المراكز الثقافية وحوار الحضارات

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2232)

تلعب المراكز الثقافية أدواراً مهمة، منها التعريف بثقافة البلد الذي ينتمي إليه المركز وتقديمها بصور شتى إلى جمهور البلد الذي يستضيف ذلك المركز، والعكس صحيح أيضاً، إن المراكز الثقافية من المفترض أن تكون جسوراً أساسية في منظومة لعبة حوار الحضارات، تلك التي أصبح الجميع يطالب بها ولا يمل من تكرار ركائزها وشروطها.

إلى أي مدى تقوم المراكز الثقافية الأجنبية في بلادنا بهذا الدور؟ وهل نجحت المراكز الثقافية العربية في الخارج في تقديم ثقافتنا إلى الآخر؟ بل، وهو الأهم، هل استطاعت التواجد الفعلي بين الجاليات العربية هناك؟ أسئلة عدة حول أدوار ومهام هذه المراكز طرحناها للنقاش في هذا التحقيق، ولم نكن نتصور أن آراء معظم المشاركين ستتطرق إلى مجمل قضايا العلاقة مع الآخر.

يؤكد د.يوسف نوفل، أستاذ النقد الأدبي بجامعة عين شمس، أن التفاعل مع الآخر بوجه عام، يثري الحياة الثقافية، وقد أثبت التاريخ صحة ذلك على مدى العصور والحضارات، بل إن التطور الحضاري في عمر البشرية مدين في أساسه للتفاعل والتأثير والتأثر بين الحضارات جميعها.

من هنا يمكن القول إن الثقافة الأجنبية في بيئات الأدب العربي المختلفة تثري بالضرورة الحياة الثقافية، وتنشئ نوعاً من الحوار وتبادل الآراء، والرأي والرأي الآخر، لذا فإن هذه المراكز ذات تأثير قوي، وإيجابي في معظمه مهما لاحظنا أن بعضها موجه توجيهاً سياسياً أو أيديولوجياً، لكن في النهاية مادامت الحضارة (المستقبلة) تثق بذاتها الثقافية، فلا ضير من أي تأثير سلبي.

ويضيف د.يوسف نوفل، في ما يخص بث الثقافة العربية في منابر أجنبية، فإن هذا معترف به منذ العصور الوسطى، حيث كانت الحضارة العربية تمثل إشعاعاً قوياً في مراكز إسبانيا، الأندلس وصقلية والقيروان، ثم بعد ذلك نجد معهد الدراسات العربية في إسبانيا حتى الآن، بإشراف مصري، وهناك أيضاً معهد اللغة العربية في ألمانيا وتمويله عربي ويعمل بشكل دؤوب، ومن أعلامه المستشرق التركي “محمد فؤاد سيزكين” الذي حصل على جائزة الملك فيصل العالمية، تضاف إلى ذلك المكاتب الثقافية في سفارات الأقطار العربية جميعها، ونلحظ أن هذه المراكز تختلف في قوتها حسب شخصية المشرف عليها والقائمين على أنشطتها، كما أن التعثر المادي أحياناً يقلص حجم أنشطتها المهمة، لذلك ومن أجل هذه الأهمية فهذه المراكز بحاجة إلى الدعم والإشراف اللازم خاصة من قبل جامعة الدول العربية.

ويرجح الروائي جمال الغيطاني كفة إيجابية المراكز الثقافية، وفي لمحة تاريخية سريعة يؤكد أن أغلب المراكز الثقافية الأجنبية في مصر كانت ولم تزل لها ضرورة كبرى في إثراء المحيط الفكري العربي والمصري، مشيراً إلى أنها كانت من أهم وسائل جيل الستينات للتواصل مع العالم مثل المركز الثقافي السوفييتي، والفرنسي والأمريكي والهندي، ويخص المركز الثقافي التشيكي الذي كان يديره الناقد والفنان التشكيلي الراحل “أحمد فؤاد سليم”، حيث كان هذا المركز يجسد بالفعل الأهداف الحقيقية في مضمار الثقافة والتفاعل مع الآخر، وكان تأثيره يمتد إلى شرائح المجتمع المختلفة، كما أن جميع هذه المراكز أسهمت بشكل ما في وضع جسور لتبادل الثقافات والتعرف إلى فكر وثقافة الآخر.

