حول الكيان الصهيوني وكيان الدويلة القطرية الكولونيالية العربية وما بينهما (الحلقة الأولى)

محمود جلبوط

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2242)

تساءلت دائما وخاصة في الفترة الأخيرة : ترى إلى أين تدفعنا وتقودنا كل هذه الرداءة العامة والتردي الشامل اللذان يلمان بنا هذه الأيام في مجريات تفاصيل حياتنا اليومية في الصقع العربي العزيز سوى إلى الهاوية والانتحار الجماعي والتلاشي؟

وإلاما تهدف كل هذه الرذيلة والإفساد الاجتماعي العام والممنهج منذ مطلع القرن العشرين وإلى الآن وإن بشكل متفاوت فيما بين القطريات العربية المختلفة؟

إلى أي درك سافل يريد الكمبرادور العربي إيصال البنية المجتمعية العربية أكثر مما وصلت إليه هذه البذاءة الثقافية المعولمة والملبرلة، هذا العهر السياسي وسوقية وصفاقة ممارستها من قبل كل مريدي رأس المال في محاباة الكيان الصهيوني واستدخال الهزيمة التي ألحقها هذا الكيان بأنظمتها القومية في حرب 67؟ وهي هزيمة لحقت بمجمل البنية المجتمعة العربية وعلى مستوى الوطن العربي لاستحصال اعتراف شعبي بها للتمهيد لقبول عودة الاستعمار. فاستدخال الهزيمة يجري على قدم وساق حتى من قبل تلك الأحزاب والتنظيمات اليسارية والقومية التي كان لها تاريخ نضالي ومقاوم. فعندما أعادت النظر في برامجها حديثا ألغت انتمائها إلى حركة التحرر الوطنية القومية العربية ودعت إلى التطبيع مع هذا الكيان الصهيوني والاعتراف بما اغتصبه من أرض عربية. أما حق المقاومة فقد أسقطوه ودعوا لتحرير الأرض عن طريق المفاوضات مع العدو والتطبيع معه ومع مجاميع الكمبرادور العربي الحاكم والرأس مال الامبريالي بل راهنوا على هذا العدو الخارجي لإسقاط كمبرادورهم القطري الحاكم ليمنحهم “ديموقراطيته” بل اكتفوا بالدويلة القطرية الكمبرادورية وطنا نهائيا لهم. والتي لم يتصور المرء مطلقا أنها تصدر حتى عن امرء موبوء وبائي غرق حتى الأنف والثمالة في جورة خلاء العدو إن كان عدوا وطنيا أوقوميا أو طبقيا أو حتى إنسانيا فكيف إذا اجتمع كل ذلك في عدو واحد كالعدو الاشكنازي الصهيوني ؟ وكأن الكمبرادور العربي الحاكم بمجاميعه وخدمه يأكل خيانة ويتبرز خيانة وينام خيانة ويصحى خيانة، والله لن تستطيع كل عبارات البذاءة التي استخدمها الشاعر مظفر النواب في وصفهم ولن تفيهم حقهم.

ولكن هل حقا يفي بالغرض لتفسير كل ما يقوم به هذا الكمبرادور الحاكم ويجترحه مع أتباعه من كمبرادورات ثقافية ودينية وسياسية حزبية بشقيها اليميني واليساري(يبدو أنها تحاكي اليسار الصهيوني) ومنظمات أنجزة، هل يفي باغرض أن نطلق عليهم صفة خونة أو خدم الكيان الصهيوني كما يحلو لعبد الباري عطوان؟ أم أن المسألة تحمل أبعادا أكثر من ذلك بكثير ترتبط بالمصالح والبنية الطبقية؟ وأنها ليست أفعالاً طارئة ترتبط بسلوك هذه الأيام بل هي منسجمة مع الانتماء الطبقي الرأسمالي تمتد جذوره التاريخية عميقا إلى المرحلة التي باغتنا بها رأس المال الغربي الصهيوني في فترة تحوله إلى إمبريالي بعد أن ضاقت عليه سوقه المحلية فقرر الهجوم علينا وغزونا واستعمارنا فأدرك أنه لن يتم له ذلك إلا بخصينا ولجم وإعاقة تطور بنيتنا الاجتماعية الطبيعي وهي في طور دخولها العصر الرأسمالي بهدوء، فبنى هذا التدخل الاستعماري الامبريالي ملازمه الاجتماعية وبخطط ممنهجة حطم أقدامنا ليعيقنا عن الحركة الطبيعية بنيويا فأفرزت ممارساته لاحقا قوى اجتماعية طبقية كولونيالية عميلة له لا تتأتى مصالحها إلا عبر تبعيتها له. ثم أنتجت فيما بعد لوازمها الأيديولوجية والفكرية والثقافية والدينية والسياسية كحليف طبيعي ومنطقي وطبقي لقوى الاستعمار الصهيوامبريالي.

