لم يتعافى اقتصاد الغول/اميركا… ولكن لم تستغل ذلك الرخويات

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2232)

كيف يمكن توظيف المعلومة وحتى المعرفة في المقاومة وفي الصد والتماسك النفسي والثقافي، هل هذا قيد الإمكان؟ هل يمكن استخدام المعلومة كآلية مقاومة للرأسمالية المتغوِّلة في حقبة العولمة؟ وهل يمكن صد هجمة الهيمنة بالإعلام بالهيمنة المضادة للطبقات الشعبية على مختلف الصعد المحلية والقومية والعالمية؟ وجعل هذا الرد والصد مثابة شغل قوى المقاومة عالمياً ضد عولمة راس المال/المركز ولا سيما قيادتها الأميركية؟

ما اثار هذه التساؤلات، بله التحديات ذلك التناقض في الثنائية الأميركية في هذه المرحلة على الأقل:

· اقتصاد متدهور

· وسياسة خارجية توسع عدوانها، فبأي سيفٍ تضرب؟

كيف يمكن قراءة هذه المفارقة؟

البطالة سيدة الموقف

لم يكن من المبالغة القول أن الأزمة التي تورط فيها الاقتصاد العالمي بدءأً من المركز هي في أفضل تجلياتها ازمة ممتدة، أو “عتبة” (انظر كتاب عادل سمارة: أزمة الراسمالية المعولمة: عتبةً إلى الاشتراكية، 2009) نحو تفكك فلسفة ومن ثمَّ مبنى الاقتصاد الراسمالي وإن تدريجيا. صحيح ان البيانات اليومية الصادرة عن المصرف المركزي الأميركي وعن وزارة العمل وغيرها تضع المتتبع في دوامة تجعل من الصعب رؤية الصورة بوضوح، وذلك عبر ضخ بيانات تقول الاقتصاد تعافى هذا الشهر، والبطالة تراجعت هذا الأسبوع، وسجَّل داو جونز ارتفاعاً ملحوظا أمس…الخ. هذا التقارير ولا سيما تكرارها هي بهدف جعل المواطن مجرد مراقب محايد ومتتبع ومتلقي ليس اكثر.

لكن هذا لا يمنع من التقاط المؤشر العام للاقتصاد الأميركي الذي يبين أن عدد المفصولين عن العمل والباحثين عن عمل هو في تزايد وبأن هذا مؤشر على أن فرص التوظيف الجديدة ما تزال نادرة، وأن الوظائف الأميركية، أي فرص العمل، ترحل إلى الخارج بحثا عن الأجر الأدنى. وهذا ينقلنا بالطبع من الأجر الأدنى في دولة السيادة القومية إلى البحث عن الأجر الأدنى بشكل عولمي/ عولمة الأجر الأدنى.

مهما تلاعبت التقارير اليومية والأسبوعية، فإن حاكم البنك المركزي الأميركي، بن برنانكي لا يستطيع التهرب من الاقتراب من الحقيقة، على الأقل لأنه هو الذي سييجب عن سؤال التاريخ القريب : لماذا لم نخرج من الأزمة؟

في أحدث أحاديثه، قال بن برنانكي: ” ان البطالة هي التحدي الأشد الذي يواجه الاقتصاد. فرغم أن فصل العمال قد تباطىء، إلا أن الاستخدام ما زال ضعيفا جدا”.

لا غرابة بالطبع في انسجام هذين التطورين. فتباطؤ فصل العمال هو مؤشر على محاولات الاقتصاد التوصل إلى توازن معين أو استقرار نسبي يقلل من سرعة الاتجاه إلى القعر، ولنسمي ذلك المقاومة. وهذه المقاومة أو المحاولات ليست اليد الخفية invisible hand، أي ذلك العملاق الأسطوري الذي ينظم الاقتصاد دون تدخل الناس كما يفعل الثور حامل الكرة الأرضية على قرن واحد، بل هذه المحاولات والمقاومة هي أصحاب الأعمال ومصالحهم وذلك عبر استخدامهم للعمال. وفي حالة كهذه، اي تباطؤ طرد العمال، ليس شرطاً ان يترافق معه تنامٍ في التشغيل، لأن تباطؤ الفصل ما زال يعني وجود المرض، بمعنى أن تقليص الخسائر ليس شرطاً أن يعني تحصيل ارباحا!

