كأنها كتبت بيد اسرائيلية….!

نواف الزرو

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2235)

نستحضر دائما في ذكرى النكبة الفلسطينية عوامل ومسببات النكبة وقيام تلك الدولة الصهيونية على انقاض الوطن والشعب العربي الفلسطيني، ونتذكر قبل كل شيء وعد / تصريح بلفور الذي منح فلسطين “وطنا قوميا لليهود -بغير حق”، وحول النبوءة الهرتسلية من وهم الى حقيقة، وكلما حلت مجزرة او نكبة جديدة بالفلسطينيين نتذكر ذلك الوعد ونجرم بريطانيا الاستعمارية، وكلما اقترفت دولة الاحتلال المزيد من النكبات نلعن دائما سايكس بيكو ووعد بلفور الذي لا ينتهي…!

فالوعد يلاحقنا بتداعياته الواسعة الكارثية على مدار الساعة، والوعد تحول الى تطبيقات وانجازات صهيونية اعجازية-كما يقولون-، بل انضم اليه المزيد من الوعود بغير حق ايضا…!.

فما بين الامس وذلك الوعد، واليوم نقرأ التالي:”أرض فلسطين التاريخية هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي”، فما الفرق اذن….؟.

قد يخطر ببال البعض فورا اننا امام بلفور، او بوش، او نتنياهو او باراك او اي متشدد صهيوني من جهتهم هناك في “اسرائيل”، ولا يخطر بالبال ان يكون القائل هنا هو الرئيس الامريكي اوباما بقلمه ولسانه…!.

فالرئيس اوباما يطل علينا اليوم في ذكرى النكبة ليقدم ما يشبه وعدا بلفوريا جديدا ل”اسرائيل” يمنحها فيه اعترافا متجددا بان”فلسطين هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي”..اليس هذا الوعد هو ذاته وعد بلفور الذي منح ” فلسطين- ارضا بلا شعب لشعب بلا ارض- كوطن قومي لليهود” قبل نحو ثلاثة وتسعين عاما…!.

ويضيف اوباما: “بعد دقائق من إعلان دافيد بن غوريون عن “استقلال إسرائيل”، وتحقيق الحلم بدولة للشعب اليهودي في وطنهم التاريخي، كانت الولايات المتحدة أول دولة تعترف بإسرائيل”…!

فيا للعجب…كان هذه الاقوال كتبت بيد اسرائيلية….!

او كأن الرئيس اوباما يحتاج صباح كل يوم الى ان يعلن ولاءه واخلاصه ل”اسرائيل”…!

وبهذه الاقوال /الاعترافات التي وثقها الرئيس اوباما في رسالة التهنئة التي بعث بها إلى الحكومة الإسرائيلية بمناسبة ما يسمى “الذكرى الـ62 لقيام دولة إسرائيل”، يغدو عاريا تماما ومجردا من آخر الاقنعة الاعتدالية المضللة التي نجح في تسويقها على العرب حتى الآن…!.

بل ان اوباما الذي كان قد اعلن في وقت سابق عن اعجابه ب”اسرائيل المعجزة”، عاد في رسالته ليبدي تقديره لما أسماه “الإنجازات غير العادية التي حققها الشعب الإسرائيلي”، واية انجازات يا ترى…؟

سياسات التطهير العرقي والمجازر والمحارق والسطو المسلح على وطن وممتلكات وتاريخ وتراث الشعب العربي في فلسطين…!

فهل هذه هي الانجازات المعجزة….!

وبعد ان علق العرب الآمال الواسعة على سياسة جديدة للرئيس اوباما، منتظرين اية حركة او مبادرة حقيقية تقدم شيئا/انجازا مهما كان يتعربشون بها لمواساة انفسهم، يصر الرئيس الامريكي بل والادارة كلها على تخييب آمال العرب تباعا…!

فقد كان عاجزا تماما في اصغر الامور والمسائل مع “اسرائيل-نتنياهو-، ولم يقدم للفلسطينيين والعرب حتى تجميدا للاستيطان في القدس والضفة، فكيف الحال فيما يتعلق بالقضايا والحقوق الجوهرية الكبرى…؟!