ويوضح الغيطاني أن هذه المراكز الآن على ضرورتها ليس لها نفس التأثير، فالتطور الذي حدث في وسائل الاتصال وسهولة الوصول للمعلومات والاطلاع الالكتروني جميعها عناصر جذبت العقل البشري نحوها حيث التوفير في عاملي الوقت والحركة، فإذا كنت أحرص في الماضي على متابعة فعالية فنية أو مشاهدة فيلم أجنبي جديد في المركز الثقافي فأنا اليوم أشاهد الفيلم بعد دقائق معدودة من تحميله، إذن وسائل الاتصال أضعفت بعض الشيء دور هذه المراكز.

ويرى الغيطاني أيضاً أنه إذا كانت هناك مراكز ثقافية لها أجندة مشبوهة، فهذا لا يعني أن نغفلها، بل العكس هو الذي يتحتم فعله، بمعنى الرصد والمتابعة والاختيار الدقيق في مادتها الثقافية بل وتحليليها، لأن ذلك يسهم في قراءة الفكر والفكر المضاد، فلا أتخيل مثلاً أن مراكز مثل المركز الثقافي “الإسرائيلي” يعمل لوجه الله، فهناك مراكز بالأساس تخدم دولها وعلينا من خلال هذه القراءة تحفيز جاهزيتنا دائماً والتفاعل مع ما يتسق وفكرنا وتراثنا وتطلعاتنا الثقافية، وعلى سبيل المثال فإن معهد “جوته” الألماني والذي شاركت في أنشطته، وكانت مجلته “فكر وفن” التي يصدرها ذات أهداف ثقافية رفيعة، لكنها الآن تراجعت فتراجع متابعوها لأنها تحض عبر مضمونها على التعصب والكراهية وهذا لا يصح في مكان أنشئ بالأساس لدعم الأفكار النبيلة وتوجيهها وجعلها وشائج للتواصل بين المجتمعات المختلفة.

وعن المراكز الثقافية العربية في الغرب يقول الغيطاني إن طه حسين أنشأ مركزاً ثقافياً في مدريد في وقت مبكر، عمل هذا المركز لسنوات على تقوية العلاقات العربية بإسبانيا، حتى إن عشرات الإسبان تعلموا اللغة العربية من خلاله، وكانت أعداد هائلة منهم تقبل على هذا المركز، كما أن فرنسا أتاحت فرصة كبيرة ونادرة للعرب، حين أنشأت معهد العالم العربي بباريس الذي تمتع خلافاً للمراكز الأخرى هناك بالنشاط الجيد والموقع المتميز حيث يقع في مواجهة روتردام، غير أنه للأسف نجد العرب نقلوا خلافاتهم للمعهد وأهملوه حتى إنهم لا يدفعون اشتراكاتهم، وإجمالاً فأنا أرى ضرورة بالغة للمراكز الثقافية الأجنبية وكذا المراكز العربية في الغرب لكن في سياقها الحقيقي المنوطة به، مع العلم بأن هذه المراكز تعمل في إطار رسمي ولابد من الانتباه لذلك في مسألة تقييم أدائها.

أهمية

وعلى جانب آخر يرى الروائي بهاء طاهر أن هذه المراكز لم تكن وسيلة اتصال فعالة بين الثقافة الوطنية والأجنبية ولا يتجاوز دورها بعض المحاضرات والندوات، والمثقفون يستطيعون الاطلاع بشكل أفضل عبر وسائل أخرى، والمراكز الثقافية لا تؤدي دورها الأهم، وهو الإسهام في تعريف الثقافة المصرية بالغرب والعكس، بل إنها في بعض الأحيان تؤدي دوراً سلبياً، بإقحام مفاهيم أو مواد ثقافية غير مرغوب فيها، ولعل المركز الثقافي الفرنسي بمصر كان أنشط المراكز حيث كان يحوي مكاناً أشبه بالمكتبة المتنوعة، كانت بدورها هي المكون الأنشط في المراكز وكنا نذهب للاطلاع فيها.

ويتفق بهاء طاهر مع الغيطاني حول معهد “جوته” الذي يراه أقل نشاطاً مما كان عليه سابقا، فالمعهد يحاول فقط أن يقدم الثقافة الألمانية بشكل مستمر، لكن دوره الأهم هو نقل ثقافة المكان الذي يوجد فيه، والحال نفسه تقريباً ينطبق على بقية المراكز الثقافية سواء المركز الثقافي الأمريكي أو الروسي أو غيرها من المراكز.

