حوض المتوسط: فرضية الأمن (العائق والجسر)

كلاديس مطر

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2243)

مقدمة: نحو فهم جيوبوليتيكي للحوض[1]

تُرى كيف تبدو اليوم منطقة حوض المتوسط على عتبة الألفية الثالثة؟

الحق، إذا ما شملنا بنظرنا هذه المنطقة ككل سوف يخالجنا شعور بأنها تشكل نوعاً من “مفهوم” أو “فكرة مثالية” يوتوبية وذلك بالرغم من التفاوت وعدم التوازن الديموغرافي والاقتصادي والتقني بين دول ضفتي الحوض. إن هذه المنطقة، في الحقيقة، في أحسن أحوالها تبقى “مشروعاً بحاجة للتطوير”.

ولكن، وبالرغم من إرثها التاريخي الثقيل و علاقات النفوذ و القوى المختلفة التي ميزت هذا الحوض (منذ الخلافات القديمة إلى الصراع من أجل البترول)، هناك العديد من التحديات الماثلة أمامها اليوم والتي تعترض الطريق أمام هذا المشروع المتوسطي و ربما كان أهمها هو فهم الحالة الجيوبوليتكية (الجغرافية السياسية) لهذا الحوض اي فهم الصراعات والتنافس بين السلطات التي تعاقبت تاريخيا عليه. اذا لا بد لكي نفهم الحالة الراهنة لهذا الحوض من ان نفهم تاريخيا أيضا طبيعة الصراع بين سلطات الحوض و تأثيرها على الارض، ليس فقط بين دوله وانما أيضا بين سلطاته مهما كان نوع هذه السلطات. وهذا يعني ان كل جهة أو حتى كل شعب إنما هو في حالة صراع أو تنافس من غيره، مستندا إلى فهمه لتاريخه الخاص، أو إلى مقاربة تختلف مضمونيا وموضوعيا للمعسكر المنافس بحيث يحاول كل طرف من أطراف الصراع فرض رؤيته والمطالبة بحقوقه في أرض أو إقليم بناءا على افتراضه التاريخي الخاص وهو افتراض في اغلبه إما مبتور أو غير موجود أصلا بالنسبة لمؤرخين أقل ما يقال عنهم انهم اكثر أو أقل موضوعية في فهمهم لما يجري. فضلا عن أنه لا يمكن، انطلاقا من هذه النظرة الجيوبوليتيكية التاريخية للحوض، الافتراض ان هذه القوى السياسية المتنازعة انما هي تلك التي تقع على حدود بعضها البعض فقط (كما هو الحال في الصراع العربي الاسرائيلي او المغرب والجزائر وبين دول البلقان وما نتج عنها من تفكك يوغوسلافيا السابقة او تلك التي تقع في البلد الواحد بسبب الدين او تقسيم الثروات (كما هو الحال في لبنان، اسبانيا وايطاليا) وانما هناك حلفاء بعيدون او قريبون لهذا الطرف او ذاك يساهمون بشكل مباشر وغير مباشر في ادارة وتغيير دفة الصراع والتدخل فيه بحيث يتحولون هم ايضا الى عامل اساسي يساهم في مصير هذا الحوض.

ان تبني فهم جيولوبيتكي لهذا الحوض من شأنه ان يجعلنا نغير ادوات مقاربتنا له وبالتالي ان نتحرك في هذا المضمار بشكل اكثر تريثا وواقعية. انه في الحقيقة ليس حوضا معزولا عن بقية الصراعات في العالم كما اسلفت وانما هو يعيش ايضا “تداعيات” الصراع في مناطق اخرى فيه. لهذا، فليس الامر بعيد عن الدقة وانما من غير المفيد في اغلب الاحيان اختزال الصراع في المتوسط باعتباره صراعا بين القسم الشمالي (الاوروبي المسيحي) والجنوبي (الاسلامي النامي او الما تحت النامي)، او رده فقط لمجرد صراع حضارات واديان. ان الاعتداءات التي حصلت في النصف الاول من القرن العشرين كانت على القسم الشرقي منه من قبل دولة غير متوسطية (انكلترا وفرنسا). لقد كان الاسطول الانكليزي مهيمنا في المتوسط حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ( حلت بعدها البحرية الامريكية محله- الاسطول السادس الذي يضم 40 سفينة حربية و 175 طائرة و 21000 جنديا ). لهذا فانه من الحكمة و الواقعية بمكان ان نعرف ايضا نوايا القوى العظمى تجاه الحوض كما يجب معرفة تداعيات الصراعات في الاماكن الاخرى من العالم وتأثيرها عليه كتلك التي تحدث في آسيا الوسطى او افغانستان او تلك التي تتدخل في مصير بلدانه مثل العراق وايران والمملكة العربية السعودية.

