائد منظمة التحرير ورمزها الشهيد ياسرعرفات.

الان تتسرب الاخبار عن ان اعتقال مروان البرغوثي كان يهدف لمساعدة جناح اخر في السلطة للتمكن من التنظيم ومن ثم للنيل من عرفات نفسه، اسرائيل الان تعرف كل صغيرة وكبيرة وربما تعرف ما يدور بغرف نوم قادة السلطة، كيف لا اذا اصبحت كل اسرار الاجهزة الفلسطينية ومنتسبيها بحوزة اسرائيل وهي تتعاطى معها يوميا، اداريا وامنيا وماليا وتفاوضيا!!

الشاهد الثاني هو ما اعلنته حماس عن طبيعة موجودات مقرات الامن الوقائي التابع للسلطة الفلسطينية في غزة عندما اقتحمتها ومشطتها وطهرتها مما كان فيها بعد سيطرة قواتها على القطاع ـ اشرطة مصورة عن افراد وشخصيات بأوضاع بعضها مخل والاخر شاذ وتسجيلات توثق مكالمات تدين اصحابها ـ اضافة الى وثائق تؤكد حقيقة التنسيق الامني بين جهاز الامن الوقائي الفلسطيني والمخابرات الاسرائيلية وايضا وجود علاقات خاصة موثقة بالثقة المتبادلة والمحصورة بغاية السرية بين مراتب معينة فلسطينيا واسرائيليا!

الشاهد الثالث هو الشريط المصور الذي بثته القناة العاشرة الاسرائيلية مؤخرا والذي يظهر السيد ـ الحسيني ـ احد مستشاري ابو مازن باوضاع فاضحة مع اثنين من النساء، مما اضطر الحسيني للاستقالة، وجرى معاقبة احد ضباط الامن الوقائي لمسؤوليته عن هذا العمل، ثم صدور تعليمات رئاسية من قبل السيد ابو مازن بمنع تدخل الجهات الامنية بالحياة الشخصية للمواطنين او المسؤولين.

الشاهد الرابع هو تنفيذ حكم الاعدام مؤخرا ووفق قرار قضائي باثنين من المتعاونين مع المخابرات الاسرائيلية في قطاع غزة، وبتهم مثبتة عن الارشاد ونقل المعلومات والمشاركة المباشرة بعمليات للجيش الاسرائيلي، وهم متنكرين!

الشاهد الخامس ما جرى اعلانه عن عملية اغتيال المبحوح، ومن ان الرجل كان مرصودا منذ ان كان في دمشق وان هناك متعاونين مع الموساد من مصدر تحركه صوب دبي!

هذه الشواهد وغيرها الكثير تؤكد ان الخاسر الحقيقي هو الشعب الفلسطيني نفسه ان كان في الشتات او الضفة او غزة او اراضي 48، الخسارة الكبرى من تحول منظمة التحرير الى شريك لاسرائيل ولا نريد قول تابع لها في عملية تقزيم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وكانها مجرد حق بالادارة المدنية الذاتية في ظل الاحتواء الاسرائيلي ارضا وبحرا وسماء، وذلك من خلال تفكيك كل الشيفرات التنظيمية والسياسية امامها لتعبث بها كما تشاء، واسرائيل لا تكتفي بذلك فهي تعمل على ابتزاز افراد السلطة واجهزتها بما تعرفه عنهم وعنها او بما تورطهم وتورطها به لنيل المزيد من التنازلات والمساومات، وفي اسوء الاحوال حرفهم وحرفها عن الاهداف المطلوبة منهم ومنها فلسطينيا!

أن احد اهم اساليب المخابرات الاسرائيلية في ترويض الخصوم هو السعي المتعمد لافسادهم عن قرب او توريطهم ومن وراء الستار بفضائح مالية او اخلاقية او سياسية تكون قد وثقتها وبالادلة القطعية والصارخة لتحتفظ بها كاوراق ضغط عند اللزوم او التسقيط عندما يشكل استمرار صاحبها في موقعه اعاقة لتغلغلها المطلوب هنا وهناك، او لتليين تصلبه في هذه النقطة او تلك، التهديد بالفضائح يؤدي الى منافع مباشرة او غير مباشرة للاجهزة الاسرائيلية ومنها انتزاع اعترافات ضرورية لكشف ما لا تعرفه تلك الاجهزة وايضا لاجبار بعضهم على اتخاذ مواقف تصب بالمصلحة الاسرائيلية، واذا كانت الاجهزة الامنية والمخابراتية الاسرائيلية تتعامل بأقذر الوسائل، وبما لا يخطرعلى بال بشر مع من تشك فيه من مواطنيها، وحتى بينها البين اثناء تنافس فرق عملها مع بعضها طمعا بالمزيد من الامتيازات، ليصعد بعضهم على اكتاف الاخر حتى يكون بمقدوره الاستحواذ على المزيد من المراتب والنفوذ، اذن كيف سيكون تعاملها مع من تعتبرهم حجر عثرة في طريقها وهدفا مرسوما منذ البداية لنشاطاتها الاجرامية؟؟