نحن وهم… نكبتنا و”استقلالهم”!

عبد اللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2234)

لسنا اليوم في وارد الإيغال بعيداً في أعماق تاريخنا… تاريخنا، هذا الهرم المتعب والعنيد، المثقلة مسيرته المديدة بما يسحبه جاهداً من خلفه من كثير قرونه الصاخبة… قرون، وقرون، وقرون ما تشابهت حتى وإن تكررت. توالت فتراكمت وتراكمت، فسطرت أيامها في سفرنا ما سطرته من أيامنا أو من وقائعها… وقائع تلاحقت وتتابعت مدوّنات حلوها ومرها، و مدبّجة صفحات أمجادها وانكساراتها في ثنايا تاريخنا… تاريخنا، أو هذا المعادل لعمر أمة عريقة و تجعدات دهور بلادها العتيقة… بلاد، لها دون غيرها قدم من كانت هي المهد الأقدم الذي حدث وأن ولد فيه ذات يوم تاريخ هذا الكون، فكانت هي لا سواها القابلة والشاهدة الأولى عليه…

إنما في واقعنا، أو راهن وقائعنا، ما يقول لنا بإلحاح وجودي لندع الماضي جانباً بما لنا وما علينا، حيث لايجوز اليوم لنا، وحالنا ما هو حالنا، إلا التوقف إزاء آخر ما قُطر في ذيل قوافل مسيرتنا المثقلة من قرون… أو هذه العقود التي تعيش أجيالنا الأخيرة مراراتها، وتفتقد حلاوتها، وتكابد كثرة انكساراتها التي طغت فحجبت قلة أمجادها… وهنا يكفينا منها أعوامها الأخيرة المنقضية، الاثنتين والستين…

اثنان وستون عاماً، حتى الآن، مرت على نكبتنا… نكبة العرب في فلسطينهم… نكبتنا، التي هي عندهم ما زعموه “استقلالهم”… نكبتنا، التي عنت اغتصاب وطن وتشريد شعب ومحاولة شطب وجوده المادي والمعنوي… أو التي عنت عقوداً من العذابات والمعاناة… من الصمود والهبات والانتفاضات، ومستمر المقاومات… عقود من الملاحم النضالية والمآثر الجهادية… حالة يذهلهم ولا يدهشنا أنهم يرونها المستعصية، يتبدى لهم هذا من العناد الأسطوري المقابل لاستعادة حق لن يضيع ووراءه مطالب…

… اثنان وستون عاماً على ما ينعتونه “استقلالهم”، الذي إن عنى فلا يعني ما هو خلاف سرقة وطن، واغتصاب حق، واقامة غاز غاصب لوجوده على أنقاض المغتصب المسروق… كيان هجين مفتعل، لوجود غريب مرفوض، تلفظه الجغرافيا، وتجافيه مسيرة التاريخ… كيان غاصب ما كان إلا بالتآمر والحديد والنار، وما قام إلا فوق برك من الدماء، ولا يقوم إلا على ركام من الدمار، ولا يستمر إلا على ما كان…

إثنان وستون عاماً، من تشريد شعب موغلة جذوره في تراب وطنه ايغال جذور الزيتون في تربة توشحتها قمم الجليل ومعارج جبال الخليل… تشريده والفتك به، ومواصلة السعي لتغييبه وإبادته وطنياً، واستنزاف أمة وعبث بجغرافيتها وسطو على تاريخها، وإهانة كبريائها وإذلال عنفوانها، وغزو ثقافتها وتهشيم هويتها والحط من حضارتها… وإعاقة نهوضها والحؤول بينها وبين نهضتها، ومنع احتمالات إقالتها من كبوتها… وتحريم وحدتها عليها… أو هذه التي هي سبيلها الوحيد لدرء غائلة كل ما داهمها…

