تصدّعات في أركان الاتحاد الأوروبي

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2242)

على مدى ثلاثة أشهر مضت بدا الاتحاد الأوروبي متردّداً ومرتبكاً بصدد معالجة الأزمة المالية التي عصفت باليونان ووضعتها، كما قيل، على حافة إعلان إفلاسها كدولة. وفي تصريح له قبل أيام، عشية انعقاد القمة الأوروبية، قال وزير المالية اليوناني أنّ بلاده تريد حلاً أوروبياً لأزمة ديونها، وأنها لن تذهب إلى القمة الأوروبية للاستجداء، فالمفروض أن تكون هناك آلية سياسية لضمان استقرار منطقة اليورو، ولدعم الجهود التي تبذلها كلّ دولة من دول الاتحاد الأوروبي (الصحف – 23/3/2010).

لقد كشف تصريح الوزير اليوناني، رغم عموميته وغموضه، ما يمكن اعتباره تصدّعات في أركان الاتحاد الأوروبي وفي بنيته الإجمالية. فهو أشار إلى أنّ اليونان تريد حلاً أوروبياً، أي من داخل الاتحاد، وهذا يعني أن هناك من يدفعها لإيجاد الحلّ خارج الاتحاد. وهو أشار إلى أنّ بلاده لن تستجدي الحلّ من القمة الأوروبية، وهذا يعني أنّ هناك من يشعرها ويتعامل معها كأنّما هي ليست عضواً أصيلاً في الاتحاد، بل كأنما هي من خارجه. وأخيراً هو أشار إلى عدم وجود آلية سياسية اتحادية تضمن الاستقرار في منطقة اليورو، وهذا يعني نقصاً خطيراً أو تصدّعاً في الأركان الأساسية التي ينهض عليها الاتحاد!

وعندما انعقدت القمة الأوروبية بعد ثلاثة أيام وافقت على المساهمة في تقديم قروض ثنائية، وبطريقة منسّقة، إلى اليونان، إلى جانب تمويل يقدّمه صندوق النقد الدولي! أي أنها دفعت باليونان إلى الاقتراض من مؤسسة تدخل إلى حدّ كبير في دائرة النفوذ الأميركي، الأمر الذي يدلّ على مدى تغلغل هذا النفوذ في الاتحاد الأوروبي اقتصادياً وسياسياً! وبالفعل رأى عدد من المسؤولين الأوروبيين في لجوء منطقة اليورو إلى صندوق النقد الدولي دليل ضعف سياسي واقتصادي في الاتحاد الأوروبي!

وعلى صعيد آخر، يتعلّق بالأركان التي ينهض عليها الاتحاد الأوروبي، كشفت الأزمة اليونانية هشاشة المحور أو الركن الألماني/الفرنسي، حيث تراجعت فرنسا عن اقتراحاتها بإنقاذ اليونان من دون تدخّل صندوق النقد الدولي. وبما أنّ باريس لا تكفّ عن إعلان طموحاتها الأوروبية الوحدوية الاستقلالية (إزاء الولايات المتحدة خصوصاً والأطراف الدولية الأخرى عموماً) فقد كشف تراجعها، حسب رأي مراقبين أوروبيين، عن أنها لا تملك وسائل تحقيق طموحاتها الأوروبية التي طالما عبّرت عنها!

والجدير بالذكر هنا هو ارتفاع نسبة العجز في موازنات دول مثل اليونان وإسبانيا والبرتغال.. وفرنسا أيضاً، قياساً بدول مثل ألمانيا وهولندا والسويد! ففي حين تراوح العجز في دول المجموعة الأولى ما بين 8 إلى 13 في المائة، بقي في المجموعة الثانية في حدود 2 إلى 5 في المائة خلال السنوات التي تلت اعتماد اليورو كعملة مشتركة! ومن هنا نفهم مغزى اعتراف وزير الإنعاش الاقتصادي الفرنسي الذي قال عن اللجوء إلى صندوق النقد الدولي أنّه: “مؤشّر ضعف يوحي بعجز أوروبا عن تحصين عملتها”!

لقد كشفت الأزمة اليونانية عن التصدعات الهيكلية في الاتحاد النقدي الأوروبي، وذلك جرّاء انعدام التنسيق في السياسات الاقتصادية لدول الاتحاد، وغياب آليات التضامن بين أعضائه (أنظر صحيفة “الحياة” – مقالة نور الدين الفريضي – 27/3/2010).وبدلاً من التركيز على الأسباب الحقيقية انطلقت الاتهامات المتبادلة، فرأت ألمانيا إقصاء كلّ دولة لا تتقيّد بمعايير الاتحاد النقدي وتفرط في إطلاق ما يتسبب بتسيّب عجز الموازنة! فتردّ فرنسا بأنّ ألمانيا تستغلّ الأزمة الحالية، وأنّه يتوجب على الحكومة الألمانية حفز وتنشيط الاستهلاك الداخلي في ألمانيا، والاستيراد من الدول المجاورة، بينما هي تستفيد من كونها المصدّر الأول في الاتحاد، وتستفيد من تراجع اليورو على خلفية الأزمة اليونانية، حيث يزيد تراجع العملة الأوروبية الموحدة في القدرة التنافسية للمؤسسات الألمانية المصدّرة..الخ! إنّ ألمانيا متهمة من أقرانها باتباع سياسة أنانية، تشجع الصادرات الألمانية على حساب الاستهلاك الألماني الداخلي، وعلى حساب الاستيراد من الدول الأوروبية المجاورة! فتردّ ألمانيا بأنّ برلين أجرت إصلاحات هيكلية مؤلمة في اقتصادها، بينما لم تبادر فرنسا بعد لاتخاذ مثل هذه الإجراءات..الخ!

تقول الدول الأوروبية الثرية، وفي مقدّمتها ألمانيا، أنّ هناك دولاً، كاليونان والبرتغال وإسبانيا، اعتادت على مستوى معيشة أعلى مما يسمح به مستوى أدائها الاقتصادي، مستفيدة من دعم الدول الثرية ومن الاقتراض والتمويل بالعجز، وأنّ العجز تجاوز الحدود المسموح بها وصار يعرّض الوحدة النقدية الأوروبية لخطر الانهيار. ومن هنا يأتي التحفظ ورفض تقديم مساعدات مباشرة لليونان، لأنّ مثل هذا الدعم سيشجع دولاً أخرى على طلب دعم مماثل لا تستطيع المفوضية الأوروبية تقديمه، ولذلك ينبغي على الدول التي تعاني عجزاً مالياً مساعدة نفسها بنفسها، من خلال سياسات تقشّف قاسية، لأنّ الاتفاقيات الاتحادية لا تسمح للمفوضية الأوروبية بتقديم مساعدات جماعية تمكّن كلّ دولة مأزومة من تجاوز عجزها على حدة..الخ! هذا ما يقوله الأثرياء الأوروبيون، حتى أنّ وزيراً ألمانياً اقترح على اليونان، العضو في الاتحاد، رهن عدد من جزرها لقاء ديونها! تصوّروا! مثلما رهنت مصر قناة السويس في قديم الزمان!

:::::

ns_shamali@yahoo.com