التحولات الدولية والخيارات الفلسطينية في نظام أمن إقليمي قيد التشكل

أبو خالد العملة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2246)

مقدمة

أفضت الحروب الأمريكية الأخيرة وخاصة في أفغانستان والعراق إلى أن تعيد أمريكا النظر في خرائطها كافة لما سمي في الأدبيات السياسية بالشرق الأوسط الجديد والشرق الأوسط الكبير. حيث استدعى انهيار الاتحاد السوفييتي، ونشوة النصر للمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، جملة من الاستراتيجيات المبنية على سيناريوهات نهاية التاريخ وصراع الحضارات، ما أنتج في الواقع انهيار توازنات إقليمية وانفجار بؤر توتر، أدخل كل هذا الولايات المتحدة في تناقضات دولية وأزمات اقتصادية لم يعد بإمكانها السيطرة عليها وإدارتها وتوجيهها وفق إستراتيجيتها المرسومة.

كما أدت الحرب التي يخوضها المجتمع الدولي تحت عنوان مكافحة الإرهاب، إلى بروز أزمات إقليمية جديدة في أفغانستان والعراق ولبنان والقضية الفلسطينية، أنتجت بدورها تطورات جيوبوليتيكية جديدة في المنطقة بشكل وضع الشرق الأوسط في قلب اهتمامات الأمن العالمي.

فالأزمات في العراق وأفغانستان ولبنان قد زادت أهمية قضايا الشرق الأوسط وارتباطه بالأمن العالمي من خلال أمرين: الأول عن طريق تغيير دور الفاعلين الإقليميين والدوليين، والثاني عن طريق تغيير طبيعة التهديدات الأمنية.

وفيما يتعلق بتغير دور الفاعلين على المستوى الإقليمي، فإن الأزمات الإقليمية قد أنتجت تغيرات جيوبوليتيكية في جانبين أساسيين، الأول: ترابط التطورات السياسية في الدول الإقليمية فمن شأن أي تطور سياسي في بلد ما التأثير على البلدان الأخرى، والثاني: التحول في الدور التقليدي والنفوذ والمصالح الخاصة بالفاعلين الإقليميين وعبر الإقليميين.

من شرق أوسط جديد إلى نظام أمن إقليمي

شهد العام 2006 تراجعاً أكبر في حدود القوة الأميركية و بدا واضحاً مع نهايته بأنّ القوة الأميركية العسكرية التي ضربت قواعد اللعبة في الشرق الأوسط عاجزة عن خلق قواعد لعبه جديدة للشرق الأوسط الجديد، بل أدّت إلى تعدد في اللاعبين وتراكم في عناصر القوة وتضارب في الرؤى والمصالح، وإرهاصات لديناميكيات جديدة تحكم المنطقة، وتحتاج إلى زمن لم يعد في صالح الولايات المتحدة من أجل إعادة ترسيم إستراتيجية جديدة. ولعل ما نشاهده من ارتباك في إدارة أوباما خير مؤشر على ذلك.

بدأت الإشارات تصل من واشنطن مع نهاية العام 2006م وذلك بعيد تقرير بيكر-هاملتون الذي تضمن تراجعاً أمريكياً عن إسقاط النظامين السوري والإيراني ورغبة في مفاوضتهما واعترافاً بمصالحهما، مع التأكيد على ضرورة الحوار على حدود هذه المصالح. هذه الإشارات وإن تعثرت في العديد من المحطات، إلا أنها ظلت تسير على نفس البوصلة، بمعنى أصبح الصراع يتعلق بحدود المصالح المعترف بها والثمن المطلوب مقابل ذلك ومن هم أطراف النظام الإقليمي الأساسيين وما هي حدود ومحددات التزاماتهم؟

استدعت هذه التحولات الدولية والإقليمية إحساس متزايد لدى أطراف النظام الدولي بأن استقرار نظام أمن إقليمي بمعايير جديدة شرط أساس من أجل استقرار قلب العالم بشكل خاص والنظام الدولي بشكل عام، بما يمكّن من إرساء نظام دولي متعدد الأقطاب.

الشرق الأوسط وآسيا: استقرار السيطرة

الشيء الوحيد الذي لم يتغير في نظرية المفكر البريطاني الاستراتيجي” ماكندر” التي طرحها عام 1904، حول قلب العالم(الشرق الأوسط وآسيا)، وأهمية السيطرة عليه للتمكن من السيطرة على العالم وأهمية قنوات الاتصال ومحطات العبور بين مكونات الكرة الأرضية يابسة وماء، هو المضمون الجيوبوليتيكي الذي وظفته وما زالت توظفه القوى الاستعمارية من أجل تبرير سيطرتها على العالم، وتأمين نهبها لثرواته، وتأمين خطوط الإمداد والنقل، وتحت مسمى التواصل والاستقرار والسلم العالمي.

