قراءة في طرح الهيئة الوطنية الفلسطينية للدفاع عن الحقوق الثابتة (الحلقة الثانية)

إعادة بناء م.ت.ف وتفاوض لا إنهزامي وحلٍّ عادلٍ!

أم حركة عربية للمقاومة ومناهضة التطبيع؟

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2241)

هذا نقاش آخر في بعض أطروحات هذه الهيئة على أمل رؤيتها من الداخل وما تبغيه، باكثر مما ورد على ألسنة بعض مؤسسيها.

من القضايا الأساسية التي طرحتها هذه الهيئة/التيار مؤخراً، أن اللجنة التحضيرية لِ “الهيئة الوطنية الفلسطينية للدفاع عن الحقوق الثابتة “للتحضير للمؤتمر التأسيسي تضم بين صفوفها أعضاء منتمين إلى الفصائل والحركات الفلسطينية مثل فتح وحماس، ويعملون جنبا إلى جنب ضمن توجهات أغلبية الأعضاء المستقلين الذي يؤسسون في هذا المضمار تيارا سياسيا جديد”ا.

سؤالنا هنا ما الأهم: أهي اللحظة وشروطها، أم تشكيل تيار بمعزل عنهما، ربما تيار من اجل دور له أو لمن يقودونه مما يفتح على الذاتية وبحث فئة أو حفنة أو حتى قيادي واحد عن دور خاص به؟

أين سيقف هذا التيار في لحظة الاستقطاب الحالية؟ نقول الحالية لتوضيح خلافها واختلافها عن لحظة 1967 حين وفر الاندفاع الكفاحي رغم الهزيمة مناخ تفتح مائة وردة. هناك، ولحظتئذٍ تعددت الرؤى والبُنى وكانت جميعاً باتجاه الكفاح المسلَّح دون مواربة أو مداورة.

فماذا عن اليوم؟ المتوفر اليوم معسكران لا أكثر، وقد تكون هناك اجتهادات في كل منهما، هما معسكر التسوية ومعسكر المقاومة والممانعة؟ فاين سيقف التيار السياسي الجديد حتى لو ضمَّ حقيقة عناصر من حماس وفتح وغيرهما. وهل سيغير هؤلاء مواقفهم لمجرد وجود هذا التيار وعملهم إلى جانب المستقلين؟ هل سيختلف الأمر عن المحاولات التي جرت في الضفة الغربية لإقامة تيار ثالث؟

قد يستغرب البعض اننا نضع الأمور بهذا الحدِّ الحاسم: مقاومة أو تسوية/تطبيع. نعم، فاللحظة حبلى بمتغيرات مخاض صعب لأن معسكر الأعداء يريد أن يحسم المعركة هذه المرة إلى الأبد. اي أخذ الوطن العربي بأجمعه، وإلقاء العرب خارج التاريخ تماماً. وكأن لسان حاله يقول: اليوم ولا كل يوم. يجب قتل براعم المقاومة قبل أن تتحول إلى أذرع. هذا هو الشرق الأوسط الجديد. إذن كما نجح المركز في الفتك بالأمة العربية في سايكس بيكو، أوائل القرن الماضي، صار لا بد من نظيرة لها في القرن الحالي متجلية في الشرق الأوسط الجديد. وهذا ضمن تفكيك وتذرير بلدان المحيط عامة والعربي خاصة. وإذ كانت سوريا قد قُسِّمت من داخلها في القرن الماضي، فالآن دور العراق والسودان ومصر والصومال ولبنان…ومن يدري؟

وهذا ما يبيح لنا سؤال التيار: اين سيقف؟ وقد نوسع السؤال للقول: أما والمعركة على راس الأمة بأسرها، أين يقف حتى كل فرد؟ وكيف له أن يعفي نفسه من موقف فقط لأنه مشغول بجسده؟ أمام الطوفان العام، يكون الحياد سلبية مع سبق الإصرار قد ترقى إلى الخيانة.

ولو افترضنا صحة كل ما يقوله هذا التيار، بمعنى انه مستقل وخارج التنظيمات ويستقطب من عناصرها…الخ، يظل السؤال مطروحاً: أين سيقف تيار سياسي علني يتجول في رحاب وأوساط “الشرعيات” العربية غير الشرعية شعبيا وقومياً؟ هل سيتجول بكل هذه الأريحية أم أنه سيكون محكوما بسقف الأنظمة القطرية وهذا سيكون مصير منظمة التحرير بمعنى أنه سيحييها على مقاس المواقف السياسية للدول القطرية ليس أعلى؟ كما هو الحكم الذاتي محكوم بسقف الكيان ولخَّص واختزال منظمة التحرير في الحكم الذاتي.

