تهويل… وحال تغني عن السؤال!

عبد اللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2240)

لعل من مستجد السنوات القليلة الأخيرة، أن البعض، وأنا منهم، قد درجوا فيها على القول بأن المشروع الأمريكي في بلادنا وجوارها الإسلامي قد بدأت ارهاصاته بالتراجع، وأن المشروع الصهيوني قد اصطدم بحدود قدرته القصوى وأخذ في التأزم. هنا لا تنقصنا الأدلة ولا تعوزنا الأمثلة. بالنسبة للأول، تكفي نظرة إلى حالتيه في العراق وأفغانستان، وبادي التحولات الكونية، التي نجمت عن تناهش المراكز الصاعدة لسطوة وهيمنة وتفرد أحادية القطبية الأمريكية في هذا العالم… الصين، الهند، البرازيل، وإفاقة الدب الروسي بعد سبات ما بعد نهاية الحرب الباردة، واستطراداً، التحولات الإقليمية، الحالة الإيرانية، وحديث الإنعطافة التركية، ما آلت إليه حروب العم سام الكونية على ذاك العدو اللامرئي المسمى بالإرهاب، وأخيراً راهن الأزمة الاقتصادية… وكل ما ينبئ بحتمية ولوج روما العصر بدايات العد العكسي في آخر مشوار ذات الصيرورة التاريخية لما سبقها من بائد الإمبراطوريات.

… وبالنسبة لحليفه المندرج تحت عبائته والأشبه بالعالة المستديمة عليه، الصهيوني، الإنكفاء من لبنان اندحاراً عام ال 2000، فشل استهدافات حربه العدوانية عليه عام 2006، واستهدافات حصاره المستمر ومحرقته نهايات عام 2008 أمام اسطورة وملحمة صمود غزة… بداية وجود ما اطلقنا عليه الردع المقاوم، ومعادلة مطار مقابل مطار ومرفأ مقابل مرفأ… والكلام عن محور تحالف قوى المقاومة مع دول الممانعة… والأهم قبل هذا وذاك، هو الفشل في تغييب الشعب الفلسطيني أو انتزاع تسليمه بضياع فلسطين، أو فل إرادة المقاومة وتمسكه بحقوقه غير القابلة للتصرف في وطنه التاريخي والعودة إليه، بعد 62 عاماً من النكبة والتشريد والتهويد والقمع والسياسات الإبادية مختلفة الأوجه.

كل هذا صحيح، وقد لا يختلف الكثيرون عليه، لكنما الصحيح أيضاً، هو أن المشروعين، الأصل والفرع، أو المركز والثكنة، الأمريكي والصهيوني، لم يهزما بعد ولن يرفعا الراية البيضاء في المدى المنظور، وإنما، وفي الحالة هذه، فمن المنطقي، وهو الملموس راهناً، أنهما سيكونان في أشرس حاليهما وأكثريهما غطرسة ومكابرة وعدوانية. فالمتراجع من شأنه أن يكشر عن أنيابه أكثر للحفاظ ما استطاع على بقايا من سالف صورته العتيّة المرهوبة ما استطاعت إليه قوته ومناوراته وضجيجه ومؤامراته سبيلاً، وهو في هذه الحالة على استعداد لارتكاب أكثر الحماقات هولاً للتمسك بما كانت له من سطوة، شأن كل من هو مثله، الذي من طبيعته أنه لايحتمل الاعتراف بتراجعه. كل الأرقام التي تخبرنا بها الدراسات التي تصدر اليوم في الولايات المتحدة وليس سواها، التي تتعرض للمقارنة بين حالي الإنفاق على الآلة الحربية الأمريكية، وتصاعد عملية استخدامها، وعديد الجند الذين يرسلون إلى مسارح الحروب، ولنأخذ أفغانستان مثلاً، في عهدي الاستباقي بوش ومحافظيه الجدد وفارس التغيير أخانا باراك حسين أوباما وديموقراطييه، تقول لنا أن عهد الأخير قد بزّ عهد سلفه، انفاقاً واستخداماً، وإزهاقاً للأرواح في سفوح جبال الهندكوش، والسفك بدم تكنولوجي بارد للدماء المُسترخَصة لقبائل الحدود على ضفة “حليفه” الباكستاني!

أما الصهيوني المأزوم فحدث ولا حرج، ارتفعت مستويات عدوانيته وغطرسته وصلفه على مؤشر نتنياهو فائق الدقة، فبلغت ما بلغته تهويداً في القدس، التي لم يتبقى فيها بعد مكاناً للتهويد، فتم الانتقال إلى تهويد ما تحتها أنفاقاً وحفريات، وإلى سمائها جسوراً وأبراج كنس، وسطواً على مقدسات أكنافها ومعالمها التاريخية بضمها زوراً وبهتاناً إلى التراث اليهودي المزعوم. ولعل من أعجب ما يؤشر إلى ارتفاع هذه المستويات بلطجة هو ما يطفح على جلد المشروع المأزوم من بثور من مثل أفيغدور ليبرمان، وسبل تطبيقاته على وقع فتاوى الحاخام عوباديا يوسف!