تستدعي هذه النظرية التعامل مع قنوات الاتصال ومحطات العبور بين مواطن الثروات ومراكز القوة الدولية الغربية أن تتحول هذه المناطق إلى مجالات حيوية لهذه المراكز. كما تستدعي عدم السماح للقوى الإقليمية بأن تكون فاعلاً خارج السيطرة في معادلات القوة. وبالنظر لكل من إيران وسوريا وتركيا والعراق باعتبارهما قوى إقليمية رئيسية وفاعلة ومرشحة لمراكمة القوة للعب دور في صياغة معادلة القوة الدولية، ولكونها تقع في مفاصل الاتصال والعبور بين المكونات الأساسية للقلب العالمي البري والبحري، فكان لا بد من التركيز على هذه الدول ومحاولة تطويعها بما يتناسب مع معادلة أمن إقليمي يحتاجها المركز العالمي من أجل الحفاظ على مصالحه الإستراتيجية.

شروط ومحددات نظام الأمن الإقليمي من المنظور الاستراتيجي الامبريالي

أولاً: تسوية الصراع العربي الصهيوني، بما يسهل اندماج الكيان الصهيوني كدولة طبيعية في المنطقة، وكطرف أساسي في معادلة القوى، ولكن دون الاندماج المهيمن، وهذا يعني إنتاج كيان فلسطيني في خدمة عملية الاندماج هذه، وتذويب مكونات الأزمة داخل هذا النظام بطريقة أو بأخرى.

ثانياً: عدم السماح للأطراف الإقليمية بالتمحور الاستراتيجي داخل مصالح القوى الدولية الصاعدة(الصين وروسيا) بما يؤهلها للتنافس من موقع التكافؤ مع المراكز الغربية‏.

ثالثاً: دخول الأطراف الإقليمية في حوار نهائي وحاسم مع الولايات المتحدة يتم من خلاله الاعتراف بالولايات المتحدة باعتبارها ما تزال القوة الأوزن والأقدر على صياغة نظام الأمن الإقليمي.

رابعاً: الهيمنة على مصادر الطاقة والخامات الصناعية في الخليج العربي وإفريقيا ومنطقة آسيا الوسطى، من خلال المناورة مع الفاعلين الدوليين لحرمان القوى الإقليمية الرئيسية من أي مظلة مناورة تتيح لهم تحسين شروط اندماجهم في نظام الأمن الإقليمي.

خامساً: العمل على بناء شراكات اقتصادية من موقع التبعية الاقتصادية استراتيجياً وإن كان هناك مساحات يتم إخلاؤها تكتيكياً لصالح القوى الإقليمية كمحطات على طريق الهيمنة وبانتظار تغيير معادلة القوى الدولية والإقليمية.

سادساً: أن لا تؤدي أي معادلة قوة إلى خنق استراتيجي للكيان الصهيوني، حيث أن معادلة الاندماج هذه وتحول الكيان الصهيوني من منطق الحركة إلى منطق الدولة قد تسهل خنقه استراتيجياً، ولذلك لا بد من تحديد مجال حيوي له.

سابعاً: فك التحالف السوري الإيراني أو التخفف من الضرورة الإيرانية لسوريا من خلال الموازنة بالثقل التركي وتطور التضامن العربي إلى مركز إقليمي في المنطقة.

ثامناً: دخول تركيا كفاعل رئيسي في مثلث العلاقة الإيرانية العراقية السورية كمعادل لإيران من جهة وكعنصر ضاغط في معادلة أسيا الوسطى للتخفيف من الاندفاعة الروسية نحو البحار الدافئة والخليج عبر إيران وسوريا.

تاسعاً: أن لا تشكل إيران تهديداً لوجود “دولة إسرائيل” ودول الخليج العربي وتكف عن شعار إزالة “إسرائيل” وتتراجع عن برنامجها النووي خطوات محددة غربياً.

عاشراً: حل مشكلة الجولان وتسوية القضية الفلسطينية بما لا يؤثر بأي حال من الأحوال على معادلة التوازن الإقليمي ذاته، وفق التوجه الامبريالي الغربي راهناً على حساب كامل حقوق الشعب الفلسطيني وبشكل خاص حق عودته إلى دياره التي شّرد منها عام 1948م.

