تعال إلى حيث النكهة..تعال إلى إسرائيل بورو

يحيى أبوصافي – القاهرة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2236)

على طريقة السيجارة الأولى، تحاول الدول الأوروبية، وأمريكا- عن طريق سفاراتها، ووكالتها الثقافية- تقديم الثقافة الصهيونية مدخلاً للتطبيع (ثم العلاقة، ثم العمالة). فالمدخن لم يولد، ولم يشب مدخن، هي فقط السيجارة الأولى، كأن يقال جرب هالسيجارة، مش حتخسر، فيتناولها المدخناً، على إستحياء، وشعور بالذنب، وربما التقئ، ثم يقال له : جرب سيجارة ثانية، وثالثة، وعندما يطلب من أصبح ( مطبعاً مع السيجاير) سيجارة أخرى، سيقال له: خلاص، تقدر دلوقتي تشتري علبة سجاير.

أعتذر للتسطيح في المقارنة.. ولكن التطبيع الثقافي مع مؤسسات (الأحتلال)- لاسيما- الثقافية، والاكاديمية منها، لا يأتي في -الغالب- مباشرة من الإسرائيليين أنفسهم، فهذا أمر لا تراهن عليه إسرائيل كثيراً، وإنما عبر حلفائها التاريخيين..الحكومات الأوربية والأمريكية، والتي تحرص بكل دأب على تمرير الكيان الصهيوني، كدولةً طبيعية، وحضارية، وتاريخية، وإنسانية، وثقافية، وأكاديمية، وواحة لخير البشرية، وأن الإسرائليين هم ضحايا الأمس، أصدقاء اليوم، وهي النموذج المقتدى للسلام، والعدل، والديمقراطية وحقوق الإنسان.

وأتسأل هنا: لمذا لم يوافق الأوربيون في لحظة تاريخية على وجود (إسرائيل) بينهم كحالة طبيعية ( مثلما يُسوق لنا) ؟ وهم الأجدر على تحمل دولة إسرائيل( في مساحات اوسع بكثير من مساحة فلسطين، في أوروبا أو امريكا او جارة أمريكا(كندا- الأرض بشعب قليل لشعب يطمح بأرض..)). دون أن يُحمل التاريخي العربي الحديث تكلفة الذهنية الأوروبية المريضة بالضمير المشوه تجاه التخفيف من معاناة اليهود!! وأذكر هنا بعض المقتطفات من اقوال زعماء الصهاينة ، وموقفهم من المحرقة( الهولوكست) التي أحدثها النظام النازي في الحرب الهتلرية ضد ( الأغيار):

ففي رسالة وجهها أحد الأعضاء الصهاينه في الوكالة اليهودية ردا على رسالة ميكويل ويسماندل (و هو حاخام يهودي أرثودكسي معادي للصهيونيه) عندما طلب المساعدة لمنع ترحيل اليهود الى معسكرات الاعتقال في بولندا، قال( عضو الوكالة اليهودية) في الرد على الرسالة: “بالطبع، المسألة ملحة، و لكن المسألة الملحة حقا ليست في المنفي، و يجب دائما ايجاد مساحه للتفكير المنطقي لتقرير ما هو أكثر أهمية، و دماؤك في هذه الحالة ليست أكثر أهمية، و يجب اراقتها بإبتهاج (but your blood is less important، Spill it in joy )، لأنها ستجلب لنا ما هو أكثر أهمية، و هو الأرض التي نمتلكها”.