كيف نفسر كل هذا التسابق من قبل الكمبرادور العربي : يميني ويساري والذي لا مثيل له على مستوى التاريخ البشري الحديث للتطبيع مع كيان صهيوني استيطاني عنصري اقتلاعي لأي أثر عربي أو إسلامي أو مسيحي من فلسطين، يهينهم في كل دقيقة من نهارهم ويخترق عليهم غرف نومهم كما حدث في دبي مؤخرا (يحكم سلوك الكيان الصهيوني نحوهم سلوك المركز أو المعلم ويحكم سلوكهم نحوه سلوك الأطراف والعبيد)، بل لقد تحولت “إسرائيل” وكما جاء على لسان مشايخهم ولبرالييهم وحتى يسارييهم في غمار حربها مع حزب الله في تموز 2006 كدولة حليفة لهم في مواجهة المقاومة اللبنانية (وأيضا في العراق وفلسطين والصومال). وهي كذلك حليفة أيضا في الصراع ضد إيران( ولا أدري إن كان الكم الهائل من المشتركات والإسرائيليات الدينية والرؤية التوراتية لبداية الخلق والتاريخ البشري في النصوص الإسلامية قد كان له دورا جوهريا في بناء هذه الخلفية الذهنية للثقافة العربية ـ الإسلامية). أتساءل فقط : كيف لا يرهبهم مئات الصواريخ الصهيونية بالقرب من غرف نومهم ومنتجعاتهم السياحية بينما تهتز فرائسهم وعروشهم جميعا من احتمال أن تصبح إيران دولة نووية؟ (لم يكن هذا حالهم عندما كانت إيران حليفة لإسرائيل وشرطي بالنيابة عن أمريكا لحماية حقول النفط وتهديدا لحدود الإتحاد السوفييتي السابق)، أم أن الأسلحة النووية وغير النووية الصهيونية وجدت لحمايتهم وحماية عروشهم؟ وهل هناك استنتاج آخر نستطيعه تفسيرا لعدم فزعهم من النووي الصهيوني الموجود والمحقق وفزعهم من النووي الإيراني المحتمل؟

وهل يكفي تفسيرا لكل ما يحدث من أن سلوك هؤلاء الجمع الكمبرادوري بدافع شهوة الخيانة الوطنية لديهم؟ وهل هناك من هو خائن بالفطرة الإنسانية كما يسمنا العدو الصهيوني بذلك عندما يصف العربي؟

أتحتاج المسألة الى التنقيب في ركام الوثائق السرية التي تطلق سراحها من حين لآخر دوائر المراكز الامبريالية للاطلاع على تعهداتهم واستعدادهم ومساهماتهم لإقامة الكيان الصهيوني على حساب أرض فلسطين وسكانها ثم التعهد بحمايته والتطبيع معه وإبرام المعاهدات معه، كما يحاول محمد حسنين هيكل، لكي نثبت خيانتهم لمصالح الأمة وتآمرهم مع العدو لسرقة البلاد وسحق مقدرات نموها وتتطورها الطبيعي ؟ وهل ترك سلوكهم العلني مع العدو وتصريحاتهم العلنية من دواع لفعل ذلك؟