لكن هذه المنطقة هي قلب العالم القديم، وهي أيضا الحوض الذي لم يعرف كيف يستفيد من أخطاء الماضي ومآسيه الذي كلفته الملايين من الخسائر البشرية والمادية. إنه يغلي بقواقعه ليس بسبب الفقر والجوع فحسب وإنما بسبب الجهل ايضاً وربما والتعصب والتطرف الذي نسعى اليوم للتحايل عليه بالتجاهل عن طريق الأحلاف التجارية والاستثمارات والحث على الديمقراطية الذي نعرف من عمق قلوبنا إنها لا تستورد ولا تُصنَع ولا تخرج من فانوس صندوق الاقتراع وإنما تنشر تماماً من خلال نبذ التطرف ونبذ فكرة “أنا أفضل من الآخر”، الأمر الذي ينتشر حقاً في عدة مناطق من هذا الحوض.

لهذا يجب أن نقف ونسال أنفسنا، تُرى هل يمكن لنا أن نتحدث أو نتوقع حقا استقراراً وازدهاراً في منطقة المتوسط مع استمرار عدم التوازن الفظيع هذا بين ضفتيه ومع استمرار هذه الصراعات المزمنة، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط والتي هي باقية إلى هذا اليوم من دون حل؟

إننا نتطلع بصدق إلى منطقة متوسطية تزدهر فيها الأنشطة الاقتصادية والتبادل المعرفي والثقافي والبشري والتقني وأن يكون هناك توليفة من القيم المشتركة المتبادلة مع الأخذ بعين الاعتبار نسبية هذه القيم، لكننا في الوقت عينه لا يمكن أن نتغاضى عن الكثير من الحقائق التي هي بالفعل عصية على التحدي والحل بسبب كونها بؤرة لتناقضات رئيسية الى الآن. إن دول الحوض التي تتشارك في قدر واحد وتعاني من المشاكل والنتائج عينها هي في الحقيقة متباعدة مقسمة بسبب العداوات الكثيرة بينها عبر التاريخ الناجمة عن تناقض المصالح. فهناك الشرق مقابل الغرب أي البيزنطيين مقابل الرومان، وهناك الشمال مقابل الجنوب أو الإسلام مقابل المسيحية وهناك الدول الفقيرة مقابل الغنية والمستَعمر مقابل المستعمر وكل هذا كان يجري في جو من الشد والجذب على مساحة جغرافية تمتد على قارات ثلاثة هي أوربا وأفريقيا وآسيا. لكننا كما أسلفنا اعلاه لا يمكن اختزال الصراع بهذه المسميات لوحدها، كما لا يمنع ان تشتركا ضفتا في أمور محددة نبعت من ماضيهما أي إرثهما وهمومهما المشتركة.

لكن الواقع مع ذلك يتجاوز هذا التبسيط له، فحوض المتوسط كان دائما ممراً أساسياً للسفر والترحال من شماله لشرقه ومن جنوبه إلى غربه ولهذا فإن عدم الأمان والاستقرار في أية منطقة من مناطقه تنعكس تهديداً على أغلب المناطق المتبقية فيه. وهذه الظاهرة التي تفرض نفسها الآن والتي أصبحت جزءاً من سمات هذا الحوض تعدُّ من أخطر وأهم خطوط الانقسام في العالم من بين بقية الخطوط السياسية والاقتصادية والديموغرافية والثقافية وحتى اللغوية والدينية الأخرى.

لهذا من الضروري بمكان أن نخلق من حوض المتوسط واحة أمان فعلية عن طريق خلق اطر للتعاون المشترك بغية توفير هذا العنصر الأكثر من حيوي والأكثر من ضروري وذلك إذا ما أردنا أن نحد من أي عدم استقرار يمكن أن يهدد الأمن في هذا الحوض.