يضيف طاهر أنه للأسف أيضاً فإن المراكز المماثلة للعرب في الغرب لم تستطع في الوقت الراهن أن تكون وسيطاً فاعلاً لنقل الثقافة والفكر العربيين في أماكنها، فعلى سبيل المثال معهد العالم العربي بباريس انتقلت إليه الخلافات العربية وأثرت فيه تأثيراً سلبياً، والمركز الثقافي المصري بروما أو أكاديمية الفنون مقصورة فقط على من لهم صلة بوزارة الثقافة المصرية أو المؤسسة الرسمية، ولا يقدم أي مساعدة للمثقفين غير التابعين لها، كما أن الكتب تصدر مترجمة بالإيطالية، وخلاصة ذلك فإن المركز لابد أن يؤدي نوعاً من التفاعل بين الثقافات وأن يتحلى بالموضوعية فيما يقدمه، كما لابد أن يؤدي خدمة رئيسية في الجانب الثقافي للبلد المقام فيه، أما المركز الثقافي الوحيد الذي يؤدي خدمات جيدة كما يقول طاهر فهو المركز الثقافي المصري في سيراليون الذي أنشئ في الستينات في “فري تاون”، ويشهد إلى الآن إقبالاً كبيراً، متسائلاً: لا أعرف إذا كنا ندعمه أم لا؟

ويشير إلى مفارقة في هذا السياق، حيث دعاه المركز الثقافي المصري بأثينا في اليونان منذ أسابيع بمناسبة ترجمة روايته “واحة الغروب” الحائزة على جائزة البوكر في طبعتها العربية إلى اليونانية، للحديث عن هذه الترجمة، يقول طاهر إنه لاحظ نشاطاً جيداً في هذا المركز، الذي يديره د.طارق رضوان، حيث يشهد إقبالاً كبيراً من المصريين والعرب هناك، كما أنه يعطي بانتظام دروساً في مصر لم يشر من بعيد أو قريب إلى هذه الخطوة، قائلاً: وكنت أظن أن يكون هناك تعاون بين المركزين واستغلال هذه المناسبة أو غيرها لتعزيز العلاقات الثقافية بين البلدين.. حيث من الضرورة أن تعي جميع المراكز الثقافية سواء الأجنبية الموجودة في الدول العربية أو العكس، كافة العناصر التي تسهم في تعزيز العلاقات الثقافية وكل مناسبة من الضرورية استغلالها في ذلك.

محمد ولد احظانا، المفكر والباحث الموريتاني يقول: على كل حال المراكز الثقافية الأجنبية لعبت دوراً لا بأس به في الحراك الفكري والإبداعي العربي، وخاصة المراكز الثقافية الأجنبية الشرقية التي حملت طابعاً ايديولوجياً، في ترجمة الفكر والآداب والتوعية بالكتب الكبيرة، فقد أطلعت القارئ العادي على بعض الخلاصات الفكرية والثقافية الغربية. وأنتج ذلك الاحتكاك نوعاً من التفاعل الثقافي، في حين لجأت المراكز الثقافية الغربية إلى الانزواء والتعامل مع النخب التي درست باللغات الأجنبية ما أدى للكثير من السلبية، فالنخبة العربية الناطقة باللغات الغربية تنتج نمطاً فكرياً أشبه ب”الدبلجة”، فمؤلفاتهم وإنتاجاتهم غالباً هي إعادة ترجمة بدل تأليف، وترجمة أيضاً تبتعد عن الأصالة والإبداع، وتركن إلى التقليد والاقتباس والتكرار. حتى إننا نشاهد مثقفين عرباً يستشهدون بمقولات في روايات وأشعار ومؤلفات فكرية غربية بينما هذه الأقوال المستشهد بها وجدت في تراثنا العربي قبل الآخرين. إذ لا يميز هؤلاء بين ما أخذ من إبداع قومهم، ويستهلكونه على أنه من إنتاج آخرين. وقد أنتج ذلك ظاهرة غير حميدة في جزئيات لعل من بينها عقدة نقص لدى بعض المبدعين العرب الذين يرون سن “البلوغ الفكري” في الاستشهاد بالمبدعين الغربيين، وهو ذلك الاستشهاد غير الواعي وغير المطور والمكمل.

