طور رأسمالي فريد غير معهود!

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2235)

في شهر شباط/فبراير الماضي توقع واضعو الموازنة الأميركية، التي صدرت عن البيت الأبيض، عجزاً إضافياً سوف يبلغ العشرة تريليون من الدولارات على مدى السنوات العشر القادمة! هذا ما نقلته صحيفة “واشنطن تايمز” عن مكتب الموازنة الحكومي. ويرى خبراء أميركيون أنّ موازنة العام القادم 2011 سوف تسفر بوضوح أشدّ عن ثبوت مثل هذه التقديرات، وأنّ الدين الفيدرالي سوف يرتفع إلى ما يعادل 90 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول العام 2020!

لقد وصل الرئيس باراك أوباما إلى البيت الأبيض وهو يعرف أنّ حجم الديون الفيدرالية يزيد عن ستة وربع تريليون دولار. وكان الناخبون يتوقّعون منه إيقاف هذا التدهور المالي على الأقلّ، ناهيكم عن إيقاف الحروب العدوانية الخارجية بتكلفتها الخرافية، ولعلّه كان يأمل أنّ باستطاعته فعل ذلك، غير أنّ تريليونين اثنين من الدولارات، تقريباً، أضيفا إلى الديون خلال العام الأول من عهده، وصار من شبه المؤكّد أنّ هذه الديون سوف تزداد عاماً بعد عام لتتجاوز العشرين تريليوناً بعد عشر سنوات. أمّا الحروب العدوانية فقد اشتدّ أوارها من دون أن تحقّق حسماً مربحاً يساعد على التخفيف من العجز!

وفي السابع من شهر نيسان/إبريل الحالي صرّح بن برنانكي رئيس مجلس الاحتياطي الأميركي (أي حاكم البنك المركزي الذي هو قطاع خاص!) أنّ اقتصاد الولايات المتحدة لا يزال يواجه صعوبات، خصوصاً في قطاع الإسكان وفي سوق العمل، وأنّ تحدّيات تقف أمام توقعات النموّ في البلاد، حيث يصارع الأميركيون البطالة المستفحلة والعجز عن سداد الديون العقارية، وأنّ الخروج من المأزق لا يزال بعيداً!

لقد جاءت تصريحات بن برنانكي عبر كلمة ألقاها أمام أصحاب المال والأعمال في غرفة تجارة دالاس. وهو، بالطبع، كان حريصاً على طمأنة مستمعيه الأثرياء، سواء بانتقاء توصيفات ملطّفة جدّاً للأزمة العميقة الطاحنة، أم في عرض الإجراءات التي يمكن اتخاذها لمعالجتها. وفي معرض إشارته للإجراءات المستقبلية الممكنة، على طريق إيجاد الحلول، قال أنها سوف تكون قاسية: إمّا زيادة الضرائب (على الأغنياء) أو خفض المعونات الاجتماعية (للفقراء) وبخاصة العاطلين عن العمل!

ولعلّ من الطريف الإشارة هنا، بصدد الأزمة الأميركية، إلى رغبة الصين بالإسهام في معالجتها! ففي حديث أدلى به تشونغ شان وزير التجارة الصيني إلى صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية قال: “منذ نشوب الأزمة المالية الدولية دأبت الصين على دعم جهود الشعب الأميركي في معالجتها. فمن ناحية زادت الصين وارداتها من الولايات المتحدة، ومن ناحية أخرى ساعدت السلع الرخيصة الثمن المستوردة من الصين في الحفاظ على انخفاض تكاليف معيشة الأميركيين وهم يعانون ضائقتهم المالية المتصاعدة. فمن دون السلع الاستهلاكية الصينية كان مؤشّر الأسعار الأميركي سيرتفع.. كذا الخ”!

إنّه لمن النادر أن نقع على هجاء للرأسمالية الأميركية أبلغ وأشدّ من هذا الهجاء الصيني، المقصود أو غير المقصود، حيث الصين حتى أواخر الأربعينيات الماضية كانت مستعمرة، وحتى البارحة كانت في عداد دول “العالم الثالث” الفقيرة! ولقد أضاف الوزير الصيني قائلاً: “التجارة المتوازنة بين الصين والولايات المتحدة وحدها يمكن أن تحقّق التنمية المستدامة والمنافع المتبادلة والعلاقات القائمة على الكسب المتكافئ. إنّ تحقيق هذا الهدف لن يتمّ عبر تقييد الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة، بل بزيادة الصادرات الأميركية إلى الصين. إننا نأمل في أن تتخلّص الولايات المتحدة من عقلية الحرب الباردة، ونأمل أن تخفّف من القيود التي تفرضها على صادراتها إلى الصين، وأن توسّع من صادرات المنتجات التنافسية إلينا. إنّ الأفضل دائماً هو الحوار لا المواجهة، والتعاون لا الاحتواء، والشراكة لا المنافسة”!

هذا الخطاب الصيني الهام يقال في وقت فقدت فيه النقود مصداقيتها، وانقطعت صلتها بالإنتاج الاقتصادي إلى درجة كبيرة، بينما حلّت محلّها السندات الغامضة المخادعة، التي تفوق قيمتها الوهمية بأضعاف مضاعفة حجم الكتلة النقدية الدولية النظامية، حتى ليبدو كأنما النظام المالي انفصل عن النظام الاجتماعي، وبخاصة في الولايات المتحدة، فأصحاب المؤسسات المالية العملاقة، وفي مقدمتهم أصحاب مؤسسات جي بي مورغان تشايز، وغولدمان ساكس، ومورغان ستانلي، لا يأبهون سوى لمصالحهم ولمصالح طبقتهم المحدودة المتخمة، المجنونة بصورة من الصور، فتراهم يوزّعون العلاوات والمكافآت على بعضهم وعلى رجالهم من المدراء والموظفين بعشرات المليارات، ويغطّون عجزهم من أموال دافعي الضرائب في بلدهم ومن أموال الشعوب الأخرى.

يقول الباحث الاقتصادي بول جوريون أنّ الرأسمالية دخلت طوراً غير معهود، فهي تخصخص الأرباح وتؤمّم الخسائر، أي أنها تستأثر بالأموال وتحمّل العجز للمجتمعات مستندة إلى قوة السلطات الحكومية التي أصبحت في خدمتها، وأنّ مثل هذا “الحلّ” عصيّ على التطبيق بعد أن بلغت الخسائر المالية حجماً يعجز المكلّفون من المواطنين عن سداده!

:::::

ns_shamali@yahoo.com