لقد بذلوا بدون مواربة ولا خجل ولا حتى أدنى إحراج جهودا عسكرية مباشرة إلى جانب العدو لسحق العراق وإسقاطه، بل حاصروا حتى مقاومته التي انطلقت مباشرة بعد سقوط بغداد. حاصروا المقاومة اللبنانية في عز اشتباكها مع العدو الصهيوني وحاصروا المقاومة الفلسطينية حتى بتجويع الشعب الفلسطيني للضغط عليها. سعوا حثيثا إلى جانب العدو لضرب كل مقومات أي مقاومة عربية وتجفيف مصادر تمويلها من تبرعات شعبية، وعبروا عن الاستعداد للانخراط مع التحالف الغربي الصهيوني لضرب إيران لأنها ترفض الانصياع للكيان الصهيوني بعد أن أعلنوا صراحة مجتمعين عبر مبادرتهم العربية المشؤومة بالاعتراف للكيان الصهيوني وبحقه باغتصاب كل ما اغتصب من فلسطين والاستعداد للتطبيع الكامل معه وإقامة العلاقات الاقتصادية والسياسية والسياحية بشكل علني بل حصار ومنع وحتى مقاتلة من يعارض ذلك. هل ترك لنا كل هذا الوضوح في التصرف والتصريح من دواع للبحث فن أي وثائق أو اتفاقات سرية؟

إننا نرى أنّ السؤال الجوهري والمركب الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو: هل أن هذا السقوط الأخلاقي والسياسي الذي يعم منطقتنا العربية والرداءة التي تحيط بنا من كل صوب وكل الأوصاف التي سبق وعرضناها، هي أزمة عربية سياسية ـ اجتماعية تخص الأمة بما تعنيه كطبقات شعبية فقيرة أم هي أزمة كمبرادور عربي منسجمة مع طبيعته الطبقية؟ وكان سلوكها السياسي ونهجها الاقتصادي والثقافي والأخلاقي والاجتماعي عن سابق إصرار وترصد ومخطط من قبل كل مجاميع الكمبرادور العربي بكل فئاته بل لا يمكن أن تسمح له بنيته الاجتماعية أصلا أن يسلك نقيض ذلك؟ هل يندرج ذلك تحت بند الخيانة أم أنه علاقة منطقية طبيعية تحكمها المصالح الطبقية لهذه الفئة من الكمبرادور العربي الموزع على كيانات قطرية وظيفية في ظل علاقة بنيوية تخارجية لصالح المركز ولم يكن من الممكن أن تتم صيانة هذه المصالح إلا من خلال تحالف استراتيجي ثلاثي المحور رأس مال مركزي ـ رأس مال صهيوني ـ رأسمال كولونيالي عربي لا يستوي منطقيا أن تتناقض مصالحه أبدا معهما. وعليه، فسيكون ضحايا هذا التحالف الشيطاني العرب الفقراء بكل طوائفهم، بإسلامييهم ومسيحييهم ودروزهم وشيعتهم…الخ.

إننا نرى أنه لا يفي بالغرض إطلاقا الاكتفاء باتهام هذه الطبقة ومستلزماتها من حزبيين يسارا كان أم يمينا ورجال دين وكتاب ومثقفين بالخيانة، بل نحن أمام مسؤولية وطنية قومية وطبقية معا تلزمنا بتحليل هذه العلاقة نظريا وبعين جريئة ثاقبة وفاحصة وبمادية تاريخية علمية ينبغي أن لا تكون عجولة لكي لا نقع في مطب نظرية المؤامرة على أهمية تأثيراتها السياسية، أو الشخصنة، والبحث فيما جمع تاريخيا بينهما منذ زراعتهما زرعا خبيثا بقرار استعماري. ولا ينبغي أن يعفينا الإحراج الأدبي أوالأخلاقي وحتى السياسي من رصد ما يجمع بينهما من مشتركات وأهداف وكيف يشترط وجود أحدهما بالآخر للحفاظ على أمنهما المشترك.

:::::

Givara1954@yahoo.de