أما عن الحركة المضادة، أي المراكز العربية في الغرب، فدورها محدود وينحصر في دوائر ضيقة نظراً لعدة أسباب منها اكتفاء الغرب ذاتياً بثقافته واعتقاده بتفوقها.

وبعد الاحتكاكات الأخيرة مع العالم العربي، نتج نوع من الحراك لأن الغربيين سعوا للاطلاع أكثر على العقليات العربية والإسلامية. لكن المراكز الثقافية العربية في الغرب لم تسهل تلك المهمة فالحضور الثقافي والفكري والإبداعي خجول ويتمثل في مكتبات عشوائية وقطرية موغلة في المحلية، وتظاهرات محدودة، لذلك أدت جزء الرسالة، وعجزت عن أغلبها. بل كانت المراكز الثقافية الإسلامية الإيرانية والماليزية مثلا، أكثر تأثيراً من العربية.

ولا ننسى أن الغرب أراد المنتج الثقافي العربي بشكل “جزئي” لأنهم لا يريدون إطلاع الجمهور على الثقافة العربية كثقافة شاملة لأمة واحدة، ولذلك تراهم يهتمون مثلاً بالحفريات عن البابليات والفرعونيات، والآثار القديمة، أي الثقافة العربية كمائدة ماضوية وليست الثقافة الراهنة، فهم يتعاطون مع الشرق حفرياً ويقدمونه لجمهورهم على هذا الأساس.

تذبذب

الناقد الموريتاني الشيخ ولد سيدي عبد الله يقول: أعتقد أن المراكز الثقافية الأجنبية في العالم العربي وجدت لغرض نشر ثقافتها، وخلق مفكرين عرب ينطلقون من روحها ويشكلون أرضية صلبة لتواجدها السياسي والاقتصادي، ومن الواضح أن هذه المراكز تختلف اليوم عنها منذ خمسين سنة مضت، بحيث إنه كانت هناك شخصيات أجنبية ذات بعد استشراقي، أسهمت في خلق نوع من الحوار الثقافي بين العرب والغرب، وكانت نتيجة ذلك بارزة في كم الترجمات من وإلى اللغة العربية، برغم ما اكتنف مصطلح (الاستشراق) من تذبذب وشك في المصداقية.

إلا أن تلك المراكز اليوم ابتعدت عن هذه الرؤية بسبب زيادة تبعيتها الصارخة للسياسة والاقتصاد، ما أدى إلى تغير جذري في أهدافها، فلم تعد مساهمة في صنع الحوار والتبادل الثقافي المنشود بين العرب والغرب، وإنما أضحت رسالتها قائمة على تحجيم القناعة الشعبية العربية بثقافتها، وإرغامها على التغريب والتنكر للهوية.

أما المراكز الثقافية الأجنبية غير الغربية فلا يزال دورها محدوداً (اليابان، كوريا، الصين، إيران، تركيا، الهند، مثلاً). وذلك عائد إلى السياسات الوطنية الداخلية في بعض هذه البلدان ومن جهة أخرى تركيزها على الغرب في التبادل الثقافي، أو لعوامل سياسية مع بعض هذه البلدان وعوامل كثيرة أخرى.

أما المراكز العربية في الغرب فلا أخال أن دورها يذكر، ولا أعتقد أنه أيضاً سيذكر ما دامت المؤسسة العربية الرسمية في قطيعة تامة مع المثقفين ورجال الفكر وتصنفهم في الخانة المعروفة.

ولعل أبرز العيوب التي أعاقت انتشار وتأثير الثقافة العربية حتى في الوسط العربي نفسه قبل الغرب هو عدم الاعتماد على الإداريين الفنيين المثقفين الذين يملكون رؤية استراتيجية للثقافة ذاتها. فالشأن الثقافي أو القرار الثقافي في الوطن العربي يوكل لموظفين أو عمال وليس إلى ذوي العقول التي يمكنها النفاذ بالثقافة إلى أبعادها وتأثيراتها المفترضة.

بل كان دور بعض الأفراد من المبدعين والأساتذة الجامعيين والمهاجرين إلى الغرب أكبر من دور تلك المراكز التي لم تتجاوز شكليات للأسف.

