المشروع النهضوي العربي: أفكار قديمة بصياغات قلقة

أعطوا ما للإسلام للإسلام وما للعروبة للعروبة

سركيس ابو زيد

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2241)

كثيرة هي المشاريع التي تُنظّر للنهضة العربية في ظلّ الضعف والتخلف والتجزئة التي يعانيها العالم العربي، وآخرها ما صدر عن «مركز دراسات الوحدة العربية» تحت عنوان «المشروع النهضوي العربي» الذي اعتُبر ثمرة جهد عظيم تبلور منذ العام 1988، بمشاركة تيارات فكرية عديدة: قوميين، إسلاميين، يساريين وليبراليين، بسبب طموحه لتمثيل الأطياف كافة وليكون مشروعاً للأمة جمعاء. وهو خلاصة ندوات ومؤتمرات نظمها المركز وحشد لها الباحثين والمفكرين والخبراء وأعضاء لجنة الصياغة وفريق التحرير ولجان المؤتمر القومي العربي، وصاغها في أربع مسودات معلناً عنها في مؤتمر صحافي.

فإلى أي مدى يُعبّر هذا المشروع عن نهضة الفكر القومي العربي وتجديده؟

وهل وفّر رؤية متكاملة قادرة على مقارعة تحديات الحاضر والمستقبل؟

بعد طول انتظار، أطل مشروع نهضوي جديد محاولا وضع يديه على العلل التي غرق بها العالم العربي من تخلف وتمزق واحتلال وانحطاط واستغلال، لكن ترياقه المستوحى من التسليم بوجود علاقة عضوية تربط بين القومية العربية والإسلام، يدفع للشك بقدرته على تحقيق تقدم في معالجة المسائل التي طرحها.

وفي هذا المقال، سأتوقف عند العلاقة التي أسرت الفكر العربي منذ عصر النهضة الاولى، وتمسكت بها المشاريع اللاحقة، فكررتها بصياغات جديدة ملت النهضات من ألوانها، وها هو آخر مشروع نهضوي ينطلق منها كأنها من المسلمات. فتبنى التوصيفات ذاتها التي حاصرت العروبة تحت مظلة الإسلام، مستعملاً عبارات مثل «الأمة العربية ومشروعها الإسلامي» و«الثقافة العربية الإسلامية» و«الشخصية العربية الإسلامية» و«الحضارة العربية الاسلامية». هذا الإصرار الساعي للحفاظ على الزواج القسري بين العروبة والإسلام، أسفر عن التباسات جوهرية وازدواجية مربكة بمفهوم «الأمة» العربية والاسلامية، ما يحرّض الذاكرة على العودة إلى الازدواجية التي حكمت الفكر العربي منذ القرن التاسع عشر، حين نشأ تصور توفيقي للأمة يجمع ثنائية الدين والقومية التي استعرضها المفكر الدكتور ناصيف نصّار في كتابه «مفاهيم معاصرة للأمة» موضحاً ان الازدواجية أغرقت الفكر العربي في مستنقع من المآزق ما زال يتخبط بها حتى الآن. وجاء المشروع الجديد ليكرسها. فلقد طالب بإعادة إدراك الهوية على قاعدة «أن الإسلام ـ بتراثه العقدي والحضاري ـ شكل محتوى للعروبة والقومية العربية» مقراً بأن «المسيحيين العرب يسلمون بأن الإسلام جزء أصيل من حضارتهم العربية». لكنه لم يعرّج على موقف القوميين العرب من المسيحية العربية. فهل يسلمون بأن المسيحية الشرقية جزء من التراث العربي؟ وهل يقرون بأن الأقليات العرقية، بل حتى الإسلامية، هي جزء من حضارتهم العربية؟ ام أن هذه العناصر ليست مكوناً اساسياً وعضوياً في العروبة، وإنما مجرّد «تنوع ثقافي… ينبغي استثماره» وكأنها عناصر ثانوية و مجرد فولكلور من خارجها وليس من صلبها.