إن أغلب المبادرات السابقة التي هدفت لتوطيد أصر التواصل بين جهتي المتوسط قد باءت تقريبا بالفشل وذلك لأنها اعتمدت على هذه الوعود غير الموجودة أو ربما الشاحبة لتأثيث معايير الصداقة الإقليمية. والحق انه بدلاً من الاعتماد على معايير الصداقة هذه، نجد أن “العيب السيكولوجي” هو العامل لربما الاكثر اهمية يتحكم ويحكم العديد من أطر العلاقات المتوسطية. [2]

ان عدم وجود “لغة مشتركة” ومقاربة مشتركة فيما يتعلق بالأمن تعتبر من أكثر العوامل ذات المعنى التي تكبح توطيد أي نوع من الحوار الأمني بين ضفتي الحوض وهو عامل يساهم حقا في زيادة سوء الفهم بين ضفتيه.

طبيعة الأمن

يأخذ مفهوم الأمن اليوم صفة متعددة الأبعاد. إنهُ لا يتعلق فقط بالتهديدات العسكرية والسياسية وإنما أيضاً بالتهديدات المتأتية من عوامل اجتماعية – اقتصادية وثقافية وحتى بيئية. وهذا يفترض أو يلزم وجود مقاربة شاملة لموضوع الأمن من خلال نمط أو شكل من حوار متعدد الجوانب من اجل هذه المنطقة، وكذلك خلق معايير تعيد بناء الثقة المتبادلة بشكل مضطرد ومتصاعد، تلك الثقة التي ما زالت غائبة والتي تعود أساساً الى سعي الغرب المستمر عبر القرون الى استغلال البلدان والشعوب الاخرى ومواردها واسواقها وايديها العاملة، والى انعدام التكافئ في التنمية.

لكن لسوء الحظ لم تستطع اغلب الجهود لتحقيق السلام والتعاون في حوض المتوسط أن تتجاوز حدود تبادل المعلومات من اجل توطيد الثقة المتبادلة وبناء معايير سلام بصيغ محددة في المنطقة.

والمطلوب كما يبدو جليا لي الآن هو:

أن يكون هناك نوع من مقاربة متدرجة ومبنية على أرض الواقع وذلك فيما يتعلق بالمشاكل المتعلقة بالأمن في حوض المتوسط مع الأخذ بعين الاعتبار واقع المنطقة السياسي.

فبالرغم من ظهور التحديات والمشاكل التي تتراوح من “تصاعد موجات التطرف والنزعات القومية المتشددة إلى تجارة الأسلحة و القيود الاقتصادية والاجتماعية والتلوث وتجاهل القانون الدولي”، وبالرغم من التفاوت الكبير السياسي والثقافي فان دول المتوسط تبدي رغبة متنامية في التعاون. لكن حماية هذه المنطقة لا يمكن أن يتم إلا من خلال نمط وحيد – ربما – من التعاون: أي أن يكون هناك خطة أمنية فعالة تنطلق من فهم لخصوصية هذه المنطقة تخاطب واقعها الفعلي وإلا من المستحيل أن نصل إلى حلول جذرية هامة.

الحق لقد فشلت المبادرات السابقة في توطيد السلام والاستقرار في منطقة المتوسط لأنَّها لم تتمكن من تقديم تقييم دقيق لواقع المنطقة، كما فشل المشاركون فيها في صياغة مجموعة من المبادىء والمعايير المشتركة المحددة والقاطعة. وكل ما لدينا الآن هو إطار شمولي عام عن مفهوم التعاون في هذه المنطقة جل ما يشتمل عليه هو حاجات وهواجس ضفتي الحوض.

إننا بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تحليل امني شامل ومفصل للمنطقة لا يتعاطى فقط ـ كما هي حال التقارير التحليلية السابقة ـ مع مواضيع مثل تكاثر أسلحة الدمار الشامل والإرهاب وتهريب المخدرات وإنما أيضاً مع التهديدات المتأتية عن نزعة الغرب نحو الهيمنة وعن الاختلافات السوسيو اقتصادية والثقافية.

