الرواية الفلسطينية..هل هي لتقاسم المكان مع الرواية الاستعمارية الصهيونية؟

محمد الأسعد

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2235)

ملاحظة من “كنعان”:

ننشر هذا التعقيب من صديقنا محمد الأسعد على ما كتبه الكاتب علي الخليلي. ولا شك أنني أقف مقتنعاً إلى جانب تعقيب محمد الأسعد. لكنني اقترح على الصديق محمد الأسعد التفكير في مسألة هامة أخرى، هي التفريق بين الوطن والمكان. فالوطن يعني الانتماء وعدم التقاسم، أما المكان فيمكن أن يكون عابراً وأن يكون الوجود فيه عابراً. الوطن لا يُقتسم مع العدو، بينما المكان مختلف.

ربما هذا كان الفخ الذي وقع فيه إداوارد سعيد في إقتفائه لأثر أدورنو. فأدورنو لا يؤمن ولا يبحث عن وطن، وهو الأمر الي دفعا دوارد سعيد لاعتبار فلسطين مكاناً، والتوصل إلى أن لا حاجة لديه لوطن. وقد يكون هذا حلاً لحالة فردية. أما الشعب الفلسطيني المطرود من وطنه فقد طُرد إلى أماكن، لن تتحول إلى وطن، ولن يحاول الفلسطيني تحويلها إلى ذلك.

لذا، انتهى إدوارد سعيد إلى قبول المحتل كشريك في الوطن، لأن الوطن عنده تقزَّم إلى مكان. ومن هنا انتهى إدوارد سعيد إلى قبول المحتل. هذا الكرم الثقافوي الإنساني لمثقف لبرالي وأكاديمي حل المسألة فلسفياً، لكنه لم يحل مشكلة شعب مشرَّد إلا بقبول اقتسام الوطن مع العدو.

يبقى وجوب الإشارة إلى الهجمة ما بعد الحداثية على الوطن والمكان والقومية ومختلف السرديات الكبرى بما هي هجمة مركزانية أوروبية تتخذ من التطورات المتعلقة باوروبا اساساً يسسحب ويطبق قسراً على المحيط.

( يمكن الرجوع إلى:

ـ عادل سمارة: في القطرية والقومية والإشتراكية: مقدمات في تفكيك الدولة القطرية ص 65.
ـ وعادل سمارة في كنعان العدد 140، اشتباك فكري مع تراث إدوارد سعيد ص ص 84-140.

ـ وعادل سمارة في كنعان العدد 141، الفلسطيني بين الاغتراب والأنومي: الاقتلاع من الوطن واقتلاع الوطن المفترض من الذاكرة، ص ص 91-122.)

د. عادل سمارة

** *

الرواية الفلسطينية..

هل هي لتقاسم المكان مع الرواية الاستعمارية الصهيونية؟

محمد الأسعد

“يوجد المكان والتاريخ عندما نكون شهوداً عليهما. إذا ابتعد الشاهد، أو أدار ظهره، اختفى المكان والتاريخ. الذاكرة هي التي تحافظ على المكان والتاريخ، وبالتالي على الوطن. افتقاد الذاكرة يعني افتقاد الهوية، وبالتالي الانتماء.. هناك غزاة جاؤا غير منتسبين إلى الأرض، لم يعيشوا تاريخ هذه الأرض إلا كجزء من التاريخ العام المكتوب عبر عموميات كتب المؤرخين؛ هذه الأرض ليست جزءا من ذاكرة الغزاة، فلن يكونوا من أصحابها”.

بهذه الكلمات الواضحة والبسيطة، حدّد الروائي الراحل غالب هلسا في العام 1989 معنى السرد الروائي في رواية فلسطينية رأى أنها”ذات فرادة في لغتنا العربية لأن موضوعها الذاكرة الفلسطينية فقط”. ليصل من ثم إلى “أن الفلسطيني لن يستطيع الإحتفاظ بذاكرته إلا إذا تحوّلت إلى “قصة”. الفن وحده هو القادرعلى المحافظة على الأرض والتراث، أما كتب التاريخ فهي تنسى التفاصيل وتفاصيل التفاصيل، ولهذا فهي عاجزة عن أن تكون غذاء للذاكرة”.