لكن السؤال الذي يبقى مطروحاً في حال التسليم بأن هذه هي أهم محددات نظام الأمن الإقليمي من المنظور الاستراتيجي الغربي، فما هي محددات هذا النظام من منظور الفاعلين الإقليميين وما هي آفاق تحقق هذه المحددات؟ وما هي مسؤوليات أصحاب العلاقة إزاء ما هو مطروح؟ وما هي السبل الأنجع لإدارة الصراع لتحقيق الحجم الواقعي من المصالح في هذه المرحلة، وتظهير خطوط المستقبل القابل للتعايش من موقع أن” الكل مهم والكل شريك والكل مستفيد”، وليس المستقبل الذي يكرس دول الإقليم كمجالات حيوية للغرب، وشعوبها كعبيد لرأس المال الغربي. وهذا يقتضي هزيمة المشروع الصهيوني وإلغاء دوره الوظيفي في إطار الإستراتيجية الامبريالية تجاه الأمة العربية وشعوب الشرق الأوسط.

تغير أدوار الفاعليين الدوليين

تتغير باستمرار أدوار الفاعلين الإقليميين على المستوى الدولي وإن كان ما يزال محكوماً بسقف الأزمات الأمريكية باعتبارها الفاعل الأوزن، فقد بدأت أوروبا في الدخول على معادلة النووي الإيراني، وبادرت تركيا من أجل التوسط في الحوار على الجبهة السورية، والصين تدخل بقوة على المعادلات الإفريقية والأسيوية وإن من البوابة الاقتصادية، وروسيا تدخل على معادلة النووي الإيراني، وعلى بناء منظومة علاقات سياسية وأمنية واقتصادية مع دول آسيا الوسطى،في مواجهة المخططات الأمريكية وحلف شمال الأطلسي الذي يستهدف تطويقها وتطويعها كما يستهدف الصين كذلك، كما دخلت أوروبا وروسيا على معادلة الصراع العربي الصهيوني من بوابة اللجنة الرباعية. وتحت عنوان مكافحة الإرهاب انخرط الجميع في المعادلات الأمنية للمنطقة الأسيوية وفي معادلة الشرق الأوسط بثقل غير مسبوق سواء في أزمة النووي الإيراني أو العراق و أفغانستان أو لبنان، ناهيك عن المصالح الإستراتيجية و الاقتصادية المتنامية للجميع في الحوض العربي الإسلامي في آسيا وإفريقيا وخاصة في منطقة الخليج العربي.

تركيا

من التكيف الداخلي لشروط الاتحاد الأوروبي إلى تكييف الدور لإحداث معادلة توازن شرق أوسطي

ومن دور البوابة إلى وسط التفاعل الضروري

إذا كانت الدول ترتكز في سياستها الخارجية على رؤية تؤسس لدور الدولة في بيئتها الجغرافية، واستثمارها للجسور ونقاط الوصول والعبور للبيئة الدولية، فإن تركيا “حزب العدالة والتنمية” ترتكز في سياستها الخارجية على رؤية متصلة بذلك، وتضيف إليها فكرة الابتعاد عن المحاور والاقتراب المحسوب من جميع الأطراف والوقوف على نفس المسافة من أطراف بؤر التوتر دون إغفال للمصالح الوطنية وضرورة تحقيق أكبر قدر منها من خلال الاستثمار الأمثل للعمق الاستراتيجي للتأثير على القوى الدولية الفاعلة، وترتكز هذه الفكرة على مقولة “العمق الإستراتيجي” التي صاغها المفكر التركي ووزير الخارجية الحالي أحمد داود أوغلو في كتاب يحمل الاسم نفسه.

ففي الوقت الذي تحالفت فيه تركيا مع الولايات المتحدة الأميركية وانخرطت في الحلف الأطلسي منذ عشرات السنين، وهو ما حفظ لها أمنها القومي ودورها الدولي في فترة الحرب الباردة. واعتبرت تركيا بذلك من الرابحين في الحرب الباردة ما أملى عليها بعد نهاية هذه الحرب أن تجدد دورها بما يتناسب ومصالحها الوطنية في البيئة الجديدة وفقاً لنظرية العمق الاستراتيجي، دون أن تسمح لنفسها بفقدان المكاسب المتحققة لها في مرحلة الحرب الباردة، بما يعني الاقتراب المحسوب من الأقطاب الدولية والإقليمية الأخرى مثل روسيا والصين وإيران وسوريا، دون التملص من علاقتها مع أمريكا وإسرائيل والاتحاد الأوروبي واستحقاقات تلك العلاقات وما تتضمنهما من مكاسب.