طبيعة العائق

هناك هذا الحاجز النفسي الكبير والهام الذي يمنع من خلق مخطط شامل وكبير من اجل التعاون بين دول المتوسط. والحق إن أي نشاط ضمن هذا الإطار يجب أن يأخذَ بعين الاعتبار هذا الحاجز النفسي الهام. هناك بالفعل عدم ثقة متبادل ومستمر وكذلك شكوك مزمنة بين دول المتوسط الشمالية والجنوبية. والعديد من المبادرات التي سعت لتوطيد الأمن والاستقرار في المنطقة كانت مبادرات مع الأسف متفقة مع رؤية الدول المتوسطية الجنوبية للأمر. لقد كانت هذه الدول تسعى في واقع الأمر وقبل كل شيء لحفظ مكانها في سلم الأهمية الهرمية في أوروبا وكانت تريد أن تؤمن الآلية لذلك.

من الضروري أن ننتبه إلى أن منطقة المتوسط تتميز بخاصية معقدة ؛ فهناك تناقضات رئيسية وولاءات تنافسية فيها واضحة وضوح الشمس، فالدول العربية هي عربية قبل أن تكون متوسطية ودول أوروبا الجنوبية هي أوروبية قبل أن تكون متوسطية. لهذا ليس من الممكن أن نعثر على بلد ذي دماء متوسطية نقية والحصيلة الطبيعية لمثل اختلاف الهويات هذه هو أن يخلق مختلف أشكال الهموم الإقليمية الأمنية البديلة. صحيح أن دول المتوسط قد اشتركت في قدرها وجغرافيتها وماضيها ولكن هذه العوامل الثلاثة كانت، في اغلب الوقت، تمنع تشكل هوية متوسطية ومجتمع متوسطي بسبب هذا التنافس في الطروحات الأمنية الإقليمية البديلة الآنفة الذكر. كما أن عدم التوازن الديموغرافي والاقتصادي والسوسيو- ثقافي ووجود الصراعات النابعة من تاريخ هذه المنطقة كالصراع اليوناني التركي حول قضية قبرص مثلا أو الخلاف بين الجزائر والمغرب حول الصحراء الغربية والصراع بين تونس وليبيا والخصومات الإثنية في البلقان والصراع العربي الإسرائيلي الأشهر كل هذه ميزت منطقة المتوسط وعدتها واحدة من أكثر المناطق عدم استقرار وامان في العالم الامر الذي يبدو من الصعوبة بمكان أن يكون هناك إطارٌ ما من اجل السلام والاستقرار ضمن اختلاف الرؤيتين الشمالية والجنوبية فيما يتعلق بقضية الأمن.

إن السر الذي يقبع خلف تحقيق هذا المحيط الآمن والمستقر في حوض المتوسط يكمن في خلق هذه التوليفة الصحيحة لهذه العناصر من خلال النظم المناسبة.

طبيعة الجسر

في بداية القرن الواحد والعشرين الذي يتصف بهذا التسارع المر للأحداث التاريخية التي توجتها التراجيديات والصراعات والقلاقل، يتساءل أعضاء حوض المتوسط عن ماهية الروابط التي يمكن لها أن تعيد توطيد وحدة الماضي. إنَّهم يتطلعون إلى شراكة حقيقية مؤسسة على رؤية لأهداف مشتركة من أجل مستقبلهم معاً. والحق قبل أن توضع أية مبادرة خاصة بالحوض يجب التركيز أولا على زيادة الألفة بين دوله وكذلك التفهم لظروف كل طرف وخصوصيته الدينية والثقافية والسياسية وهواجسه بالعمق. ولا يجب أن تتضمن هذه المبادرات رؤية وحيدة الجانب فترجح كفة مصالح طرف على حساب طرف آخر لن يشعر في نهاية المطاف إلا بالغبن والاذلال والتجاهل وعدم التفهم.

يجب أن يفهم الغرب أن دول الحوض الجنوبي تواجه صعوبات جمة وهي ترى هذا الحس القومي المتنامي لدى دول الشمال ورهاب الأجانب والحساسية تجاه “الاخر” أو التطرف في رفض المهاجرين من القسم الشمالي.

صحيح أنه يمكن للجهود الحثيثة والمتبادلة من بلدان طرفي الحوض ومن خلال شراكتهم العملية أن تتفهم المجتمعات في الطرف الشمالي منه الا أن هذه الشراكة تتطلب من الشمال في نفس الوقت أن تتقدم في حقول الديمقراطية وحقوق الإنسان والإدارة الجيدة لبلدانها وتفضيل حكم القانون.