إضافة لذلك، فالربط العضوي يطمس الهوية العربية ويجردها من تراثها الضارب في جذور تاريخ ما قبل الإسلام. فالمشروع النهضوي الحالي يتجاهل جذوره ويعيش حالة اغتراب مع ماضيه، لإنكاره الحضارات السابقة على بزوغ الإسلام، كالأكادية والبابلية والحميرية والفينيقة والكنعانية…! فقد أظهرالعروبة وكأنها لم تبصر النور إلا مع انتصار الدعوة الإسلامية. حيث ورد في الصفحة 51 «ان الاسلام هو الذي زود العرب بمشروع تاريخي منذ الدعوة، وهو الذي قادهم الى تأسيس دولة وحضارة كبيرتين، والعرب هم الذين حملوا الاسلام الى العالم فبات كونيا» ثم خلص إلى معادلة: «ما أحوج الإسلام إلى العروبة وما أحوج العروبة إلى الإسلام».

كما امتدت التباسات هذا الربط على يدي المشروع الجديد لتطال الصعيد الإقليمي، عبر تقديم مقاربة مربكة ومترددة في توصيف العلاقات العربية مع كل من تركيا وايران. فبينما ركز على «التشدد القومي الواضح للثورة الإيرانية والتناقض بين مشروعها «الإسلامي» والنظم العربية عامة، والخليجية خاصة، وعزا إليهما احتقان العلاقات العربية ـ الإيرانية »، بدا توصيفه للعلاقة مع تركيا اقل حدة وحزما، فغيّب عنها مقولة «التشدد القومي» ولم يتطرق لـ«مشروعها الاسلامي» او حتى العلماني، بل اكتفى بنقد خجول لتركيا، معتبراً أن «القضايا الحيوية كالمياه ولواء اسكندرون والعلاقات التركية ـ الإسرائيلية» مجرد عوامل توتر في العلاقات العربية ـ التركية ! ثم أثنى على «التطورات الداخلية في تركيا في العقود الأخيرة… في ضوء التطور الإيجابي الموقف التركي تجاه الصراع العربي ـ الإسرائيلي». وهذا يدعو للتساؤل: أليست تركيا متشددة قومياً؟ وهل قصرت إيران منذ انتصار ثورتها بدعم القضية الفلسطينية والمقاومة اللبنانية؟ ولماذا تجاهل المشروع الدعم الايراني للمقاومة بينما ابرز وعظم الخلافات الايرانية مع العراق والخليج؟

لا شك في أن الإجابة ستبقى معلقة، إلا إذا ضيّق الطرح الجديد مفهوم العلاقة المستعصية بين العروبة والإسلام، إلى علاقة مسترسلة بين العروبة والمذهبية.

أشار المشروع النهضوي إلى أسباب وعوامل اخفاق النهضات السابقة وضرورة الاستفادة من مكتسباتها وتراكماتها، مركزاً على النهضة الأولى في عهد محمد علي باشا وتجربتها الاصلاحية، لا سيما في ما يتعلق «باصلاح نظام العلوم الدينية في جامعات الأزهر والزيتونة والقرويين» واعتبر أن لذلك المشروع وجهاً فكرياً «كناية عن التراث الفكري الاصلاحي الاسلامي والتراث التنويري الحداثي في القرن التاسع عشر»، ثم عزا فشل تلك المحاولة النهضوية لأسباب داخلية وأخرى خارجية، من أهمها التجزئة وتراجع الفكر الاجتهادي الإصلاحي أمام هجمة الفكر المحافظ.

أما المشروع النهضوي الثاني، فهو الذي قادته مصر الناصرية. وتعرض للانتكاس لجملة اسباب منها «الصراع الذي نشب بين المشروع الناصري وقوى الاسلام السياسي».

وبعد استعراضه عوامل الفشل، سرعان ما نسي مكتسبات المشاريع السابقة، فتجاهل ضرورة الاصلاح الديني وتراجع عنه في معرض كلامه عن التجدد الحضاري، اذ سلط ضوءاً ساطعاً على ما أسماه «الحداثة الرثة» ومواقف بعض الأطراف من «الهجوم على الدين والمشاعر الدينية للمؤمنين» وضخم من آثارها السلبية، علماً أن آثارها هامشية إذا ما قورنت بدور رجال الدين، ومواقف المؤسسات الدينية المعطلة للاجتهاد والمعيقة للتطوير والتحديث والتي تشرع الاستبداد السياسي، والظلم الاجتماعي، محاولة خنق مشاريع المقاومة العربية والاسلامية ضد الاحتلال.