فالتنويع في العلاقات الدولية حقيقة جغرافية سياسية يفرضها الموقع المفتاح على تخوم النزاعات. وهو ما يسمح لتركيا بتحسين مواقعها في العلاقات الدولية المختلفة سواء مع واشنطن أو الاتحاد الأوروبي وروسيا أو المحيط الإقليمي. ويتجلى هذا الفهم بأوضح ما يمكن في العلاقة التركية الإسرائيلية التي لم تفرط بها تركيا ولكنها لم تلزمها الصمت إزاء استراتيجيات “إسرائيل” وعدوانيتها وأحلام دورها الخارج عن معقولية توازن القوى وإلزامية النظام والقانون الدولي. ولعل في هذا أبلغ الدروس للدول العربية الذي يقول بأن التعاون مع أي قطب دولي لا يمنع من توفير الشروط اللازمة لتحسين شروط العلاقة معه. وضرورة مغادرة دور التابع والخادم، إلى دور الشريك المتفاهم في ضوء المصالح الوطنية والقومية مع أي طرف كان.

إيران

من نظام قيد الحصار والإزاحة إلى شريك في بناء نظام أمن إقليمي

اعتراف أمريكا بالنظام الإيراني واعترافها بمصالحه الحيوية الذي جاء في الوثيقة الإستراتيجية التي صدرت عن لجنة بيكر هاملتون عام 2006م، يعتبر المؤشر الأكبر على تزايد الأهمية الجيوبوليتيكية لإيران بعد المتغيرات الدولية والإقليمية التي حدثت في محيطها. ويمكن إرجاع تزايد القوة التفاوضية الإيرانية بالإضافة إلى موقعها الجيوبوليتيكي إلى جملة من العناصر يمكن تلخيصها بالتالي:

1) انزياح القوة الطالبانية الأفغانية عن الحدود الإيرانية وما كانت تشكله من تهديدات على هذه الحدود. والدور الأساسي الذي ساهمت من خلاله إيران في التعاون مع قوات التحالف من اجل الإطاحة بالنظام الأفغاني الطالباني.

2) التحولات في معادلة القوى في منطقة الرافدين التي انبثقت عن احتلال العراق العام 2003. وأدت إلى صعود العامل الشيعي إلى السلطة في العراق، بشكل مكن إيران من التأثير بقوة على الديناميكيات السياسية في المنطقة.

3) دخول إيران على المعادلات الأمنية في أكثر النقاط سخونة سواء من خلال قوى حليفة كما في لبنان وفلسطين والعراق، أو من خلال ما يسمى بمعركة الحرب على الإرهاب الذي ساعدت فيه إيران المجتمع الدولي بإغلاق طريق تسرب وانتقال قوات القاعدة من خلال أراضيها. و ساعدت في تشكيل الحكومة الأفغانية الجديدة وساندتها في المرحلة الانتقالية التي مرت بها، أثناء إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. ما جعل من إيران محوراً لديناميكيات الأمن الإقليمي.

وقد دفعت التهديدات المتزايدة من قبل الولايات المتحدة ضد إيران من خلال العقوبات التي فرضها مجلس الأمن إلى تعزيز علاقاتها مع الصين وروسيا، وإلى استثمار البيئة الأمنية والتحولات الجيوبوليتيكية في منطقة الشرق الأوسط لزيادة النفوذ والتحول إلى قطب أساسي في النظام الأمني الإقليمي الممكن.

وإن كان الخطاب الإيراني ما زال لا يحظى بمستوى الجاذبية التي يحظى بها الخطاب التركي على المستوى الدولي إلا أن نفوذها ما زال يتعزز منذ بدء الحرب الأمريكية على العراق وما تبعها من أزمات سياسية وأمنية، ووجد جذوره الأولية في الأهمية المتزايدة لقضايا الشرق الأوسط بالنسبة لنظام الأمن العالمي، وفي السمات والخصائص الجيوبوليتيكية لإيران، والهيكل التاريخي والثقافي والديني لقوتها ما جعل من إيران أحد أكثر البلدان تأثيرًا في الشرق الأوسط.

مصر

البحث عن الدور المفقود

تواجه مصر مأزقاً مركباً يتمثل في اضطراب معادلة العلاقة بين السلطة والشعب والقوى السياسة المؤثرة في جانب، وفي الجانب الآخر يتمثل في تدهور الاقتصاد المصري متعيناً بوضوح في البطالة والتضخم والتدهور الحاد في المستوى المعيشي. وقد أثرت هذه الأزمات بدورها على توجهات السياسة الخارجية للدولة المصرية.