والغرض من هذا هو أن يتوفر انتباه متساو لهواجس كلا طرفي الحوض عن طريق التقليل من سوء الفهم بينهما وكذلك التباينات اكانت ديموغرافية أو ثقافية أو اقتصادية أو سياسية. أما مبادىء السلام والاستقرار القائمين على الحفاظ واحترام السيادة الوطنية، فيجب أن تكون حجر الزاوية لأي هوية إقليمية يمكن أن تنبثق عن المبادرات التي تسعى لتوطيد اطر شراكة متوسطية.

إن الشراكة المتوسطية يجب أن تكون مؤسسة على مبادىء المنطقة المشتركة حول السلام والاستقرار، منطقة تتمتع بازدهار مشترك وبتطوير للمصادر البشرية وللتفهم بين ثقافات وأديان وناس دول المتوسط كلها. وهذا الاستقرار على المدى العريض والطويل لا يمكن أن يتحقق في هذه المنطقة الا عن طريق مستوى محدد وواقعي من التنسيق ؛ أي يجب أن يعبر بلدان طرفي الحوض الشمالي والجنوبي عن التباين فيما بينهما بشكل موضوعي وان يتم التعاطي مع هذا الشرخ الكبير من خلال إطار المشاركة الفعلية على الأرض فيما بينهما.

على هذين العالمين أن يتعلما العيش معا، وان يحاولا أن يتفهما هواجس بعضهما البعض وان يصيغا نوع من ” الهوية السياسية ” تعتمد على إجماع هذين العالمين وذلك فيما يتعلق بالمعايير والقيم والعادات المشتركة. كما أن هناك حاجة عليا لإيجاد نوع من المقاربة الشمولية فيما يتعلق بالأمن في حوض المتوسط آخذين بعين الاعتبار طبيعة هذا الأمن اليوم المتعدد التحديات والأبعاد.

إن إعادة بناء الجسور بين ضفتي المتوسط يكون:

أولاً: اعتماد معيار واحد ووحيد في تفسير القانون الدولي وحقوق الانسان بين ضفتي الحوض. اي التوقف عن تفسير هذا القانون وتلك الحقوق بشكل انتقائي منحاز. فالقدرة التنافسية لدول القسم الجنوبي امر قد اهمل كلية من الاعتبارات الاوروبية وبدت حلول التنمية و التجارة الحرة و المجتمع المدني وكانها قد فرضت اكثر بحسب النمط الاوروبي الشمالي من دون فهم الخصوصيات الثقافية في القسم الجنوبي من الحوض.

ثانياً: من إحياء المبادرات السياسية بين الوطن العربي والعالم الاسلامي.

من جهة وبين الغرب الأوروبي المسيحي من جهة أخرى من اجل السلام والاستقرار في هذه المنطقة. صحيح ان التنمية هي البنية التحتية للأمن والاستقرار في هذه المنطقة وذلك لانها تجعل الافراد قادرين على تبوء دور لهم داخل المجتمع وعلى تحقيق طموحاتهم الفردية من خلال اندماجهم في بناء محتمعاتهم، لكن الطابع البلاغي الذي يميز الخطاب الاوروبي بالنسبة لهذا الامر لا يترجم فعليا على الارض ولا يعرف كيف يخطو خطوات جدية حقا. ان هذا الامر يمكن لنا ان تقرأه تماما في نبض “الشارع العربي” مثلا الذي ينفر من هذه البلاغة الأوروبية لمعرفته أن اوروبا هي معنية اولا واخيرا بمصالحها ومصالح حلفاءها الذي لا ينتمي اغلبهم حغرافيا الى هذا الحوض. ولهذا اقول أن حلا جذريا للقضية الفلسطينية يسمح باعادة الحق لاصحابه غير منقوصا من شأنه ان يخفف الاحتقان في هذا الحوض بنسبة 90% إن لم يكن اكثر. فهذا الصراع الذي لا يشبهه اي صراع آخر في العالم انما هو الذي فلق العالم المعاصر وليس الحوض فقط الى معسكريين حقيقيين غير متكآفئين ولا متجانسين حول مفهوم السلام والمقاومة والارهاب وجعل الفالق اكثر اتساعا لا بين شقتي الحوض وانما في الفريق او الحزب او التيار الواحد نفسه. ولهذا لا ينبغي في هذا الاطار التعاطي انطلاقا من معايير مزدوجة، ولا يحق، كما هو الحال الى هذه اللحظة، تفسير القانون الدولي وحقوق الانسان بشكل انتقائي كما اسلفت.