وعزا برنانكي الانحباس في برزخ مأزق البطالة إلى وجود بطالة حتى من قبل الأزمة الحالية وتزايد أعداد ونسب العاطلين عن العمل في اعقاب حبوسات الرهن التي ترتبت على الأزمة نفسها. وقد وصلت البطالة إلى 9,7% هذا الشهر وهي نسبة رسمية حافظت على حالها ودرجتها منذ ثلاثة اشهر، وهذا بحد ذاته مؤشر ركودي. والمعروف لدى الاقتصاديين النقديين هناك في أميركا أن هذه النسبة الرسمية يجب أن تُضرب في إثنين للوصول إلى الرقم الحقيقي. وبالطبع، شأنه شأن اي رجل رسمي قال برنانكي: ” وصل الفصل عن العمل ادنى مستوى في شباط بينما التشغيل ظل أقل مما كان عليه قبل الأزمة بنسبة 40%، كما أن هناك شركات ما تزال تفصل عمالاً…بينما اصحاب الأعمال الذين يوظفون إنما يقومون بذلك بحذر “.

وهذا أمر طبيعي، فمتى لا يوظف أصحاب راس المال بحذر؟ قد يعيدنا هذا إلى التذكير بالتناقض بين طبيعة رأس المال وعقيدته. فطبقاً لطبيعته يفضل أن يمارس الاستغلال دون ان يدفع مقابل ذلك، اي لو تمكَّن فهو يفضل السخرة والعبودية. وحين يدفع أجرة لا يرتد هذا إلى قناعات والإيمان بالدفع بل للاضطرار. ألم يكن دفع الأجرة هو الذي امتص قوة العمل في أوروبا من القنانة إلى العمل المأجور، وبهذا انتقلت أوروبا الغربية من الإقطاع إلى الراسمالية؟ لذا وصل راس المال إلى حل وسطي وهو تبني سياسة الأجور الأقل. اي اعتماد العمل المأجور، ولكن بأقل أجرة ممكنة، الأجور المتدنية low wage capitalism. أما عقيدته وهي اللبرالية فهي مثابة ضخ إيديولوجي للتغطية على شره المصالح المادية وإخراجها بثوب أقل افتضاحاً. ومرة أخرى، لذا ترحل فرص التشغيل من أميركا إلى الصين.

لكن الأمر أكثر تعقيداً من الحديث المبسَّط عن حراك السوق، فالناس يكمنون دوماً وراء السوق، وراء البضاعة. يقول آلان جرينسبان، الحاكم السابق للبنك المركزي الأميركي، اي الذي انفجرت فقاعة الاقتصاد المضارباتي والرهوناتي في عهده، ان لا مخرج للاقتصاد الراسمالي بعقيدته الحالية. وكأن جيرنسبان يُلمِّح لنا كي نعرف بأن العلاجات ذهبت لتقوية الأقوياء وأن تدخل الدولة في الاقتصاد ما زال حذراً وقلقاً، ومناوِراً. وهذا طبعاً بقصد وليس بتوزيع هبنَّقة[1]“. فالولايات المتحدة ما تزال محكومة بالشراكة بين طبقة راسمالية مكونة من حزمة نُخب هي : النخبة السياسية الحاكمة، ونخبة التصنيع المدني، ونخبة التصنيع العسكري، والنخبة المالية والنخبة الإعلامية. فغمن المعروف أن أكثر من تريليون ونصف التريليون دولار التي صًبَّت في الاقتصاد الأميركي في عهدي جورج دبليو بوش وأوباما قد تركزت في ايدي هذه النخب المتشاركة مع بعضها البعض. فقد ذهبت الأموال إلى المصارف أو صناديق التحوُّط Hedge Funds التي اشترت بدورها اسهما في المصارف، وكذلك إلى المدراء الذين أعادوا تقوية مواقعهم بشراء اسهم في المصارف، وهو ما قاد إلى قفزات هائلة في اسعار اسهم المصارف. لكن هذه المصارف لم تقم بتقديم تسهيلات إقراضية ولا حتى بالتعامل فيما بينها بمرونة حيث يخشى كل مصرف ان يكون ألاخر على شفى الهاوية! لذا، يطالب أميركيون الحكومة بأن تمنع البنوك من تحقيق أرباح اكثر على السندات التي اشترتها، وذلك أن يقوم الفدرالي برفع الفائدة على ما تستلفه البنوك. هذا ما دفع اقتصاديين أميركيين للقول، إن أميركا على شفا تسونامي حبوسات الرهن، وبطالة لا تتجه نحو الانخفاض. وعليه فهم يطالبون أن تذهب الفلوس التي تضخها الحكومة إلى المواطنين لتمكينهم من الاستهلاك Less money to Wall Street and more to mainstreet، “أي اموال أقل إلى شارع المال وأموال اكثر إلى الشارع الرئيسي – اي الناس”. ولكن غذا فعلت الحكومة الأميركية هذا، تكون قد بدأت بهز اسس العقيدة الراسمالية/اللبرالية. إنها تفعل القليل من هذا ولكن…بصمت!

