“الحرب الوهمية” والثمن المطلوب

امين محمد حطيط

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2236)

في السنتين الأخيرتين كان للتهديدات الإسرائيلية بحــرب تشن شمالاً وجنوباً غايات واضحة تشمل، على الجانب الاسرائيلي، رفع المعنويات وزرع الثقة بالنفس، وعلى جبهة العدو زرع القلق وحرمانه من الاستقرار، وإشغاله عن الاستعداد الجدي للحرب الآتية، التي لا بد واقعة في اليوم الذي تثق اسرائيل فيه بقدرتها على النصر. وقد وعى من يعنيه الأمر مباشرة أهداف تلك التهديدات ورد عليها بما يوازيها او يفوقها من المواقف، بشكل أجهض الخطة فارتدت على اصحابها في غير ما يعجبهم.

وفي خضم التهديـدات كان في دمشق الحدث الذي خرق التطــور العادي للأمور حيث جمعت صورة واحدة ثلاثة أطلقوا استراتيجـية «الحرب الشــاملة»، التي تعتمد عقيدة عسكرية تقوم على «التوازن الردعي، والتقابل التدميري للأهداف المتكافئة». هذا الموقف اجهض ما بذلته اسرائيل وبدعم اميركي لترميم بنيتها التي افتضحت الثغرات فيها خلال حرب تموز 2006، ثغرات تركزت بصورة خاصة على وهن الجبهة الداخلية، وعلى محدودية الطيران الحربي في حسم المعركة وبسرعة، اضف الى العجز عن احتلال الارض والسيطرة عليها. ان اعتماد جبـهة المقـاومة والمواجهة لمثل هذه الاستراتيجية احدث ما يوصف بضربة المعلم او بالزلزال الاستراتيجي في المنطقة لأنه قضى وبشكل شبه نهائي على طموح اميركا وإسرائيل بتنفيذ حرب تحقق الانتصار وتصرف سياسياً بما تريده هاتان الدولتان.

وفي تقدير للموقف، يبــدو أن اميـركا توصلت الى ربط فعالية الاستراتجـية الجديدة ، بالقدرات الصاروخية التي تملكها «جبهة الحرب الشاملة»، والتي تهــدد الجبهة الداخلية الاسرائيلية، وتعطل كل ما عوّل عليه من «قبة فولاذية» او«درع صاروخية»، وتجعل إسرائيل تعيش في قلق وخوف يمنع قادتها من المغامرة والدخول في حرب جديدة. لهذا كانت منظومة الصواريخ هدفاً أساسياً يصوب عليه، مع امل الحد من خطره او«إبعاده» اذا تم التمكن من ذلك. ولأن احداً لا يستطيع ان يتوجه الى ايران او سوريا مطالباً بنزع صواريخهما، كان الاختيار واقعاً على منظومة حزب الله الصاروخية عنواناً «للملاحقة والمساءلة» بحجة خرق القرار 1701، وإدخال هاتين الدولتين في الامر: إيران، لأنها مصدر السلاح بزعمهم، وسوريا لأنها مصدر، او على الأقل، معبر للسلاح الى حزب الله كما يدّعون.

ولجعل التهديد اكثر جدية وفعالية في النفوس، دخلت اميركا وبصورة مباشرة واضحة على الخط، واعتمدت سلوكاً يوحي بأن الحرب باتت امراً لا مـفر منه بغية معالجة الملفات العالقة والخــطرة في المنطقة، في لبنان ملف المقــاومة وتسـلح حزب اللــه، وفي إيران الملف النــووي السلمي، وفي سوريا ملف علاقاتها الإقلـيمية وموقعها في جبهة المواجهة. ومع الدخـول الأميركي يعاد طرح الســؤال نفسه : هل تغيرت الظروف وباتت الحرب حتمية كما يروجون؟

