هل حقًا تراجع التيار في جبل لبنان؟

ليلى نقولا الرحباني

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2243)

كما كان متوقعًا، وقبل تبلور نتائج انتخابات جبل لبنان البلدية، انهالت التصريحات السياسية والتحليلات الصحفية تتحدث عن التيار الوطني الحر لقياس نسبة شعبيته وتزايدها أو تناقصها، وكأن الصحافة والساسة ومراكز الابحاث والدراسات لا همّ لها سوى وضع بارومتر احصائي تقيس فيه “كل لحظة” مؤشر صعود التيار او تراجعه. واللافت أن الصعود لا يؤخذ بعين الاعتبار ولا يشار اليه، إنما يقاس على كل حالة خسارة حتى لو كانت فردية للقول بتراجع “أكيد ومحتوم” لشعبية التيار.

في البداية، ان الاحصاءات الدقيقة والوافية للخريطة الانتخابية لجبل لبنان لا تشير مطلقًا الى خسارة التيار الوطني وتراجعه ولا الى تدني نسب التصويت الشعبي له، بالعكس ان النتائج المحققة هي أكثر من ممتازة للتيار الوطني الحر وحلفائه.

وبغض النظر عن الاحصاءات العددية، ونحن لن ندخل فيها ولكننا سنسجّل ملاحظاتنا على العملية الانتخابية البلدية برمتها والتعاطي الاعلامي مع نتائجها:

اولاً:تاريخيًا، لم تستطع الاحزاب السياسية أن تسجّل حضورًا لافتًا في الانتخابات البلدية إلا عند تقاطعها مع العائلات والفعاليات التقليدية، لذا يكون التيار الوطني الحر قد قدم نموذجًا جديدًا من التعاطي السياسي فلم يتستر بستار العائلية، ولم يمارس مرشحوه “التقية السياسية” بإخفاء هويته السياسية كما فعلت بعض الاحزاب الاخرى، بل لقد جاهر التيار بتحالفاته ولوائحه وخاض معارك للانتصار حيث يستطيع وإثبات الوجود حيث يجب.

ثانيًا: ان الادعاء بأن هناك تراجعًا شعبيًا للتيارسجّلته الانتخابات البلدية قياسًا بالانتخابات النيابية 2009 هو إدعاء كاذب، كما ان القول بأنه يمكن احتساب القوة التجييرية الانتخابية النيابية من خلال هذه الانتخابات هو كلام فارغ، إذ كيف يمكن احتساب البلدات التي تواجهت فيها لوائح التيار، او تلك التي كان في جميع لوائحها أعضاء من التيار الوطني الحر؟ ثم كيف يحتسب تصويت بعض العونيين للوائح تمّ تبنيها من قبل الخصوم بعد انكشاف غبار المعارك؟

ثالثًا: إذا سلمنا جدلاُ ان هناك تراجعًا في نسب التصويت للتيار قياسًا مع انتخابات 2005، ويمكن أن يكون التيار قد خسر بعض الاصوات التي حصّلها عام 2005 لأسباب عدة بنيوية وسياسية ومرتبط باللحظات التاريخية التي تجري فيها الانتخابات.

أما في السياسة التي يتم التركيز عليها، فالمنطق يقول أن ما خسره التيار بسبب خياراته السياسية وتفاهماته حصل بين 6 شباط 2006 وكانون الاول 2008 أي بين حدّي توقيع وثيقة التفاهم وزيارة سوريا وبينهما حرب تموز وزيارة طهران، أما ما بعد ذلك، فمن بَقي على تأييده لخيارات التيار السياسية لا يمكن خسارته. لذا من المستحيل أن يكون هناك تراجع في شعبية التيار بين انتخابات 2009 وانتخابات 2010 مردّها الى الخيارات السياسية كما ادّعى بعض الصحفيين والسياسيين.

رابعًا:ادّعى أحد الكتّاب بأن “خسارة التيار أتت كنتيجة لعقده تفاهمات وتحالفات سياسية تناقض الطبيعة المسيحية ” ثم ردد هذا القول كثر من سياسيي الموالاة:

اللافت في هذا القول ما يُشار اليه حول “الطبيعة المسيحية” وكأن المسيحيين اللبنانيين من “طبيعة أخرى” استثنائية تختلف عن طبيعة اللبنانيين… هل هم من طبيعة خاصة ترفض مقاومة المحتل وتؤيد العمالة له؟! أو إنهم من “نوع مختلف” يجب ان تراعى خصوصيته، بما يوحي ان الكاتب – وهو بالمناسبة غير مسيحي- يحاول أن يزايد على بعض الشوفينيين مدّعي الخصوصية والتفوق النوعي المسيحي، الذي استأثروا بالنطام اللبناني فترة طويلة وأدت سياساتهم الى ما أدت اليه من كوارث ومآسي، وهو بالحقيقة حاول المزايدة على هؤلاء وتبييض وجهه معهم، فمسّ بكرامة المسيحيين اللبنانيين ووطنيتهم وعنفوانهم وعزتهم…

خامساً: ان بعض الصحافة المأجورة تحدثت عن تدني جمهور التيار وشعبيته في الانتخابات البلدية لتصل الى بيت القصيد بالنسبة لها لتقول أن خيار التيار الوطني الحر بالتفاهم مع المقاومة هو الذي أدى الى هذه النسبة.

بلا شك، يحاول هؤلاء الاستخفاف بعقل الجمهور اللبناني، إذ لم يُسجل أنه في أي منطقة لبنانية او بلدة أنه تمّ رفع شعار “استفتاء الناخبين على خيار المقاومة أو عدمه” أو حتى على وجود السلاح أو عدمه”، لتكون خسارة التيار فيها خسارة لخياراته الانفتاحية والتفاهمات التي عقدها. ثم إن التفاهم بين التيار والمقاومة تمّ عام 2006، بما يعني أن الاستفتاء على هذا الخيار – فيما لو صح القول- كان يجب أن يظهر في انتخابات 2009، لا أن ينتظر الناخبون الانتخابات البلدية لمحاسبة التيار على هذا الخيار، كما يدّعي مروّجي كذبة تراجع شعبية التيار.

في النهاية، الارقام والوقائع على الارض تثبت أن التيار الوطني الحر ما زال الحزب السياسي الأقوى في منطقة جبل لبنان، ومهما يكن من أمر هؤلاء مدّعي الانتصارات يبقى ان النسبة التي نالها التيار لوحده تفوق ما حصلوا عليه هم مجتمعين متحدين، ومتضامنين مع المال والسياسة والسلطة والمخابرات.