ماذا تفعل هذه الدولة العظمى طالما السوق ما زال ضعيف الأداء؟ سوق التشغيل، وسوق التسليف، وبالطبع سوق الاستهلاك؟

إن شريان الحياة هو السلاح. السلاح كإنتاج والسلاح كسوق والسلاح كمشروع تشغيل، اي الحرب. لذا، تواصل الولايات المتحدة حربها المتعددة الجبهات، في العراق وأفغانستان وكولومبيا وهاييتي، وتواصل توزيع جيش خبرائها الذي يشعلون الحروب وقد لا يحاربون جسدياً في السودان وكوسوفو والجمهوريات السوفييتية السابقة والعديد من الأمكان التي لا يُعلن عنها.

وهكذا، تأخذ السوق الأمريكية بعداً عالميا/تخارجياً اكثر واكثر، وينكمش السوق الداخلي. فالعالم هو سوق تشغيل الجنود الأميركيين والخبراء وخبثاء ال سي.آيه، والمستشارين السياسيين في السفارات حيث يحكم هؤلاء أين يكونون. وإلا ما معنى أن تعيين اي وزير أو رئيس وزراء في معظم دول العالم لا بد أن يكون لأميركا رايها فيه!

كما ان سوق تسويق المنتجات العسكرية الأميركية هو طبعا خارجي. وهذا يعني وجوب إشعال الحروب وبالتالي فتح الأسواق. الحقيقة أن من يطالع اخبار العالم يجد ان هذه المرحلة، اقصد الرأسمالية في حقبة العولمة قد فتحت أكبر عدد من الحروب في تاريخ الراسمالية. فما من بقعة إلا وبها اشتباكات إما محلية كالصومال، اليمن، السودان، الهند كولومبيا…الخ أو بين دولة وأخرى أو ودول أخرى، وبين قبيلة ودولة (حال اليمن) أو قبيلة وأخرى إن ضعفت الدولة (حال الصومال).

اقتصاد السلاح آلية للسياسة

لا يقتصر بيع السلاح على صفقات البيع بمعزل أو باستقلالية عن السياسة. بل إن بيع السلاح هو آلية للتبعية والإخضاع وتواصل الاحتراب، وهي عوامل تربط البلدان المشتبكة بتبعية للولايات المتحدة وبقية المركز تبعية صعبة الفكاك، لأن القوى والطبقات التي تبتاع الأسلحة وتستخدمها تقوم بذلك للحفاظ على مواقعها ومصالحها. وبالتالي يشكل هذا ضماناً لشراء الأسلحة الأميركية ويفتح باباً للتدخل الأميركي في الشؤون الداخلية لهذه التوابع. وعبر هذه الآلية يستمر تدفق فلوس بيع السلاح على الطغمة المالية الأميركية. وهذا من عوامل استمرار القدرة على التعاطي مع الأزمة كي لا تستفحل تماماً.