وفي العام 1993، حظي موضوع الرواية، رواية الشعوب التي تعرضت أراضيها للإستعمار والنهب وتعرضت مجتمعاتها للإبادة، ورواية المستعمرين الغرباء عن الأرض ذاتها، بتحليل معمق على يد الراحل د. إدوارد سعيد في كتابه ” الإمبريالية والثقافة”. فالروايات تقع في قلب ما يقوله المستكشفون والروائيون وقادة الحركات الإستعمارية عن مناطق العالم الغريبة، إلا أن هذه الروايات تصبح أيضاً المنهج الذي تستخدمه الشعوب المستعمَرة لتؤكد هويتها ووجود تاريخها. بالطبع، معركة الإستعمار الرئيسية، كما يقول د. إدوارد سعيد، تدور حول الأرض، ولكن حين يصل الأمر إلى من يملك الأرض، ومن له الحق في إستيطانها والعمل فيها، ومن يسيّر أمورها، ومن يستعيدها، ومن يخطط لمستقبلها الآن، تنعكس كل هذه القضايا وتناقش في الرواية، بل وتقرر حتى في الرواية في وقت من الأوقات. ويضيف ” إن القدرة على وضع رواية أو صد روايات أخرى ومنعها من التشكل والظهور، أمر مهم بالنسبة لموضوع الإمبريالية والثقافة، وتشكل واحدة من الصلات الرئيسية بينهما. ولكن الأكثر أهمية أن روايات التحرر والتنوير الكبرى تدفع الشعوب المستعمَرة إلى النهوض وطرح النير الإمبريالي عنها”.

كل هذا تداعى إلى ذهني فور أن وقع نظري على مقال ” حواف المكان.. حواف الرواية” للكاتب علي الخليلي نشر في ملحق الخليج الثقافي (3/4/2010)، يؤكد على عبارات غالب هلسا، وإن بصياغة أخرى، بالقول” يوجد المكان طالما وجدت روايته، إذا غابت الرواية غاب المكان”، ويقارب ما وعاه د. إدوارد سعيد بالقول ” ولأن الرواية هي التاريخ، فإن الصراع على التاريخ، وفي التاريخ، من قبل ومن بعد، هو هو الصراع على المكان. بلا رواية يعني بلا تاريخ، يعني بلا مكان، يعني نفياً في العدم، من دون أدنى ذاكرة يمكن لها أن تتحسس في مرحلة ما ظلا باقياً لأدنى قيمة” ليصل من ثم إلى أن “ما تعمل عليه “إسرائيل” تحديدا، في تدمير الشأن الفلسطيني، يتأسس على هذا المعنى. دمار بالنتيجة، وفي المحصلة التي تسعى إليها وتتماهى معها، لشأن بلا رواية، بلا تاريخ، بلا مكان، بلا فلسطين، دمار لشعب وقضية وأرض وذاكرة وتراث”.

ثم يطرح علي الخليلي سؤاله “إين تكمن الأسطورة في هذا كله؟” الرواية “الإسرائيلية” ترفض مواجهة هذا السؤال كما يقول، إلا ” باعتباره جوابا منذوراً لها سلفاً في احتواء المكان كله، وفي القبض المقدس على روايته الواحدة. الأسطورة بالنسبة لها هي روايتها سؤالا وجواباً، فلا مجال للمس بها”.

كل هذا صحيح بالطبع، باستثناء إغفال الخليلي تسمية الأسطورة الصهيونية باسمها الصحيح، أي الأسطورة الإستعمارية. فالإستيلاء على المكان ومحو هوية سكانه، ثقافيا وماديا، سمة استعمارية مارسها غزاة جنوب أفريقيا وغزاة الجزائر وغزاة الأمريكيتين، وليست أمراً فريدا من نوعه. ولكن هذا إغفال، أو غفلة، إذا افترضنا حسن النية، ذا تبعات خطرة على الوعي. ففي سطوره اللاحقة نجده يضع الروايتين، الفلسطينية و”الإسرائيلية” على صعيد واحد من حيث إنهما “روايتان مختلفتان تتقاسمان مكاناً واحداً”، على صعيد سياسي وأدبي وربما فني وتاريخي أيضاً. أي كأنهما روايتين وجدتا جنبا إلى جنب بالطبيعة كما وجدت السناسل والجبال والأنهار في فلسطين، وهو ما يناقض مقدمته عن السعي “الإسرائيلي” إلى تدمير الشأن الفلسطيني”.. وتحويله في المحصلة إلى “شأن بلا رواية، بلا تاريخ، بلا مكان، بلا فلسطين”.

أما التبعات الأخطر في هذا التحليل، فهي تقرير الكاتب بلا أي دليل أن” الوعي الفلسطيني الحديث يجتهد في الوصول من جانبه إلى محور ارتكاز متطور تتقاسم فيه الرواية الفلسطينية المكان مع الرواية الإسرائيلية، وهو مايعبر عنه باللغة السياسية، “حل الدولتين” للشعبين الفلسطيني و “الإسرائيلي” في المكان الواحد”، وأن “الطرف الفلسطيني يرى بتقاسم المكان بين الروايتين، وبين الدولتين، تنازلا تاريخيا كبيرا من جانبه، لايحكمه انتصار أو هزيمة، بقدر ما يقوم على وعي عميق بفشل الأسطورة في الاستمرار والثبات على حال”.