ويعترف أحد القيادات الصهيونية بفضل النظام النازي في (إقامة دولة إسرائيل) : ” ما لم يتكلل خلال 30 عاما (من العمل الدؤوب لصهينة يهود المانيا) بالنجاح، استطاع هتلر عمله خلال ليلة واحدة (هناك مادة ممتازة “وجود كادر هائل للهجرة” ستبرهن قيمتها الهائلة لبناء وطننا القومي).. فيما أشار (ايميل لودفيغ/ وهو كاتب السير الصهيوني) في مقابلة صحافية خلال زيارته الولايات المتحدة سنة 1936 الى مساهمة هتلر في صهينة يهود المانيا من دون أن يخفي سروره و امتنانه: “سينسى هتلر خلال بضعة أعوام، لكن سيقام له نصب تذكاري جميل في فلسطين. أنت تعرف أن مجئ النازيين يستحق الترحيب .. بعد أن بدا كأن اليهودية خسرت الآلاف كليا، لكن هتلر قد أعادهم (الى حضن اليهودية، أي فلسطين) و من أجل ذلك أكن له الامتنان و الشكر” .

وفي رسالة لكورت لومنفلد بتاريخ 5 نيسان 1933 الى بروفر في وزارة الخارجية الالمانية أكد فيها أن (منظمتنا لم تتخذ قط موقفا من السياسة الداخلية الالمانية): و في تقرير له عن أعمال الفرع الالماني للمنظمة الصهيونية، ونشاطها خلال الأشهر الأولى من تسلم هتلر الحكم أبرز بلومنفلد انجازات الحركة الصهيونية داخل المعسكر اليهودي و ضرورة (قطف ثمار) التطورات الجارية آنذاك (ص26).

وحين شكلت الهجرة إلى فلسطين محور الخلاف داخل المنظمات اليهودية الصهيونية واللاصهيونية، إذ رأت القيادات اليهودية أن الجهود يجب أن تهدف الى إغاثة يهود المانيا في الدرجة الأولى، و تأمين الاستقرار لهم في الدول التي هربوا اليها رأت القيادات الصهيونية أن أزمة يهود المانيا (تشكل فرصة تاريخية) لاستغلال شعور التضامن النفسي بين يهود العالم لجمع الأموال و توطين أكبر عدد من يهود المانيا في فلسطين ولا شك في أن أزمة يهود المانيا أعادت الى أذهان القيادات الصهيونية أزمة يهود شرق أوروبا – روسيا و رومانيا – في بدايات العشرينات،والتي زودتهم بكادر هائل من المهاجرين فقد دفعت الهجرة الجماهيرية من شرق أوروبا في العشرينيات المشروع الصهيوني في فلسين خطوة الى الأمام، هكذا تحدد موقف قيادات الحركة الصهيونية من أي جهد لتقديم أي مساعدة الى يهود المانيا بتعبير أبسط: إما فلسطين و إما لا.

وغني عن القول أن بن غوريون مؤسس( الكيان الصهيوني) عندما خير بين إحتمالين: إنقاذ الأطفال اليهود من المحرقة أو الهجرة إلى فلسطين..إختار الإحتمال الأخير بلا تردد.

أكبرنا عمراً شاهد على أن إسرائيل قامت بتحالف كامل مع الدول الأوربية/ وأمريكا، وبمنهجية لم تعرف البشرية نموذجاً لها من حيث أعمال القتل، والقتل الجماعي، والتهجير، والإعتقال، والتمييز العنصري، ضد العرب الفلسطينيين على أرض فلسطين.. وأصغرنا عمراً شاهد على أن إسرائيل( بكل مكوناتها) هي ذاتها منذ 61عاماً ..ماكنة القتل التي لا تصدأ، المجتمع الإسرائيلي يرى نفسه كياناً أكبر من طبيعي، او متميز عن الطبيعي، او الغير طبيعي( المتفوق، النقي، الحضاري) وكلها أشارات لعنصرية مقيتة، على الأوروبيين أدراكها..قبل أن يسوقوا لنا إسرائيل بنكهة السلام والثقافة والتبادل الأكاديمي.

والشئ بالشئ يذكر، فالدعاية الامريكية، والأوروبية للتطبيع مع إسرائيل، تشبه إلى حد بعيد ، دعايات ” ديفيد ماكلين/ رجل الكاو بوي الأبيض في حرب الإبادة الجماعية ضد السكان الأصليين في أمريكا” ..( تعال إلى حيث النكهة، تعال إلى مالبورو) .