شهداء أيار

د. ناديا خوست

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2240)

“شرحت لكم دخائل الصهيونية التي لا تنحصر مطامعها في فلسطين بل تقصد نشر ظل الحكومة اليهودية على سورية والعراق وتأسيس دولة كبرى”.

شكري العسلي

في حديث في مجلس المبعوثين عن (الاستعمار الصهيوني)

أيار 1911

شهداء أيار طليعة الشهداء العرب في عصرنا الحديث. جمعتهم القضية نفسها. ويمكن أن يكتب على ضريح أي منهم ما كتب على ضريح رشدي الشمعة: شهيد الأمة العربية.

هزجت دمشق يوم أعدم شهداء أيار: زيّنوا شامنا! وكرّمتهم بأضرحة نقشت عليها القصائد. ويتبين من يلامس اليوم جلسات مجلس المبعوثين الصراع الضاري بين رجال أيار العرب، ممثلي بلاد الشام، والوطنيين الأتراك والأرمن، وبين الصهيونيين. ويستنتج أنهم كانوا طليعة من قتلهم تطابق المشروع الاستعماري والصهيوني. ‏

كان شهداء أيار نخبة مثقفة، كشفت مشروع تفكيك الدولة الشرقية وتسليم فلسطين للصهيونيين. فوضّحت محور الصراع المركزي في المنطقة. في سنة 1911، أي قبل تسع وتسعين سنة، قال مبعوث حلب، عبد الباقي حسني، إنه عندما ولّي قضاء حيفا منع الصهيونيين من البناء في أرض الدولة. ومع ذلك بنوا مساكن ومعامل ومدارس ومستشفيات دون رخص رسمية وأسكنوا يهود بولونيا وروسيا. وعندما عزّت عليهم استمالته سعوا إلى عزله. وفي السنة نفسها قال اسماعيل حقي: يهدد الصهيونيون هذه البلاد بخطر داهم. وعرض جاويد بك أن يسكن المستوطنون في فلسطين ويملكوا الأراضي ليستطيعوا يوما إنشاء حكومة إسرائيلية. وأكد أن (الموسويين قرروا أن يعززوا نفوذهم في سورية وفلسطين ويمدوا سلطتهم إلى العراق). وقرأ قرار المؤتمر الصهيوني في برلين لتوطين اليهود في فلسطين. وأكد رضا الصلح ماقاله اسماعيل حقي عن هجرة اليهود إلى فلسطين وأن لهم علما ونقودا. ‏

في أيار سنة 1911، تحدث شكري العسلي في مجلس المبعوثين عن (الاستعمار الصهيوني). وعرض على المبعوثين طوابع بريد أصدرتها الجمعية الصهيونية، وذكر تعريف الصهيونية في دائرة المعارف البريطانية، وسعي هرتزل لتوطين اليهود في فلسطين وتأسيس دولة لهم فيها. وتحدث عن المؤتمرات الصهيونية، وفروع الجمعية الصهيونية، في فلسطين، وعن تسلح المستوطنين، وقال: لهم مدارس ودور حضانة ونشيد وقضاء وبريد. وذكر أنه امتنع عن إجراء معاملة بيع قلعة الفولة. لأن (قلعة الفولة قلعة تاريخية عدا مكانتها العسكرية)، وهي قائمة بأسوارها وخنادقها. ومع ذلك تباع لأفراييم، أحد أعضاء المنظمة الصهيونية. قال العسلي: (شرحت لكم دخائل الصهيونية التي لاتنحصر مطامعها في فلسطين بل تقصد نشر ظل الحكومة اليهودية على سورية والعراق وتأسيس دولة كبرى). ‏

وقد ذكّرت جريدة المقتبس في سنة 1911 بقيمة القلعة التاريخية التي دافع عنها العسلي: الفولة واقعة في سهل زرعين، تابعة لقضاء جنين من أعمال نابلس. عسكر صلاح الدين على عين زرعين قبيل معركة حطين. وقد أخذها اليهود، وعينهم على الفولة. فالصهيونيون ساعون لاحتلال فلسطين. و(إذا ظلت الحكومة على مساعدة الصهيونيين فإن فلسطين ستصبح بعد أربعين سنة مستعمرة لهم). ‏

قتل شهداء أيار، إذاً، لأنهم كشفوا المشروع الصهيوني لاحتلال فلسطين والسيادة على المنطقة. ومنذ تلك اللحظة تداخل الدفاع عن الهوية العربية بمقاومة الخطر الصهيوني. ‏

لا تزال الأجيال التي رأت احتلال فلسطين العربية حيّة. لا يزال المهجرون من مدنهم وقراهم أحياء. وأمامنا تنهب عصابات المستوطنين بيوت المقدسيين وتحميها عصابات الجنود الإسرائيليين. ونرى من الخليل إلى القدس هول تخلف أولئك المتعصبين المتوحشين. ومع ذلك تجعل العنصرية العالمية المسألة كأنها سلاح المقاومة، لا سلاح مجرمي الحرب الذين يملكون رؤوساً نووية! وتقدم (الاعتراف) بإسرائيل، لا حقوق الشعب الفلسطيني في وطنه، ومحاكمة مجرمي الحرب! ويباح لإسرائيل أن تهدد لبنان بالحرب، وأن تعربد في الأجواء اللبنانية، وترفض أي توازن في القوى في المنطقة، وتعلن أنها قد لاتكتفي بالعقوبات على ايران! ‏

مع ذلك تسطع الحقيقة: فرضت إسرائيل بالقوة، وأسست على الجريمة والمجازر. دمرت القرى العربية وطمرت الآبار واقتلعت المقابر الإسلامية، وقطعت الطرقات، وسرقت حجارة الأضرحة التاريخية العربية وألصقتها على أبنية لها لتؤكد (استمراراً تاريخياً خيالياً). ولكن نهب الآثار التاريخية الإسلامية والمسيحية لن يهبها جذورا تاريخية. بل سيزيد غربتها عن نسيج المنطقة. ولاتزال كلمات شهداء أيار في أسماعنا عن أولئك المستوطنين الغرباء الذين اخترعوا لأنفسهم نشيداً وعلما! ولايزال محور الصراع المركزي كما فهموه تماماً: بيننا وبين الصهيونية!
:::::

صحيفة “تشرين”، 1/5/2010