والشق الآخر من المأزق المصري يتمثل في الدور الإقليمي الذي بات يتراجع سواء في منطقة المشرق العربي أو في منطقة الخليج ناهيك عن دورها المتراجع في القارة الإفريقية غرباً وجنوباً. ويكاد ينحصر الدور الإقليمي لمصر في حدود التأثير على معادلة الصراع العربي الصهيوني في إطار معاهدة “كامب ديفيد” الذي يبقي علاقتها مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في رهان على التطورات الإقليمية في المنطقة واقتراب الآخرين من موقفها ورؤيتها من خلال أوهامها بأن التحولات الدولية والإقليمية ستعطيها دوراً مركزياً في النظام الإقليمي الجديد.

أما تأثير” الدور الإسرائيلي” وبعد أستفادة إسرائيل من الحرب التي أعلنتها الولايات المتحدة على الإرهاب، وبعد أن تعمقت العلاقة “الإسرائيلية” الأمريكية فقد أصبحت هذه العلاقة تغري بتأثير أكبر في المستقبل على التوازنات الإقليمية، وقد ساهمت “إسرائيل” ومعها الولايات المتحدة الأمريكية في الحد من تأثير الدور المصري من خلال إسقاطهما لعملية التسوية ومحاولتهما تصفية القضية الفلسطينية وفرض تسوية بالقوة تصب في مصلحتهما.

ومن خلال هذا الموقف للنظام المصري فقد وقفت مصر مشلولة أو تم شلها إزاء قضايا كبرى، وأزمات تحاصر مجالها الحيوي وتؤثر على دورها الإقليمي مثل الضغوط الحالية على سوريا، بما يتعلق بمستقبل أمن الخليج والتحالفات الإقليمية في ظل الاحتلال الأمريكي، و مستقبل الدولة العراقية، ناهيك عن موضوعات ذات طبيعة إقليمية؛ مثل أسلحة الدمار الشامل، وتوزيع المياه، وحقوق الأقليات، ودور حركات الإسلام السياسي.

أثرت كل هذه التحديات على مواقف مصر في ظل عملية إعادة تشكيل الشرق الأوسط حيث فرضت تحديات وتدخلات على المنطقة العربية والإسلامية.

ومن أجل توضيح الدور الذي يلعبه التدخل الأمريكي للتأثير في مواقف مصر فيمكن تلخيصة كالتالي:

1) التغير الداخلي على الصعيدين السياسي والاجتماعي.

2) التنسيق الأمني الإقليمي والتنسيق الاقتصادي الشرق أوسطي بعد احتلال العراق.

3) التحالفات الإقليمية في فترة ما بعد احتلال العراق.

4) انهيار عملية السلام(المزعومة).

إن التغيير الداخلي سواء كان سياسياً أو اقتصادياً في مصر صار مسألة خارجية. حيث تسير مصر في منهاج التغيير الداخلي، ولكن عينها -في اللحظة نفسها- على ردود الفعل الخارجية، وعلى ضغوط الدول الكبرى.

فهي تعرض نموذجا للعلاقة بين الإسلام والدولة والمجتمع؛ لكن الظروف الحالية تفرض نوعا مختلفا من الضغط الخارجي على الخبرة المصرية في عملية التغيير الداخلي؛ فما زال هناك -حتى هذه اللحظة- تيار إسلامي ضخم يُنظر إليه بعدم الرضا؛ لكونه غير شرعي. وبالرغم من أن الأخير قد بدأ بالفعل في المشاركة مع تيارات سياسية أخرى في مصر لإدخال بعض الإصلاحات المطلوبة حتميا على الصعيد السياسي فإنه ما زالت هناك شكوك حول ردود الفعل الأمريكية.

وبلغة أخرى فإن مستقبل الإصلاحات والتغييرات الداخلية في مصر سوف يؤثر على مساحة التوازنات بين القوى السياسية الشرق أوسطية، وسيؤثر أيضاً على طبيعة الديمقراطية التي ستتبناها الأنظمة السياسية. وهذه المساحة سوف تؤثر بدورها على توجهات السياسات الخارجية، وعلى نوعية التحالفات الإقليمية،وهذا يستدعي من كل القوى الوطنية المصرية استعادة مصر لدورها الريادي في الوطن العربي، وهو مصلحة وطنية وقومية عليا في هذه المرحلة التاريخية على الصعيد الإقليمي والدولي.

سوريا

بين الدور المحوري ومحاولة التقاسم

إن الصراع على سورية ليس عنواناً جديداً على الساحة السياسية والمواقف الإستراتيجية فهو قديم وكُتب عنه كتب ومقالات ودراسات كثيرة ومع الأسف فقد غيبت هذه النظرة لصالح صراعات إقليمية وقطرية وإيديولوجية.