مرة أخرى، هذه اللحظة ليست لحظة 1967. آنذاك كانت “الشرعيات” الحاكمة مهزومة، ولم تكن من الثقة بالذات بحيث تجرؤ على نهش المقاومة المسلًّحة لأن تلك المقاومة وحدها هي التي دافعت عن شرف الأمة بإإطلاق النار بدل جبهات “كان على رؤوسها الطير” باستثناء الجبهة المصرية في نهايات الحقبة الناصرية، فأين مصر مبارك من مصر ناصر. كان التحرش بالكفاح المسلح جريمة تشعل ناراً وتُلحق الخزي. فماذا عن اليوم؟

أما وهذا التيار السياسي الجديد هو تيار سياسي، فما هي طبيعة مقاومته؟ هل ستختلف عن ما يطرحه الحكم الذاتي، “المقاومة الشعبية” بلا سلاح ومن اجل هدف واحد هو التفاوض ضمن مبادرة الدول العربية التي شعارها: “السلام خيار استراتيجي” بغض النظر عن اي ظرف! هذا اللون/الألوان من المقاومة التي جعلت من الاحتجاجات “السلمية” في قرية بلعين سقفها الأعلى، مما جعل بلعين طقساً اسبوعياً يختزل المقاومة بذهاب قادة فصائل لا تؤمن بالكلفاح المسلح لالتقاط الصور، والتصريح على الفضائيات وكفى الله المؤمنين القتال!

يبقى القول، طالما ان المطروح تيار سياسي فلننظر في قرائته للحل بما هي لا تتعدى كونها قراءة سياسية وحسب، وهذا يطرح السؤال المحرج: هل نحن بحاجة لقيادة سياسية؟ أم نحن بحاجة لموقف فكري/سياسي/عروبي واضح يقوم بتواصل وعمل يومي في اوساط الطبقات الشعبية العربية لمواجهة التطبيع، والتطبُّع بالتطبيع واستدخال الهزيمة.

يتحدث هذا التيار عن “الحل العادل”. والحل العادل تعبير غير كفاحي. هو تعبير او اصطلاح مشترك مع الطرف الآخر، مع العدو ومع قيادة المجتمع الدولي. إذن الخلاف هنا ليس مبدئياً والتناقض ليس تناحرياً. وعليه، يكون الحل تفاوضياً.

لا بأس إذن، فالصورة بدأت تفقد بعض غباشها المقصود والمضاف إليها بمهارة وحذق أكاديمي. لننظر الفقرة التالية:

“تعهد البيان ببدء العمل في الأوساط الشعبية الفلسطينية وداخل القوى الاجتماعية الفلسطينية من أجل بلورة تيار سياسي شعبي فلسطيني مستقل يتمسك بالحقوق الفلسطينية الثابتة، و”يرفض نهج التفاوض الانهزامي الذي تمت ممارسته”. كما شدد على التوجه للعمل من أجل إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية، وفي المقدمة منها منظمة التحرير الفلسطينية”.

هل يمكن في هذه المرحلة اللجوء إلى تفاوض غير انهزامي؟ دعنا نقول حبذا! ولكن، في هذه المرحلة حيث يصر العدو على دولة يهودية نقية وتطبيع عربي شامل معه، وتحوله إلى وادي سليكون للوطن العربي (اي هو المركز العلمي ونحن السوق المحيطة)، فعلى ماذا ستتم المفاوضات “الأشطر” من مفاوضات د. عريقات؟

لو قال هذا التيار انه سيكون تياراً سياسياً تثقيفيا تعبويا، لقلنا ربما سيقوم بالتحريض في الشوارع والحواري والمنتديات ضد التطبيع، وبالطبع في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين الذين مثلاً في مخيم الوحدات منعوا د. عزمي بشارة أحد مؤسسي هذا التيار قبل أكثر من عشر سنوات[1].

لكن التيار، حتى قبل مؤتمره بدأ يتحدث عن التفاوض؟ وهنا يصبح الحديث في نطاق سبق البلاغة التفاوضية، بلاغة اللغة أو البيان، سيان.

في قول آخر ورد:

ونادى البيان بمواجهة الصهيونية باعتبارها حركة عنصرية مرفوضة، وأن “إسرائيل دولة غاصبة معتدية، وأنها أيضا وبالأساس خطر على المنطقة العربية، وعلى الدول العربية كلها، وليست خطرا على الفلسطينيين فقط”

طالما أن الصهيونية حركة عنصرية وغاصبة، فما معنى التفاوض معها؟ هل له معنىً سوى الإقرار بأن لها حقاً وبأنها ليست مغتصِبة لحقنا؟ أم أن الحق مناصفةً؟

يستكمل التيار توضيح صورته بالحديث عن الحل العادل دون أن يقول لنا ما هي رؤيته لهذا الحل، بل ما هو اقتراحه. فليس لأحد يلقي حل قضيته في حضن الآخرين أن يشترط حلاً لا عادلا ولا منحازاً. ما يُسمَّى الحل العادل هو عبر الأمم المتحدة كمؤسسة غربية لراس المال، وفي التحليل الأخير لأميركا. أليست هي التي اشترطت عودة اللاجئين الفلسطينيين منذ 1948؟ ماذا فعلت؟ لا شيىء سوى خدمة الكيان الصهيوني. وهي نفس الأمم المتحدة التي أعطت موافقتها على تدمير العراق. من هنا، كان لنا التوضيح، بأن ما هو قائم إما المقاومة وإما التسوية، إما التطبيع والتفريط، وإما رفض التطبيع حتى بين المرء ونفسه.