قد يفسر حديثنا هذا لماذا لا تستطيع بل لا تحاول دول في محيط النظام العالمي الخروج على التبعية لأميركا كما تفعل كوبا وكوريا الشمالية ولاحقاً كثيرة من دول اميركا اللاتينية. إن اميركا اللاتينية درسا هاماً، ففي الفترة من خمسنيات وحتى نهاية ثمانينات القرن العشرين كانت هذه القارة مسرحاً للصراعات الداخلية وانقلابات الزمر العسكرية وبالتالي للهمنية الأميركية، وهو الأمر الذي تغير اليوم. وهذا يعني أن وصول قوى وطنية وشعبوية إلى السلطة يشكل بداية الخروج على الهيمنة الأميركية.

التراخي أمام التراخي!

لا يقلل ما عرضناه أعلاه من كون الحرب هي صناعة راس المال، وإنها عقيدة الطبقة الحاكمة في الغرب بأجمعه، ولكن ما عرضناه يكشف عن الخلل البنيوي في الاقتصاد الأميركي. فهو تزايد في إنتاج الأسلحة، وبيعها وتوسيع لسوقها، ولكنه ليس توسيعا للسوق المحلي ولا تزايداً في دخل الطبقات الشعبية ولا تزايداً في توسيع نطاق التشغيل علاوة على مديونية هي الأعلى عالمياً، وهي مديونية لأنها تتصرف بفلوس الآخرين. فالاقتصاد الأميركي هو أكثر الاقتصادات مديونية في العالم حيث يعيش الأميركيون على مديونية من مختلف بلدان العالم. فما السر وراء ذلك؟ هل هو اقتصادي أم سياسي؟

يعني هذا خللاً بنيوياً، وتناقضاً مع الراسمالية بافقها القومي. هل هذا نتاج العولمة والتحول إلى دولة قومية/امبراطورية ؟

إذا كان ما نقوله صحيحاً، أليس المفترض أن تنفتح على جشع ودموية راس المال وهو في حالة التراخي هذه جبهتين:

· جبهة الحراك الشعبي داخل الولايات المتحدة

· وجبهة المقاومة من مختلف الأمم في الخارج. والمقاومة هنا هي في نطاق التوجه نحو فك الارتباط.

وهما جبهتان ليس المقصود بحراكهما فقط رفض الطبقات الشعبية لراس المال، لأن هذا الرفض يحتاج إلى عاملين على الأقل:

· وعي طبقي

· وقوى من الأحزاب والمثقفين الثوريين وليس الرخوين لرفع هذا الوعي.

ويبدو حتى اللحظة ان هذا وذاك أقل من مستوى الافتراض. ولكن نظرة إلى ما يدور على صعيد عالمي تبين أن الطبقات الشعبية على صعيد عالمي تتحقق أكثر فأكثر خطورة ودموية الراسمالية، ولا سيما الأميركية، وهذا مؤشر على احتمال انتقال الوعي إلى ممارسة ما. صحيح أن التحركات الشعبية وخاصة العمالية في فرنسا، ومصر، وتصلب عود المقاومة في العراق ولبنان وأفغانستان وقطاع غزة، هي أنماط حراك على أصعدة محلية، ولكنها في النهاية حالات اشتباك مع المركز الرأسمالي عبر وكلائه، واي وهن يصيب الوكلاء يؤدي إلى زيادة وهن المركز نفسه. اي يؤدي إلى تقاطع الأزمة الاقتصادية داخله مع الأزمة السياسية في هذا البلد أو ذاك.

يبقى ما هو مطلوب ربما اليوم: مؤتمر أممي لوضع استراتيجية وعي وممارسة لالتقاط تراخي المركز من أجل التقدم ولو بوصة واحدة للإجهاز عليه.

ماذا يشترط هذا؟

يشترط مفكرين مناضلين ممن لم يتراجعوا ويرتدوا بعد تفكك الاشتراكية المحققة، ونخباً شابة تعشق الاشتباك ولا تستوطنها الرخاوة وقودها إلى المحايدة!


[1] هبنقة، ذلك الراعي الأعرابي.