وبعد ان كان تحدث في خطابه التاريخي في جامعة القاهرة في بداية عهده عن النكبة ومعاناة الشعب الفلسطيني، فالواضح اليوم في الذكرى الثانية والستين للنكبة، انه ليس فقط لم يتجرأ على ذكر النكبة والمعاناة الفلسطينية مرة اخرى، بل ذهب نحو الرواية الصهيونية المزيفة الى ابعد الحدود المجحفة بمنحه شهادة تاريخية ل”اسرائيل” بان”فلسطين هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي”…!

فيا للانحياز السافر….!

فهل قرأ الرئيس اوباما حقا تاريخ المنطقة وتيقن “ان هذه البلاد هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي”…؟، ام انه ذهب هكذا لينحاز اوتوماتيكيا كاسلافه لصالح تلك الرواية الصهيونية…؟!.

يلحق الرئيس الامريكي في رسالته هذه اجحافا جديدا الى سلسلة لا حصر لها من الاجحافات الامريكية ضد الشعب الفلسطيني وضد العرب الاصدقاء قبل الاعداء…!.

واكثر من ذلك ايضا، فقد تحدث اوباما عن استراتيجية ومتانة العلاقات بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” وعلى التزام بلاده بأمنها، مؤكدا:”إن إسرائيل ستظل حليفا استراتيجيا مركزيا للولايات المتحدة في الشرق الأوسط”، و” أنه على ثقة بأن العلاقات الخاصة مع إسرائيل سوف تستمر وتتعزز في الشهور والسنوات القادمة”.

كنا نتحدث عن الرئيس السابق بوش عن انه يتبنى الاجندة الاسرائيلية السياسية والتوراتية بالكامل، بل انه القى في آخر ايامه وفي الذكرى الستين ايضا للنكبة الفلسطينية وقيام”اسرائيل”، وفي قلب القدس خطابا توراتيا منح فيه”اسرائيل” اعترافا بحقائق الامر الواقع الاستيطاني وبالقدس عاصمة لها الى الابد وغير ذلك.

قلنا آنذاك ان وعد بوش كان صهيونيا بامتياز، بل قال اعضاء كنيست من اليهود: بوش يبدو صهيونيا أكثر من أولمرت، وهو يحقق احلام الصهيونية، واضاف نواب عرب: ان خطاب بوش اعلان حرب واخطر من رسالة الضمانات لشارون..!.

واجمع المحللون على ان بوش منح إسرائيل شيكا على بياض لتهديد الأمن العربي والاقليمي.

الواضح اليوم بعد اكثر من عام على ولايته، ان اوباما -وكما وثقنا في مقالات سابقة- فشل فشلا ذريعا في صياغة اجندة سياسية امريكية جديدة للشرق الاوسط، تبتعد قليلا عن المضامين الاسرائيلية التي كان صاغها وكرسها الرئيس السابق بوش، بل اخذ اوباما ينكفىء ويتراجع حتى عن ابسط الشروط التي طالب اسرائيل بتلبيتها تمهيدا لانجاح مهمته السياسية عبر تجميد الاستيطان على سبيل المثال، تصوروا..!.

لقد هدأ وانكفأ الزخم السياسي التسووي الذي بدأ به اوباما ولايته الرئاسية، وغدونا امام رئيس يسعى وراء ارضاء الاجندة الاسرائيلية بشكل او بآخر..!.

ما يعيدنا مجددا الى تلك الاجندة الامريكية ذات المضامين الاسرائيلية…!.

فما الذي يميز الرئيس اوباما اليوم اذن في اعقاب اعترافه البلفوري ب”فلسطين وطنا قوميا تاريخيا لليهود” عن بلفور الاول، او عن بلفور الثاني-بوش-…؟!

وما الذي قدمه اوباما حتى الآن بعد اكثر من عام على ولايته للفلسطينيين والعرب سوى الخطابات والكلام والوعود التي كما اتضح انها عمليا بلا رصيد حقيقي على الارض…؟!.

نعتقد ان رسالة اوباما البلفورية ل”اسرائيل” يفترض ان تكون في الحسابات الفلسطينية والعربية آخر واخطر البراهين الدامغة على اننا كأننا ما زلنا في عهد المحافظين الجدد..وفي عهد بوش التوراتي…!

ما يعيد الامور هنا الى مربعها الحقيقي وهو المربع الفلسطيني و العربي.

:::::

Nzaro22@hotmail.com