هل قادة هذا التيار من البساطة بمكان حتى يتحدثوا عن حل عادل، أم أن المقصود تطييب خاطر بسطاء/ات القوم بعبارات ضخمة كهذه وبلا معنى؟ وإن كان هكذا، وهم هكذا، فبماذا يختلفون عن أنظمة الحكم؟

ولكن، لكي نؤكد على مهارة وقدرات وخبرة قادة هذا التيار، فإن الحل العادل والتفاوض غير الإنهزامي…الخ تنسجم حقيقة مع السائد، اي عدم إزعاج الولايات المتحدة، بل التحدث بعبارات التوائية مُوارِبة لدنة قابلة للتطويع والتحوير.

ما معنى إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية دون الحديث الملتزم بالميثاق القومي الفلسطيني (1964) وحتى الوطني الفلسطيني (1968)؟ اي بالتحرير؟ وطالما أن التيار لن يمارس الكفاح المسلَّح، بل سيصفق لتحميس من يكافحوا، فهل سيقف التيار في جانب التحرير على الأقل التزاماً بإسم منظمة التحرير. وإلا، فلماذا لا تسمى منظمة التفاوض الفلسطيني؟ وحينها: “وفي ذلك فليتنافس المتفاوضون”!

ما معنى إعادة بناء المنظمة سياسياً وتفاوضياً في مناخ المطلوب فيه طي صفحة التفاوض على الأقل لما أحدثته من كوارث ودونية ( كامب ديفيد، مدريد-أوسلو أو اوسلو-ستان) والتصدي لمشروع الشرق الأوسط الكبير، الطوفان الكبير؟ في مناخ مطلوب فيه جهد كل امرأة ورجل فرداً فرداً لمواجهة التطبيع والتدمير. نعم كل فرد، من نام فليصحو.

وأخيراً، هل سنكرر تجربة ما بعد 1967 فيما يخص التطوع العربي في المقاومة؟ أم يكن الأصح حركة عربية واحدة تعمل كل منها في مكانه وتنسق قومياً. وفي تصديها لنظام القطرية هنا وهناك تساهم في تحرير فلسطين؟ حركة عربية تبدأ من الأساس الشعبي، من القاعدة من تحت مع النساء والرجال وبهم، في الحواري والمدارس والجامعات ومعسكرات الجيش والأسواق والمساجد والكنائس، والنقابات والاتحادات والنوادي والمقاهي ودور الرقص والسينما والصحف والشبكة العنكبوتية…الخ تبدأ بمناهضة التطبيع ومناهضة من يتطبَّع بالتطبيع وممارسة المقاطعة ومن ثم التنمية بالحماية الشعبية وهذه كلها درجات في المقاومة والإعداد لعودتنا إلى التاريخ أي محرِّرين ومحرَّرين.

لا بأس، كان بوسع العرب قبل 1948، اي قبل تمأسس الدولة القطرية التطوع في فلسطين، وبعد 1967 صار الأمر أكثر صعوبة لوصول مواقع المقاومة فماذا عن اليوم؟ هل بوسع جزائري أن يدخل إلى جنين!؟ ألا يعني تجنيد عرب في هذا التيار أنه تجنيد سياسي ليعطي قيادته مشروعية سياسية لا مشروعية كفاح مسلَّح؟ أم أن هذه القيادة ستصبح قيادة الشعب العربي؟

لا يصل العربي إلى فلسطين المحتلة إلا تابعا ومُطبٍّعاً ووضيعاً. ولا تسمح الأنظمة العربية لعربي أن يشارك في عمل فلسطيني في القطريات إلا بما يتلائم مع دورها التطبيعي، أو في حدود ما تسمح لعمل مواطنيها في قطرهم؟ من هنا، ومرة أخرى، المطلوب حركة ثورية عربية واحدة، نكون جزءاً منها ولا تكون هي جزءاً منَّا.


[1] في ذلك الموقف قامت الشرطة باعتقال عدد من الشبان الذين منعوا بشارة من الدخول بما هو عضو كنيست، وحين تم تقديمهم في اليوم التالي أمام قاضٍ من الأردن الشقيق: سأل: لماذا أوقفتم هؤلاء؟

الشرطة: لأنهم منعوا د. عزمي بشارة من دخول المخيم.

القاضي: أطلق سراحهم، ومرة ثانية سأكون معهم!