من الواضح أن الكاتب يفترض من عنده “وعيا فلسطينيا” حديثا بهذه المواصفات، وبهذا يمنح مشروع أوسلو (التقاسم الوهمي للمكان) نفوذاً كليا على الفلسطينيين لايمتلكه. ويتغافل عن أن أصحاب هذا المشروع، المسمى “مشروع الحكم الذاتي” في إتفاقياتهم التي وقعوا عليها أو بصموا في الحقيقة، لايعبرون عن مجموع الشعب الفلسطيني ولا عن وعيه بكل ما تعنيه هذه الكلمة من شمول. وهل هذا السعي إلى” محور ارتكاز تتقاسم فيه الرواية الفلسطينية المكان مع الرواية “الإسرائيلية”، هو سعي الرواية التي كتبها غسان كنفاني أو سميرة عزام أو رشاد أبو شاور أو محمد القيسي أو محمد الأسعد أو إبراهيم زعرور أو حتى إميل حبيبي؟ أو الرواية التي ترويها أمهاتنا ويتمسك بها آباؤنا وأبناؤنا؟ هذا على الصعيد الأدبي، أما على الصعيد السياسي، هل هذه الرواية الساعية إلى التقاسم هي رواية حركات مقاومة مثل “حماس” أو “الجهاد الإسلامي” أو “ألوية الناصر صلاح الدين”، وبقية الشعب الفلسطيني الذي يتعرض أطفاله للإبادة على الأرض بينما يجري “التقاسم” في الغرف الفاخرة؟

إذا كان الكاتب يسعى في تحليله هذا، الموضوعي ظاهرياً، إلى تقرير” واقع ” تمثله سلطة قامت على أساس أن تكون حكما ذاتيا للسكان تحت سلطة الإحتلال لا الأرض، وهي كذلك فعلا، فمن ضرورات تقرير “الواقع” أيضاً، أن لايصور واقعها على أنه تعبير عن “الوعي الفلسطيني الحديث”. فالواقع ينقض هذا التعميم في أكثر من مجال سياسي وأدبي وفني ومعيشي. ومن ضرورات تقرير “الواقع” أيضاً، أن يوصف الوجود الصهيوني على أرض فلسطين وصفاً واقعياً، أي على أنه واقع استعماري قام على أسس لايجهلها ولا يتجاهلها الصهاينة أنفسهم، الإستيلاء على أراضي الغير وإبادة سكانها. أما “نظرية التقاسم” التي تقوم على أوهام بضعة سماسرة ومنتفعين في رام الله فهي على هزالها ليس لها أساس واقعي حتى، كما يدرك أي مراقب للمشروع الصهيوني منذ تجسده على الأرض الفلسطينية قبل أكثر من ستين عاماً؛ ذلك المشروع الذي لم ينجز حتى الآن، لا بالنسبة للأرض التي أحتلت وتم استعمارها في العام 1948، ولا بالنسبة للإرض التي أحتلت وما تزال عملية استعمارها بجرافة ودبابة وطائرة ومستعمرات ماثلة أمام أنظارنا. ولا أدري كيف يبيح كاتب لنفسه في خلاصة تحليله إعطاء هذا النظرية وزناً، بالقول أنها “تخلخل وتفتت الأسطورة (الصهيونية) واستبدال شظاياها أو غبارها الناري المتناثر على الأصح بمداميك التسوية السياسية الواقعية” فأين هي الوافعية في هذه التي يسميها “مداميك” أمام ما يعترف هو ذاته أنه “وعي صهيوني أسطوري يجد عناصره اليومية بالإستيلاء الكامل على المكان”؟. ألا يدرك أن مايسميها “مداميك” هي غطاء تعاون أمني- عسكري- اقتصادي مع مستعمر شرس، صنع ونسج لكي يتيح له إستعمار بقية أرض فلسطين، بمشاركة بعض من أصحاب الأرض تنكر لهويته الوطنية والإنسانية وأرتضى أن يكون “حارس غيتوات” فلسطينية؟

الرواية الفلسطينية، الأدبية والسياسية، ليست قائمة على تقاسم المكان، بل على استعادته والعودة إليه، لأنها رواية أصحاب الأرض، هؤلاء المتشبثين بأرضهم في فلسطين كلها وخارجها، ومن الغفلة أن لايصغي كاتب فلسطيني لما يقوله الفلسطينيون من “سخنين” بمناسبة يوم الأرض التي كانت قبل أيام: ” نحن أناس سُرقت أراضينا ونريد استعادتها.. هذا هو جوهر قضيتنا”. ومن الغفلة المؤسفة ألا يستمع إلى ملايين اللاجئين الذين يحملون رواياتهم في أكثر من مكان، ويتشبثون بهويتهم وذاكرتهم، ويصغي فقط إلى أصحاب “مداميك” أصبحت موضع تندر كل فلسطيني خارج صفوف السماسرة والمتعاونين مع المستعمرين.