اذا من الحيوي جدا تبني نظام مشترك للأمن أو صيغة للتعاطي مع التهديدات اليومية وغيرها من المسائل المتعلقة بالسياسة الأمنية و بالتالي ايجاد طرق ناجذة وشديدة الفعالية تكفل الحد من اندلاع الصراعات.

ثالثاً: من بعث روح المجتمع المدني على ضفتي الحوض وخلق نوع من هوية مدنية متوسطية متجانسة تشمل المشاريع المتوسطية الحالية. والمجتمع المدني يعتبر تقريبا الحل الأمثل الممكن الذي يسمح لضفتي الحوض من التخلي عن أنماط تفكيرهما المتشدد فيما يتعلق بالعلاقات بين دول الشمال والجنوب. والفرق هنا يكمن في أن المجتمع المدني في القسم الجنوبي من الحوض ما زال في طور الانشغال في امور مثل انعدام حرية التعبير وانعدام الديمقراطية، كما ان هذا القسم يرى عيبا في الازدواجية التي يتعاطى فيها القسم الشمالي _ اوروبا – مع مثل هذه القضايا التي تشكلالاغنية العالية النغمة في خطابة اليومي بينما تراه يتعامل مع المعسكر الاخر بحسب ما تمليه مصلحته الاقتصادية والسياسية ناهيك عن امور اخرى تتعلق بتعقيدات الفيزا والتأشيرات والمراقبة. اما المجتمع المدني في القسم الشمالي فانه فقد تجاوز “الاهداف الجنوبية” منذ زمن وهو اليوم يتعاطى مع قضايا بعينها بكثير من المهنية العالية مسوقا اياها في القسم الجنوبي لما فيه منفعة له. ولهذا فان توحيد المجتمع المدني بين ضفتي الحوض انما يمر عبر قنوات تصفية كثيرة منها ازالة الشك والاحترام المتبادل والاخد بعين الاعتبار الحساسيات الثقافية القائمة.

اما الديمقراطية والتي تعتبر العامود الفقري في مجتمع مدني فلا يمكن ان نتصور حدوثها في بلدان القسم الجنوبي العربية والاسلامية عن طريق قوى خارجية[3] ذلك ان التحول الى الديمقراطية في المجتمعات العربية يجب أن يكون نتيجة لهذا التفاعل الاجتماعي المؤسساتي المدني وذلك عبر حركة ديناميكية داخلية تخلق المناخ المثالي للتأسيس لثقافة الديمقراطية نهجا وممارسة، من دون أن ننسى ضرورة توافق العوامل الإقليمية والدولية لإنجاح هذه العملية.

رابعاً: من التطوير التبادلي والشراكة الشمالية ـ الجنوبية من اجل قفزات اقتصادية تنموية متميزة. الحقيقة كثيرا ما تهمل العلاقة بين الأمن والتنمية في وطننا العربي وبدلا من التوكيد عليها بقوة تجدنا نميل الى المسائل الاجتماعية والاقتصادية اكثر. بالمقابل تلعب التمنية دورا مفصليا في السياسية بالنسبة لدول القسم الشمالي الاوروبي. والتنمية هي تحسين وسائل التعليم و البنى التحتية ـ أي انها حراثة الوعي من اجل مجتمع يرقى بالانسان اولا. إن استقلال الدول في العالم المعاصر لا يعني مجرد التوكيد على السيادة الكلاسيكية المعروفة و إنما يتجاوزه إلى استقلال النمو القومي هذا النمو المؤسس على التربية و العلم والثقافة …. والنمو هو نمو الإنسان بالإنسان ومن اجل الإنسان.. وما يطلق عليه القرن العشرون اسم النمو بتعبير اقتصادي – اجتماعي، هو ما يطلق عليه القرن الثامن عشر، بتعبير اشد التصاقا بالسياسة، اسم حرية. إن مفهوم النمو يتضمن أيضا التعاون بين ضفتي الحوض ليس بالمعنى الابسط اي مساعدة الدول الغنية للدول النامية، وإنما بمعنى تنظيم حياة جميع الناس على الأرض.