هنا، الحليفان، المتراجع والمأزوم، أو العراب والابن بالولادة والتبني، المركز وثكنته المتقدمة، قد يطرأ على تماهيهما شبه التام عملاً وليس بالضرورة قولاً، بعض ما يشوبه من بعض تناقض في المصالح. فالحليف المدلل قد لا يهمه كثيراً مراعاة ماقد يسببه لمصالح رب نعمته المتسامح من حرج أحياناً… هنا، نذكر، الموقف من تساؤلات أوباما المزعومة حول “الاستيطان”، ما خُصّ به الضيف، نائب الرئيس الأمريكي، المفاخر بصهيونيته رغم مسيحيته بايدن، من الإهانة المعروفة. التعامل المسبق المُحبِط في ظاهره لجولات ميتشل السلامية وربما المتفق عليه باطناً. الإذلال الدائم لعواطف سلطة رام الله المحبة للسلام وللتفاوض من أجله إلى الأبد، معتمدة في مكابدتها لولهها الدائم هذا على التطمينات والإيحاءات ومأمول الضغوطات الأمريكية، ولدرجة أن يُطمئن رئيس السلطة من على شاشة التلفزيون الإسرائيلي مشاهديه بأنه يرفض حتى رمي المحتلين بالحجارة!

هذا الموحي بالتناقض لمن يتمنى وجوده، وأحياناً ما تبديه بعض المناوشات الإعلامية بين الحليفين، أوحى لعرب التسوية بمزاولة هواية تجديد الاتكال على موهوم ضغوط الحليف الأكبر في مواجهة عنجهية وصلف الأصغر، وهو الأمر الذي بدوره قد قطعت بعدمية فرضيته جولات ميتشل المتبنية لكل ما هو نتنياهوي في نهاية كل جولة، وتراجعات أوباما اللاحقة عن سالف مواقفه المتغيرة عادةً… لنأخذ مثلاً:

نذكر أنه كان قد كثر اللغط حول إلغاء نتنياهو لحضوره المقرر للمؤتمر الذي دعت إليه واشنطن وعقد فيها قبل أسابيع حول الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل… كثر الكلام حينها عن أن عدم حضوره كان في وجه من وجوهه بسبب من تداعيات تلك الخلافات التي نجمت عن عدم إجابته على أسئلة أوباما التي مرت الإشارة إليها، وكثرت التأويلات على هامش هذا الإلغاء حول تلك الخلافات المزعومة… بعدها زار باراك وزير الحرب واشنطن، وكان في جدول لقاءاته والتصريحات الأمريكية التي سمعها مع العالم من مضيفيه ما سفّه أحلام أو أوهام اللاغطين… لقاء مع جيمس جونز مستشار الأمن القومي، ينضم إليه لاحقاً أوباما. ولقاءات مع رئيس وكالة الاستخبارات المركزية CIA وزيرة الخارجية كلينتون. رئيس الأركان الأدميرال مايكل مولين. المبعوث الخاص ميتشل. أما ما سمعه هنا، فأهمه كان من زميله غيتس وزير الحرب الذي قال:

“إن أوباما وباراك قد تباحثا في التحديات التي تواجه الأمن الإقليمي، وكيفية مواجهة التهديدات التي تتعرض لها إسرائيل والولايات المتحدة”… إذاً المهمة مشتركة والهدف واحد ومصدر التهديدات أو العدو واحد، فماذا بقي من حكاية الخلافات؟!

وعليه، ما كان من باراك إلا أن شكر إدارة أوباما على “رؤيتها الواضحة لما ينبغي القيام به في الشرق الأوسط”. ردت كلينتون التحية بأحسن منها، أرسلت تحذيراتها لكل من سوريا وإيران من مغبة “تهديد” إسرائيل!

المتراجع والمأزوم أكثر تكشيراً وأكثر عدوانية وأشد تماهياً واحدهما مع الآخر هذه الأيام. هذا ما تعكسه حفلة تهويل مدروس تثأر هذه الأيام، تتوزع أدوارها بين الهبة الباردة والهبة الساخنة كلٍ من واشنطن وتل أبيب، وأحياناً تعطي بعض الأدوار للكومبارس الأوروبي، وبعض التلقينات عبر الإيحاء لبعض المُستلبين في المنطقة… همروجة صواريخ سكود المزعومة العابرة للحدود السورية اللبنانية المفتقدة للإثباتات والتي تعوزها الأدلة وتجافيها المصداقية، والتي سخر منها كل عسكريي العالم، باعتبار أن من الصعب عدم اكتشافها نقلاً أو تنقلاً، أو نصباً ومن ثم استخداماً دون التنبه لذلك والتمكن من تدميرها سلفاً، لاسيما إذا كان هذا في بلد صغير المساحة تمسحه الأقمار الصناعية والطائرات يومياً، وترقبه العين الأمريكية والإسرائيلية ومن والاها فيه حركة كل نملة في رقعته على مدار الساعة!

