بَرق الغياب

بسام الكعبي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2239)

للشاب الوسيم نسيم عدنان شقير نسمات ريح وقطرات نور تحمل الليل مكرها على سيف النهار..لليافع الحالم فضاء متسع من المجد، يصعد به مطمئنا سلم النجاح ويخطو به متماسكا نحو قامة الإبداع وذروة المعرفة.

أدرك منذ أن رسم خطوته الأولى على طريق صعبة بحثا عن سر المعرفة، روح مسيرة العلم وبأنها ليست نزهة بل مثابرة وجهدا. ربما ساعدته موهبته الفذة وتفوقه المدرسي على بناء سلم طويل من الأمنيات، كي يتأرجح وحيدا متفردا بين أقرانه في سقف السماء..لماذا لم تتمهل قليلا وأنت تبرق في الغياب كشهاب لامع يشق عتمة السماء، لماذا لم تتريث للحظات كي نستعيد طاقة حواسنا على رصد إيقاعك الخاطف في الطريق الشاقة نحو المجد والنجاح؟

كيف ودعت ابتسامتك الأخيرة يا فتى قبل أن تخونك قدمك على السفح المرتفع في البلاد البعيدة، لمن أودعتها قبل أن تترك لنا نظرة تأمل تطل متفائلة من عين العدسة الحزينة..ما سر كل هذا الابتسام العذب؟ وقد جاء يقطر بريقا خاطفا من رمش حالم يستكين تحت شهقة الحاجب فوق نظرة حالمة بالتفوق والنجاح، هل تنوي بسحر بريق السن طحن صخرة ناتئة في الجبل الغدار؟ أم زرعها إلى الأبد على جدار قلوب هشة تكويها النيران؟ هل تقصد أن تشعل بها نار حزننا المتقد على غيابك صباح مساء، أم تغتال فرحنا النادر المحاصر بالحواجز والانقسام وجنون الاحتلال في السنوية الرابعة والثلاثين لميلاد يوم الأرض في الجليل؟

مَنْ أفشى لنا سر غيابك الأبدي على الملأ؟ لمعة ضوء يتيمة حجزت ابتسامتك في لحظتها الأخيرة على جبين صورة فوتوغرافية، شكلت حدا قاطعا بين زمنين: واحد للحياة القصيرة العابرة وآخر للغياب الطويل المرير.

هل نبحث عنك منذ الآن في ملف الذكريات، ونضطر لاستخدام لغة جديدة للفعل الماضي القاتل..ليتك لم تهب نفسك لإرادتها الطوعية المبادرة بتذليل الصعاب والارتقاء كنسر جامح إلى تلة مرتفعة لتخاطب السماء وتطل من سقفها على الأرض.

سقطت العدسة في بئر حزنها باعتبارها الشاهد الأخير على رمشة عينيك، هل تحطمت وظيفة صورتها وقد كنت ترغب بتوقيع مجدها لتعيد لاحقا سحبها من ملف الذكريات، وإعادة بناء التاريخ المغامر لاندفاع الشباب في نشاطاتهم الطلابية واندفاعاتهم المعرفية، وذلك عندما تعرضها مسنا وقورا على الأبناء والأحفاد.

ليتك لم تغب عنا لنظل نحتفل معا كل صيف بعودتك البهية يظللها السعادة بنجاحك الأكاديمي المبهر..ليتك لم تغب لنظل نستقبلك بالفرح قادما بسعادة غامرة من بيت لحم لتحتفل في طقوس تعشقها مع أهلك وذويك وأصدقائك عشية رأس السنة الميلادية في رام الله.

لك المجد، ولوالديك وشقيقاتك وخالتيك وجدك وجميع أحبائك الصبر مع اقتراب الأربعين على غيابك متزامنا مع الأسبوع الأول من أيار الجاري، وقد رحلت عن أبصارهم قبل أن تكمل ثلاثة وعشرين ربيعا، لتفقد فرصة التحليق سبعين دورة أخرى حول الشمس، فتكتمل سنوات العمر المنتظرة بالأمل دون اعتراض على القدر، ربما من أجل أن تتأمل طويلا تغير فصول السنة منتظرا عودة شقائق النعمان تشق الأرض الصلبة بورقتها الناعمة الحمراء.

رحلت شهيدا للعلم بحادث سقوط مؤسف أدمى القلوب، من التلال المرتفعة المجاورة لبلدة “فانكوفر” على حدود ولاية “اوريغن” في الساحل الغربي الأميركي، أثناء رحلة طلابية جماعية بمشاركة طلبة الدراسات العليا في كلية الهندسة بجامعة ولاية واشنطن..نم قرير العين هادئا تحت صمت شاهدة الإيمان على الطرف البعيد للكوكب البشري، وقد رفعتك العناية الإلهية يا نسيم من رماد الأرض إلى نور السماء وسلمتك نجما متوهجا للأحياء الشهداء.

:::::

bfeature2000@yahoo.com