وإثنان وستون عاماً مرت على إقامة كيانهم… هذا الذي ظل المفتعل، الذي تحميه ترسانة موت هائلة القدرة فائقة التطور مضمونه دائم التفوق من قبل كل ما يعنيه كل الغرب… كل ما تستطيعه روما العصر وأمريكا القرن الواحد والعشرين… وكل ما يساعد تغوّلها من غوائل عجز رسمي عربي… وكل هذا، يرافقه ولا يفارقه عندهم رهاب الاحساس بالهشاشة، وفوبيا عدم الاطمئنان المزمن إلى المستقبل، وانتفاء الثقة بوجود هم يعلمون قبل سواهم أنه مهما تسلح بطشاً يظل هشاً ومفتعلاً ومرفوضاً… عدم اطمئنان، لازم تفكيرهم فغدا من سماته، واصبح إضافة ثقيلة إلى معهود ثقافتهم الغيتوية المعتقة، تلك المستندة إلى رماد مواريث خرافية واكداس مضامين تلفيقية، وجاري تركة مثقلة من تليد كره الآخر…

اثنان وستون عاماً من النكبة ومثلها من “استقلالهم”… واليوم، هم يحتفلون، ونحن نضمّد جراحاتنا الغائرة النازفة… نحن نقول إما فلسطين أو فلسطين، وهم يزعمون أن نكبتنا هي “استقلالهم”، أو ما زعموه معجزتهم… هل هو كذلك!؟

نعم، ما حققوه هو نكبتنا، محرقتنا التي ارتكبوها طيلة هذه العقود السوداء الستة… بل على امتداد اكثر من قرن… لكنما جريمتهم هذه ليست بالمعجزة وإنما هذا الذي حققوه هو صنيعة لانتصارات غرب استعماري أشعل حربين كونيتين، وأباد ملايين من البشر وقهر شعوب، وعاث فساداً في المعمورة، وكانوا ليسوا أكثر من بعض عدة من اعتدته حربه الباردة أيام ما قبل انتهائها، وكانوا ولن يكونوا أو يظلوا أكثر من ثكنته المأجورة المتقدمة في القلب من دنيانا العربية… وكان بأسهم وتظل قوتهم يستمدان الغطرسة والصولة من عجزنا، واستمرارهما واستمرارهم من انحدارنا…

اثنان وستون عاماً من النكبة، ومثلها من “استقلالهم” المزعوم… لكنما عجزنا ليس نهائياً وانحدارنا ليس دائماً والغرب ليس قدراً، والتحولات تترى في كون متحرك لايعرف ركوداً أو سكوناً أو ثباتاً… والمغالبة سنه هذا الكون، يوم لك ويوم عليك… وهم ما ظلوا في الوطن المغتصب لن يطمئنوا ولن يغمدوا سيوفهم، ولن يركنوا إلى ثكناتهم، فهم عدوان مستمر إلى أن ينتهوا، وأجيالنا، شاء العاجزون أم أبوا، قدرهم أنهم مقاومة مستمرة حتى العودة… ومتى تكون؟

عندما نبدأ فنعيد الصراع مرة أخرى إلى أبجدياته، وننطلق به مرة أخرى من مربعه الأول… مشروع معادي مقابله مشروع مقاوم، تنخرط كامل الأمة في كامل تفاصيله، وتتحمل كل كتلتها تبعاته كصراع وجود لا حدود… عندما تختفي من أيامنا لوثة الرمادية الملتهمة لوضوحنا والثالمة لإرادتنا، وحين يكون الوضوح عدتنا ودرب خلاصنا… عندما تؤمن الأمة من محيطها إلى خليجها أن لا وحدة ولا نهضة ولا تقدم لها إلا في ساح صراعنا… و في درب نضالها الضرورة لإزالة العائق الاستعماري الاستيطاني الإحلالي الذي ما اقامه عرّابوه مستثمروه إلا للحؤول بينها وبين اتواقها وتطلعاتها… عندما تؤمن بحق بأن “استقلالهم” هو نكبتنا واستقلالنا هو عودتنا… أو إما نحن وإما هم!