في تاريخها المعاصر تصدت سورية ومصر لسياسة الأحلاف الغربية الاستعمارية وأهدافها في المنطقة لحماية مصالحها وصد الإستراتيجية السوفيتية في حينه،مع ما رافق تلك المرحلة من توهج لمرحلة قومية عربية تمثلت في الدور القومي الناصري والبعث العربي الاشتراكي، بكل انتصاراتهم وإخفاقاتهم.

ومن خلال صراع النفوذ على المصالح فقد لعبت فرنسا وأمريكا دوراً تنافسياً تكاملياً في آنٍ معاً، لإضعاف الموقف القومي لسورية ودعمها لقوى المقاومة في المنطقة وبشكل خاص إضعاف دورها في لبنان وعدم السماح لها من خلال ذلك أن تلعب دوراً إقليمياً يتجاوز حدود الدولة العادية، هذا كله يجري في ظروف دولية لا تتيح لروسيا والصين المحكومتين بمشاكلهما السياسية والاقتصادية بالتدخل في الصراعات الحادة، وبقي دورهما ثانوياُ في لعبة محاصرة سورية رغم أنهما بالمعنى الاستراتيجي لا تستطيعان البقاء بعيداً عن ما يجري في سورية ولبنان ومنطقة الشرق الأوسط.

وتزداد أهمية سورية اليوم ومع ضغط الأزمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية العميقة داخل دول المعسكر الامبريالي، مما زاد من حدة الصراع على مناطق النفوذ وتكثفت دمويته ولا أخلاقيته.

ورغم كل هذه التطورات والتهديدات فلم تخضع سورية لإملاءات المعسكر الامبريالي بما يتعلق بالمصالح القومية ولم تُخدع بالشعارات المضللة التي حاولت الولايات المتحدة تسويقها في بلادنا والعالم بأنها الحريصة على حل مشاكل الشعوب وتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان فيها.

ومن خلال تطور الوعي لدى الحركة الشعبية في بلادنا والعالم فقد تم مواجهة هذه السياسة الامبريالية التي تريد استكمال دورة النهب العالمي على حساب شعوب العالم، مستخدمة ً أبشع أنواع الحروب لتحقيق مصالحها والسيطرة على العالم،والنضال المستمر ضد هذه السياسة حتى إقامة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب يكون أكثر عدلاً ومساواة ً وينهي كل أشكال الحروب العدوانية واستغلال الشعوب.

إن سورية أصبحت اليوم أقوى من خلال تمسكها بالحقوق الوطنية والقومية وبدعمها لقوى المقاومة في فلسطين ولبنان وبموقفها الواضح من طرد الاحتلال الأمريكي من العراق وتمسكها بوحدته وعروبته،وكذلك أصبحت قوى المقاومة في المنطقة أقوى مما كانت عليه من خلال الانتصارات التي حققتها ضد العدو الصهيوني والسياسات الغربية وخاصة الأمريكية مما عمق من أزمات هذه القوى الدولية ومعها الكيان الصهيوني.

الكيان الصهيوني: مركزية الدور وهامشيتة

يشهد الكيان الصهيوني حالة تراجع استراتيجي من ناحية أمنه الإستراتيجي،كما يتعرض لأزمة حادة على صعيد الدور الإقليمي، وقد بات يختنق على كل الجبهات، في الشمال والجنوب، سواء لجهة وظيفة العدوان والتهديد أو لجهة القدرة على التمدد والتوسع الخارجي. ولم يبق له سوى بقايا وظيفة ردعية، لم تعد ذات قيمة في ظل التواجد العسكري المباشر لأمريكا وتحالفاتها العسكرية والأمنية، وفي ظل التورط الأمريكي في أكثر من أزمة عالمية، بما قد يعني اتساع التباين بين المصالح الأمريكية والصهيونية،في حالة تأمين الولايات المتحدة لمصالحها في المنطقة،وحتى يتم ذلك سيبقى الموقف الأمريكي داعماً لوجود وأمن هذا الكيان،واستخدامه في سياق الصراع الجاري في المنطقة والعالم ضمن الإستراتيجية الأمريكية وبما أن الكيان الصهيوني لا يستطيع البقاء والمراوحة في وضعه الراهن، ولا يمكنه العيش على هامش الإستراتيجية الأمريكية الهادفة إلى ترويضه ليكون ” دولة في المنطقة دون هيمنة “والتي يعتبرها مقدمة لإنهاء المشروع الصهيوني وحتى بقاء “إسرائيل”.فلم يعد لديه مراهنة سوى على إنتاج وظيفة ردعية إزاء “إيران وسورية ولبنان”، أو إنتاج شرعية فلسطينية تكون حاملاً له من أجل التمدد شرقاً باتجاه الأردن، والذي مازال يعتبره الكيان خاصرة رخوة بإمكانه التمدد عبرها من خلال استخدامه شرعية فلسطينية مصنعة صهيونياً كحامل وأداة اشتباك مع الخصوم المتشكلين.