إن الإنسانية تسير نحو حضارة عالمية وهي مدفوعة إلى ذلك من خلال قوتين ؛ أولهما التقدم المستمر للتكنولوجيا وثانيهما الطموح الأخلاقي الذي لا يقل عن ذلك قوة وهو حاجة الإنسان إلى الإطلالة على الإنسانية الحقة. لكن ان كان الطريق الى الاولى حثيثا ومتسارعا فان الطريق الى القانية محفوف بالمخاطر وغير مؤكد.

خامساً: من العمل على استقرار النمو السكاني وضبط حركات الهجرة والتعاطي مع مشاكل البيئة المحيطة بالحوض.. الخ

******

في فجر هذه الألفية الثالثة نتساءل كيف يمكن لنا أن نوحد استراتيجياتنا والآليات والعوامل التي من شأنها أن تسمح بانطلاقة المتوسط في هذا القرن وان تعطي لسكانه نوعاً من الهوية المدنية المتجانسة التي خسرناها منذ زمن طويل؟

ربما يثبت التاريخ رؤية شارل ديغول الذي كتب مرة خلال سنوات الحرب عام 1943 ما يلي:

“سوف يأتي يوم يوحد فيه السلام – من البوسفور إلى مضيق جبل طارق – الشعوب التي دفعتها آلاف الأسباب التاريخية لكي تتحد معاً من أجل أن تكمَل بعضها البعض.”

أقول ربما، لاننا امام هذه الكارثة الاخلاقية التي تجتاح العالم و التي لا تعرف كيف تعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله، والتي تغض الطرف عن مظالم واهوال وصراعات لا تنتهي من اجل “حفنة من المصالح”، تجعل من ثقتنا بنبؤة ديغول أوهى من خيط العنكبوت.


[1] Géopolitique de la Méditerranée, Yves Lacoste, Perspectives géopolitiques, Brochée – 464 pages, Cycle D, Cycle L, Cycle M, Enseignants, Grand public, Prépas- 13/10/2006

Yves Lacoste, géographe et historien, est l’instigateur de la réflexion géopolitique en France depuis vingt-cinq ans. Né au Maroc où il a passé son enfance, il a été professeur à Alger (1952-1955) et a contribué à la lutte des Algériens pour leur indépendance. Il a donné à la revue de géographie et de géopolitique qu’il dirige depuis 1976 le nom du premier grand historien et géographe grec, Hérodote, dont les Enquêtes étaient, il y a vingt-cinq siècles, déjà de la géopolitique.

[2] هذا لا ينفي أهمية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية ومصلحة الغرب الاوروبي والاميركي في الحفاظ على هيمنته على هذه المنطقة ومواردها.

[3] يقول الدكتور عمرو حزاوي احد اكبر الباحثين في مؤسسة كارينغي للسلام: واقع الأمر أن ما حدث في العراق لم يكن محاولة لجعله واحة للديمقراطية ولكن ما جرى في هذا البلد أدى إلى سقوط للدولة العراقية بكل مركباتها. فغزو العراق لم يزل نظام الرئيس الراحل صدام حسين وحسب، بل أطاح في واقع الأمر بالدولة العراقية بكل مؤسساتها؛ بما فيها المؤسسات العامة والأمنية ومؤسسة الجيش العراقي. وبانهيار الدولة العراقية تولت زمام الأمور مجموعات تختلف مصالحها وصلاتها بالعالم الخارجي، ما جعل العراق يقترب من حالة الحرب الأهلية.

ما حدث في العراق هو غزو، و يمكن أن نسمي العراق الآن بالدولة الفاشلة، لأن المؤسسات العراقية لا تستطيع فعلا أن تدير الملف الأمني بمفردها وتعول باستمرار على قوة الاحتلال الأمريكية؛ فنحن إذن أمام حالة استثنائية لا يمكن من خلالها معرفة مدى تقبل الوطن العربي للديمقراطية.”

http://ar.qantara.de/webcom/show_article.php/_c-492/_nr-720/i.html