امتداد

تقول الكاتبة كلاديس مطر: أرى أن أمتنا العربية اليوم بحاجة إلى طفرة في الوعي. قفزة نوعية تدفع بنا بقوة إلى سكة أخرى تماماً بحيث نكون قادرين على امتلاك أدوات حياتنا سياسياً واجتماعياً واقتصادياً امتلاكاً يجعلنا نتطور وفقاً لمعطيات حياتنا وثقافتنا الخاصة وتراثنا الخاص والأهم وفق أحلامنا ورؤانا كشعب له ميزته وهمومه.

المراكز الثقافية الأجنبية تبدو كأنها تلوح في أفق آخر تماماً. فمهمتها هي الترويج لا لثقافة دولها فقط (وهو أمر ممتاز إن اقتصر على التعريف بها أدبياً أو اجتماعياً أو فكرياً أو تراثياً) وإنما لاجندتها السياسية بشكل خاص، إن هذه المراكز هي أرض أجنبية تماماً وهي محكومة من قبل وزارة التعليم والثقافة في بلادها أكثر مما هي معنية أو مدارة من قبل اعتبارات الدولة التي تقيم فيها. الحروب اليوم ابتعدت عن نمطها الكلاسيكي القديم لتتحول إلى قنابل عنقودية سياسية وثقافية واقتصادية تتحرك ببراعة وسرعة تحت عناوين كثيرة في كل اتجاه والمراكز الثقافية هي احدى اكبر واهم الوسائل قاطبة للغزو الجديد.

بعض المراكز الثقافية الأجنبية مثل البريطانية والفرنسية التي توجد في بلدان كانت تحتلها سابقاً مثل فلسطين وسوريا ومصر ولبنان والجزائر، إنما هي بشكل ما امتداد لهيمنة قديمة وإن كان من نوع آخر. صحيح انها لا تتدخل مباشرة في سياسة البلد ولكن اجندتها مثقلة بسياسة بلدها ووجهة نظرها.

قد يقال إن المراكز الأجنبية حرة في تقديم ما تقدمه ضمن مراكزها، لكن ماذا نقول عن الأشرطة أو الكتب مثلاً المخلة أو الإباحية والتي تروج، كجزء من حملة “الديمقراطية” الهادفة، إلى بعثرة المجتمع وتفتيته (على الساكت والناعم)، بحيث يسهل تمرير أفكار أخطر لاحقاً فوق جسده المنهك. ليست رؤيتي مبنية بالقطع على نظرية المؤامرة القديمة والمعروفة فأنا ما زلت احتمي وراء الكثير من البراءة في التعاطي مع شؤوننا، لكن ذاكرتي بالنسبة لهذا النوع من الانشطة متألمة لما رأت وترى وسترى لاحقاً من تعديات علينا باسم الثقافة.

أخطار

تقول كلاريس مطر: اتطلع لكي أرى مراكزنا الثقافية أكثر حسماً في بلدان العالم المختلفة. فليس المهم أن تنظم معارض سنوية لصناعات البلد وإنما نريدها أن تكون مراكز للتحدث عن ثوابتنا وهويتنا والأهم مشاكلنا الكبرى، وأن تعمل على توضيح معاناتنا فنحن شعوب، على الرغم من الابهار العمراني الذي نقدم أنفسنا من خلاله، ما زلنا نحمل جرثومة الاستعمار الطويل الذي ما زال راتعاً بين ربوعنا بألف شكل ولون، الحق ان الكثير من المراكز الثقافية العربية في الخارج اقتصرت على الحياة الاجتماعية الديوانية مثل الاستقبال في يوم الاستقلال والعزاء والزواج والدعوات الرسمية على العشاء من هنا وهناك، وأغلبها لا يحتوي إلا على موظف واحد أو اثنين مثل الأقسام الثقافية في سفاراتنا.

لقد تغير شكل الحرب اليوم، وتحول إلى اشكال مدنية من المقاومة. إنها حرب ثقافات طاحنة تبحث لكي تكون الغلبة لكل منها. فالحروب العسكرية يمكن أن تدمر مبان وتدك البنى التحتية المادية التي يمكن أن يعاد بناؤها لاحقاً، إلا أن الحرب الثقافية ذات الأجندة السياسية فهي تعمد إلى التسميم الروحي والوجداني البطيء وهي الأكثر خطراً على الإطلاق.

:::::

“دار الخليج”، 26/04/2010

http://www.alkhaleej.ae/portal/532a45ba-15d5-4845-b12c-29af4c212c79.aspx