الفلسطينيون: مأزق قوى المقاومة و مأسسة السلطة بين الأمن والاقتصاد

في ظل تشابك المصالح المعقدة هذه سواء ما تعلق منها بالأطراف الدولية أو الأطراف الإقليمية تعيش القضية الفلسطينية حالة من الضياع والتمزق تنتجه الاستقطابات الحادة التي تمارسها الأطراف الدولية والإقليمية على مكونات المعادلة الفلسطينية السياسية.

فقد أصبحت الحالة الفلسطينية في ضوء ذلك أقرب إلى حالة الانكشاف السياسي وفقدان الخيارات القادرة على الاستفادة من البيئة الإستراتيجية والدولية الراهنة ومتطلبات تشكيل نظام أمن إقليمي ورغبة العالم في خلق استقرار نسبي في المنطقة.

وبهذا المستوى من التعقيد فقد دخل المشروع الوطني الفلسطيني في مأزق يصعب الخروج منه بدون إستراتيجية ناظمة وبدون قوى مدركة للبيئة الإستراتيجية الدولية وقادرة على تحقيق المنفعة القصوى منها دون استحقاقات التبديد والضياع.

فالقوى السياسية الفلسطينية تعيش حالة ضعف شديد من خلال الانقسام والصراع الداخلي وأوهام التسوية مما مكن الأطراف الفلسطينية في السلطة والأطراف الدولية الداعمة مأسسة سلطة سياسية بقيادة سلام فياض، ومأسسة قوة أمنية داعمة لها مدربة مهنياً بشكل جيد، وأصبحت عملياً قوة على الأرض ولها عمق شعبي معقول، وليس بالضرورة أن يكون عمقاً سياسياً.

وفي ظل السعي الدولي لتحويل الكيان الصهيوني إلى دولة طبيعية في المنطقة وإدماجها بشكل غير مهيمن فإن الثمن الوحيد المتاح أمام الكيان هو قبر المشروع الوطني الفلسطيني بأشكال جديدة لا تتيح له النهوض على الإطلاق على مدى سنوات قادمة.

إن مأزق الحركة الوطنية الفلسطينية الراهن يستدعي ما يلي:

1 ـ حماية منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة بناءها ديمقراطياً والتمسك بميثاقها الوطني الذي يشكل البرنامج الاستراتيجي لشعبنا الفلسطيني والذي نشتق منه الخطط السياسية المرحلية المناسبة بما يخدم تحقيق أهدافنا الإستراتيجية.

2 ـ التمسك بإستراتيجية الكفاح المسلح على أن تخضع هذه الإستراتيجية للشكل الكفاحي الأنسب في كل مرحلة زماناً ومكاناً وبما يخدم صمود شعبنا في وطنه والذي تخضع له كل أشكال النضال الأخرى في مواجهة برنامج التهويد المتواصل للأرض والتخلص من وجود شعبنا خاصة في المحتل من وطننا عام 1948م والضفة الغربية،من خلال سيناريوهات متعددة أخطرها موضوع التوطين والوطن البديل في الأردن، ونقل الأزمة بين الأخوة الفلسطينيين والأردنيين بما يضمن للكيان مساحة من النفوذ في النظام الإقليمي قيد التشكل، وهذا يستوجب رؤية وإرادة موحدة بين الأردنيين والفلسطينيين لضمان مصلحة الطرفين وإفشال مخططات جبهة أعدائنا.

3 ـ التصدي بحزم لنهج التفريط والاستسلام و لبرامج جبهة أعدائنا.

4 ـ إعادة الاعتبار لمرحلة التحرر الوطني بما تعنيه من مشاركة كل قوى وكفاءات الشعب الفلسطيني ودون تفرد أو إلغاء أو إقصاء. والاحتكام دوماً لوحدة شعبنا وموقفه ووحدة وطنه وقضيته ونضاله متعدد الأشكال وفق ظروف كل جزء من هذا الشعب الذي لم يتوقف عن مقاومة المشروع الامبريالي الصهيوني طيلة قرن ونيف، رغم ظروف شعبنا الاستثنائية ونضاله مقارنة ً مع ظروف ونضال الشعوب التي تعرضت لغزو استعماري استيطاني.