ثم انتقل الى «تعظيم عوامل القوة» و«دمجها في مشروع نهضوي واحد» معتبراً أن «التيار الاسلامي قدم رديفا لها ـ اي القومية ـ في تشديده على مسائل الهوية والثقافة والجماعة والتنبيه الى اهميتها» دون أن يكلف نفسه عناء التوضيح بكيفية التوفيق بين دور الاسلام السياسي السلبي ضد مشروع النهضة الناصرية، واشادته في الصفحة التالية بمكتسبات التيار الاسلامي!

كذلك لم يوضح المشروع ماهية الجماعة في الاسلام وهل هي محصورة بدين محدد أم مقتصرة على مذهب بعينه، إذ اعتمد مقولة «الجامعة الوطنية الجامعة» لتوحيد تكوينات عصبوية من طائفية ومذهبية وعشائرية. فكيف توفق ازدواجية الاسلام والقومية بين هذه العناصرتحت اسم «الجماعة»؟

وأثناء طرحه «المعنى العصري للأمة» لم يقدم مفهوماً جديداً يستقطب كافة الفئات بما فيها من اختلاف ديني وعرقي، ويجمعهم تحت سقف مظلة وطنية جامعة. كما لم يسع لدفع الفكر الاجتهادي نحو الأمام. ولم يفرق بين اسلام جهادي واسلام تكفيري.

واستكمالاً لمسيرة الربط بين العروبة والاسلام حاول المشروع التوفيق بين الديمقراطية والشورى، وكأن الديموقراطية ليس لها شرعية قومية وشعبية الا اذا احتضنها الاسلام. فاعتبر أن «حضارتنا العربية ـ الإسلامية وتعاليم الدين الاسلامي الحنيف زودتنا بمبادئ ترتبط في محتواها بالمبادئ عينها التي قام عليها النظام الديموقراطي» وهي ليست إلا محاولة فاشلة لـ دمقرطة الشورى. ودون التطرق لإلزامية الشورى من عدمها، لأن علماء المسلمين منقسمون في ذلك، إلا أن الشورى إذا كانت ترتبط بمبادئ الديموقراطية وأن العروبة عرفتها من خلال الإسلام. فهناك تجارب نحو الديموقراطية عرفها الفينيقيون والكنعانيون ولم يأت المشروع على ذكرها، ليعيد التأكيد على أن العروبة متلازمة مع الإسلام، أما سواه فهو خارج عن الإطار الثقافي والتراثي للأمة العربية.

إن تجديد المفهوم القومي يبدأ أولاً بطرح تصور قادر على توحيد مكونات الأمة السكانية والتراثية والثقافية، لا على الربط العضوي بين الانتماءين الحصريين: العقائدي الإسلامي والعرقي لا للغوي العربي، لأن هذا الربط خلق معياراً مزدوجاً بالنسبة لمكونات الأمة من الناحية البشرية، فبينما يضع العربي المسلم داخل إطارها، يدفع بالمسيحية العربية والأقليات العرقية خارج تلك الدائرة. وهذا أضعف القوميين ولم يرض الإسلاميين، و عمل على تصدّع وحدة الأمة، من خلال تشجيعه لطرح الطوائف والمذاهب الأخرى لمفهومها الديني للأمة. وفتح الباب واسعاً للحديث عن أمم لا تنتهي: أمة مارونية، أمة قبطية، أمة كردية، أمة أرمنية، أمة شيعية، أمة سنية، أمة وهابية، أمة علوية، أمة إسماعيلية…

في الختام، «المشروع النهضوي الجديد» فكرة قديمة بصياغة جديدة، لم تتخط عتبة المأزق في الفكر العربي منذ القرن التاسع عشر التي فجرتها ازدواجية الدين والقومية. كما أنه استكمال لتراجع «الفكر الإصلاحي» الذي دعا إليه علي عبد الرزاق في كتابه «الإسلام وأصول الحكم» وهو تراجع أيضاً عن الدعوى التي أطلقها ساطع الحصري بقوله: «إن السياسة شيء والديانة شيء آخر فلا يمكن ـ والحالة هذه ـ إقامة السياسة على الديانة بصورة من الصور».

:::::

“السفير”

http://www.assafir.com/Article.aspx?ArticleId=924&EditionId=1506&ChannelId=34989