نذكر بأن الحرب لا يشنها مهاجم، إلا إذا امتلك في يده مـا يجعله مطــمئناً الى الانتصار فيها، ويقدر على صرف انتصاره سياسياً، بالإضافة الى قراره بتـحمل الخسـائر التي لا بد ان تكون ثمــناً لهذا النصر. وفي هذا المجال وبقراءة موضوعية مجردة نرى ان الانتــصار الاميركي ـ الصهيوني في اي حرب جديدة ضد لبنان وسوريا وإيران امر غير مضــمون. فــفي لبنان على سبيل المثال نرى ان اسرائيل قد تستطيع ان تدمر وتدخل بأكثر من فرقة عسكرية الا انها لن تستطيع أن تستقر وتحتل، وتالياً لن تستطيع ان تستثمر في السياسة، خاصة أن لدى المقـاومة من المقاتلين ما يجعلها تستمر في الاشتباك والمواجهة فوق ما يمكن لإســرائيل تحمله. ولكن الأخــطر من ذلك هو الثــمن الذي سيُدفع أميركيا وإسرائيلياً. حيث تستطيع إيران إغلاق مضـيق هرمز وتوقف صادرات 40% من النفظ الذي يســتهلكه العالم، كما انها قادرة على إشعال الجبهات بوجه الاميركيين بالاضافة الى الخليج، في افغانستان والعراق، اما إسرائيل فلن يكون بمقدورها احتمال سقوط 500 صاروخ يومياً من سوريا ولبنان وإيران، بحيث لا تبقى منطقة آمنة فيها، وتقود الكثير من الاسرائيليين لاستعمال جواز السفر الثاني، هذا اذا بقي مطار مدني يعمل، خاصة أن البنية التحتية الإسرائيلية البديلة التي تقرر إنشاؤها لن تنـجز قبل ستة اشهر في حد ادنى.

إن الحرب التي يــروج لقــرب اندلاعها بقرار اميركي صهيوني، هي حرب لا تبدو قريبــة في الأفــق، وأكاد أســميها «بالحرب الوهمية» غير القــابلة للتـحقق في المنظور من الزمن الذي تصح فيه التقديرات الاستراتيجية عادة، والــذي تكــون مهلته بين الستة اشهر الى 16 شهراً. وهنا يطرح سؤال آخر : لماذا التـهويل الاميركي بالحرب إذن وإطلاق معزوفتــه من اوركسترا يشارك فيها مسؤولون أساسيون كوزير الدفاع الاميركي او نــائب وزير الخارجية او مسؤولون في البيت الابيــض، الا يعلم هؤلاء بأن من يوجه اليهم التــهديد يعـرفون سقفه؟ إذن لماذا ينخرطون في التلويح بالحرب تلك؟

في تحليل للواقع واحتياجات الأطراف نرى ان اميركا ومعها اسرائيل ومن تبعها من العرب، تريد من لبنان وسوريا على الأقل، وقد يكون من إيران ما يلي:

1) التزام لبناني بوضع حد لتسلح حزب الله، او أقله القبول بنشر قوات دولية تتولى مراقبة الحدود مع سوريا.

2) حمل سوريا على التملص من التزامها بالحرب الشاملة او وحدة المواجهة مع إسرائيل.

3) إعادة وضع اليد على ملف العلاقات اللبنانية السورية أميركياً، وجعل تطوره ونموه تحت السيطرة الاميركية.

4) وقف «الحــملة الهــجومية» التي تتعـرض لها السياسة الاميركية في لبنان، وحماية «مكتــسبات الوصاية الاميركية» خلال السنوات الماضية.

5) ضمان وقوف لبنان الى جانب اميركا في مجلس الامن وعدم تعطيل الإجماع المنشود في قرار يعد لفرض عقوبات ضد إيران.

6) إقامــة توازن في العلاقات العربية مع لــبنان لا تــكون فيها سوريا في الموقع الممتاز، بل تكون مساوية في ذلك لكل من السعودية ومصر.

لا أعتقد ان الفريق المستهدف بالحرب الوهمية، مستعد للدفع، فهو ليس من الضعف بحيث يقبل الإذعان، لا نرى ان الحرب تلوح في الأفق المنـظور، وأن الأثمان المطلوبة لمنع حــرب مزعـومة غير قابلة للاستيفاء… وهي جولة من جولات الحرب النفسية ينتصر فيها من يثبت.

:::::

امين محمد حطيط، عميد ركن سابق في الجيش اللبناني

“السفير” “، 30 نيسان 2010

الرابط:

http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1528&ChannelId=35546&ArticleId=3280&Author=%D8%A7%D9%85%D9%8A%D9%86