5 ـ العمل الجاد لامتلاك المعرفة العلمية الثورية لطبيعة هذا المشروع الامبريالي الصهيوني وأهدافه القريبة والإستراتيجية ومعرفة حلفائه ومصالحهم ونقاط القوة والضعف لديهم وكذلك معرفة تحالفاتنا ونقاط القوة والضعف لدينا، الإبداع في إدارتنا لهذا الصراع المعقد بعد التحولات الكبرى والهامة دولياً وإقليميا وما رافقها من أزمات متعددة وكيف نقرأ جدل العلاقة الدولية والإقليمية في هذه البيئة المتشكلة ونوظفها في صراعنا دون أي تنازلات عن ثوابتنا الوطنية والقومية والذي يتجلى إن أحسنا إدارة الصراع في تعميق أزمة الرأسمالية الغربية بشكل عام والمشروع الصهيوني بشكل خاص على طريق هزيمته النهائية.

6 ـ النضال الدؤوب مع جميع قوى الأمة المناضلة على تشكيل المركز الإقليمي العربي الذي تشكل سورية والعراق قاعدته على أن يتكامل مع باقي الدول العربية بدءاً بمصر ودول شمال إفريقيا ودول مجلس التعاون الخليجي.

7 ـ التعاون الفعال بين المركز العربي والمركز الإيراني والتركي لتشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط بما يخدم مصالح شعوب الإقليم والعالم، وبما يضمن إلغاء دور الكيان الوظيفي في الإقليم.

8 ـ إن التجربة العملية لشعبنا وامتنا وإدراكنا لطبيعة المشروع الصهيوني والذي بدأ العالم يدركه “نسبياً” تؤكد لنا استحالة أي سلام معه، حيث أن وجوده على أرضنا العربية هو نقيض للسلام، مما يستوجب تراجع من راهنوا على هذا السلام، لان استمرارهم هو إسهام في تحقيق مرحلية الكيان لتحقيق أهدافه في فلسطين وضمان دور إقليمي له في المنطقة.

9 ـ إن هذا يستدعي من كل قوى المقاومة الفلسطينية أن تضع هدفاً عاماً لها لإنتاجه من خلال جملة من الخيارات تتمثل في التالي:

أ) صياغة خيار استراتيجي واضح ومتكامل للمواجهة مع الاحتلال الصهيوني في المرحلة الراهنة، يتضمن وصفاً للضرورات الإستراتيجية ووصفاً للخيارات الممكنه، مع تحديد ضوابط كل خيار إضافة إلى الصياغات السياسية المناسبة لتغطيتها.

ب) إن الموقف الثوري يستدعي التمييز بين الضرورة الإستراتيجية والخيار الاستراتيجي،مع التأكيد على أن أي خيار محكوم بالضرورات الإستراتيجية يحكم على نفسه بالفشل والهزيمة “الإستراتيجية والتكتيك”.

ج) وضع إستراتيجية تستهدف إغلاق المنافذ الإستراتيجية للكيان الصهيوني وإغلاق الطريق على إمكانية إنتاج شرعيه فلسطينية مدعمة امنياً على المقاس الصهيوني.

د) يتم تنفيذ هذه الإستراتيجية من خلال منظومة مقاومة بعدد كبير من اللاعبين ومن أنواع مختلفة والعلاقة بينهم بشكل تقاطعي وإلزامي في معادلة الترويض والخنق الاستراتيجي للكيان الصهيوني.

هـ) إن نجاح أو فشل أي خيار استراتيجي مرهون بعدة عوامل أهمها القدرة على إدارة الصراع من خلال معرفة خيارات الخصم ومعرفة إمكاناته وحشد الطاقات المناسبة لمواجهة تلك الخيارات، مع التأكيد على أن موازين القوى ليست حالة استاتيكية “جامدة ” بل ديناميكية “متحركة “،تحكمها قدرة كل طرف على توظيف الحد الأقصى من إمكاناته في ظرف معين ولهدف محدد.

10 ـ استناداً إلى حقيقة أن البيئة الإستراتيجية يشوبها درجة عالية من الغموض فإن المعلومات وحدها غير قادرة على تبديد حالة عدم اليقين،بل هناك حاجة لتصورات إبداعية، يضاف إلى ذلك فرادة كل لحظة تاريخية فلا يمكن مواجهة حالة تاريخية فريدة بوصفات عتيقة ومتآكلة.

11 ـ إن بلورة وإدارة خيارات إستراتيجية وبدائل وتكتيكات فعالة في مواجهة الخيارات “الإسرائيلية “يستوجب توظيف الطاقات كلها غير منقوصة من اجل هزيمة المشروع الامبريالي الصهيوني في بلادنا وتحرير فلسطين والأرض العربية المحتلة.