سحبت حكاية سكود لتستبدل لاحقاً ب “أنظمة متعددة”، من “مصادر متعددة”. هنا لا مجال للاثباتات والبرهنة فهي ليست متوفرة وليست مهمة ولا منشودة. المهم أن غيتس يجزم بأن حزب الله يمتلك من القذائف والصواريخ “أكثر مما تملكه غالبية حكومات العالم”… وصولاً إلى القول بأن “سوريا وإيران تزودان حزب الله بقذائف صواريخ ذات قدرات عالية الأهمية”… مثل هذا الكلام يذكرنا بما كنا نسمعه عن تهديد أسلحة عراق ما قبل الغزو الأمريكي للأمن القومي الأمريكي!!!

ماهو بيت القصيد… لم كل مثل هذا التصعيد، أو هذه العودة المعهودة لتلك المتلازمة المعتادة: إطلاق “التهديدات” والإيحاءات بقرب اندلاع الحرب، وبالتوازي معها “التطمينات” التي تصدر عبر التصريحات المتراجعة أو الاستدراكات اللاحقة، أو من خلال الرسل والمتطوعين لنقلها من الأوروبيين؟ لماذا كل هذا التهويل، وفي أي سياق اليوم يحرص على اثارته هذين الحليفين، المتراجع والمأزوم؟!

كنا قد قلنا سابقاً أن الأمريكان ليس بوسعهم احتمال حرب مضافة إلى حروبهم المتعثرة في المنطقة. لاسيما وأن أوضاعهم في العراق وأفغانستان هي أكثر من ورطة وأقل قليلاً من الهزيمة، والإسرائيليون الذين لايقلقهم شيء مثل قلقهم من بوادر تحقق معادلة الردع المقاوم، وتحالف المقاوم مع الممانع في المنطقة، واندثار سحب الأوهام التي عاش على سرابها أو تذرع بها ما يوصف ب”المعتدلين” فيها، سوف يعدون إلى العشرة قبل شن حرب جديدة… إذاً، ورغم أنه لا يؤمن شر ماقد يأتي من متراجع ومأزوم فجأة، المسألة لا تعدو حفلة تهويلية هدفها استباقي هو الحد من تلاحم المقاوم مع الممانع، وابعاد الممانع عن الممانع، والدفع بمن يناقشون من الأطراف الدولية مطلب العقوبات الغربية على إيران لمواصلتها برنامجها النووي إلى التوافق مع المطالبين على فرضها لتفادي الحرب واسترضاء الملوحين بها… تمرير صفقة توافق المتراجع مع البراغماتي الروسي، الذي كان عزيز قوم ذل، واستبدل الأيديولوجيا بالميكيافيلية، حول مسألة إرجاء مناقشة الترسانة النووية الإسرائيلية إلى مابعد فرض الاستسلام على العرب، والتأكد من تسليم من لديه منهم من أسلحة جرثومية أو كيماوية سلفاً، بمعنى اعتبار الترسانة النووية الإسرائيلية دفاعية، في حين أن امتلاك إيران للمعرفة النووية، واحتمالات أو ظنون في نية سعيها لامتلاكها عسكرياً، هذا الذي تحرمه عليها فتوى خمينية وتنفيه قياداتها صباح مساء، أمراً يهدد أمن العالم… البيان الذي صدر عن توافق كليهما وجاء وكأنما قد صدر من تل أبيب!

لكن يأتي على رأس كل ذلك ما يعد للقضية الفلسطينية هذه الأيام من محطة تصفوية بدت ملامحها وحتى سيناريوهاتها تسرب إسرائيلياً، حيث تتلاقى في توزيع أدوارها حركة المتراجع والمأزوم بتسارع لا يخفى على أحد ولا هما يحرصان على إخفائه… نتنياهو يبلغ مؤتمراً لحزبه بأنه “سمع بارتياح” أن أبا مازن “يعتزم استئناف المحادثات”، وأنه سيسعده كثيراً “إذا تم هذا بالفعل الأسبوع المقبل (الجاري)”، وهذه المحادثات أو المفاوضات يشترط سلفاً بأنها ستكون “دون شروط مسبقة” من قبل سلطة رام الله، أي نسيان مطلب وقف “الاستيطان”، لكنها لا بد أن تأخذ بعين الحسبان شرطاً يضعه هو، وهو الاعتراف ب”دولة قومية للشعب اليهودي”… السلطة رئيساً ومصادرا قالت، بعد لقاءات ميتشل الأخيرة الحاثة على هذا التفاوض، بأنها سوف تستفتي في الأمر لجنة المتابعة العربية لابطال قرار القمة العربية الأخيرة القاضي بأن لا تفاوض دون وقف “الاستيطان” والأذن لها ببدئه، أو تغطيته… لاحقاً أكدت السيد كلينتون على ما سيسعد نتنياهو وقالت أنها تتوقع من المتابعة العربية الاستجابة لمطلب إسعاده… هل ستصدر مثل هذه الفتوى التي تجيز من قبل المتابعة ما منعته القمة؟ لعل واقع الحال العربية يغني عن السؤال!!!