تشى غيفارا ونقد الاتحاد السوفييتي (الحلقة الثانية)

إضاءات على فكره الاقتصادي ورؤيتة المبكرة للانهيار السوفييتي

(الحلقة 2 من 11)

مسعد عربيد

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2247)

حكاية المخطوطة: أفكار حبيسة لاربعة عقود

مع حلول عام 1966 وبعد ان خاض غيفارا تجربتي “الجدل الكبير” وعمله كوزير للصناعة، تراكمت لديه قناعات راسخة بتحليله النظري وتصوره لنظام إدارة إقتصادية يصلح لكوبا والبلدان النامية في العالم الثالث.

كات غيفارا قد غادر كوبا في ابريل 1965 على رأس حملة عسكرية كوبية الى الكونغو. الا ان هذه الحملة باءت بالفشل، فترك الكونغو الى تنزانيا وتشيكوسوفاكيا حيث قضى عدة شهور بين عامي 1965 و 1966. عكف غيفارا في غضون تلك الآونة على تدوين ملاحظاته وكتابة مخطوطته في تحليل شامل للاقتصاد السياسي في مرحلة التحول الاشتراكي، ونقد النمط السوفييتي في الادارة الاقتصادية والتي كان قد صاغ العديد من أفكارها ومفاهيمها خلال فترة تولية وزارة الصناعة ومساهماته في “الجدل الكبير”. وتعتبر ملاحظات غيفارا هذه، في نظر العديد من المحللين، أهم مساهماته في النظرية الاشتراكية.

ويبدو أن غيفارا، عندما شرع في كتابته، كان يحمل في ذهنة مشروعاً أكثر طموحاً: تأليف كتاب يشرح فيه طروحاته في الاقتصاد السياسي. وقد تصور أن يبدأ هذا الكتاب بعرض لمسيرة ماركس وإنجلز وشرح فكرهما، (وقد أكمل هذا الجزء)، ثم الانتقال بعد ذلك الى أنماط الانتاج ما قبل الراسمالية والراسمالية الامبريالية، منتهياً الى معالجة مرحلة الانتقال الى الاشتراكية ومعضلات البناء الاشتراكي.

حملت أليدا Aleida زوجة غيفارا هذه المخطوطة معها لدى عودتها الى كوبا من زيارة سرية الى العاصمة التشيكوسلوفاكية براغ حيث قضت بعض الوقت مع زوجها بعد عودته من الكونغو. وكان غيفارا قد أوصاها بايداع المخطوطة لدى صديقه ومساعده الاول في وزارة الصناعة اورلاندو بوريغو ([1]Orlando Borrego Diaz (. وقد إحتوت الحقيبة التي حملتها أليدا على ثلاثة وثائق هامة تضمنت ثمرة عمل غيفارا خلال الاشهر المنصرمة:

1) المخطوطة التي كتبها غيفارا وضمنها أفكاره في الاقتصاد السياسي. وقد عبر في هذه المخطوطة عن نقد قاس ل”الدليل السوفييتي في الاقتصاد السياسي”([2]) وأثار العديد من الشكوك والتساؤلات حول الاسس والمفاهيم التي قام عليها التفسير السوفييتي للاشتراكية والبناء الاشتراكي. وقد ظلت محتويات هذه المخطوطة حكراً على القلة من القادة والساسة والمؤرخين والاكاديميين الكوبيين الى حين نشرها في كوبا بالاسبانية عام 2006 ولم تتسنى ترجمتها الى لغات اخرى بعد.([3])

2) نسخة من “الدليل السوفييتي في الاقتصاد السياسي”، وقد ملأها غيفارا بالهوامش والملاحظات التي دونها بغية مناقشتها ونقدها. وكان هذا الدليل يعبر عن المفاهيم والمواقف الرسمية السوفييتية منذ الحقبة الستالينية وصولاً الى خروتشيف.

3) دراسة شملت الخطوط العامة لما سمي “نظام التمويل بالميزانية” الذي طبّقه غيفارا في وزارة الصناعة طيلة فترة عمله فيها والذي كان يرى فيه بديلاً عن النموذج السوفييتي في الادارة الاقتصادية.

ومما يجدر ذكره ان غيفارا لم يكتب هذه الملاحظات كنص اوككتاب معدٍ للنشر، بل هي ملاحظات كان قد دونها في معرض رده على فقرات أو أجزاء معينة من “الدليل السوفييتي”. فجاءت على شكل ملاحظات وهوامش تذكيرية كتبها لنفسه حول الجوانب التي يريد ان يستفيض في دراستها ومناقشتها. وعليه فليس من الامانة العلمية تقديم هذه التعليقات والملاحظات على انها نقد شامل بقدر ما هي في الحقيقة مسودة أولية لمشروع بحث طويل الامد.

فيدل كاسترو ومخطوطة غيفارا

اشار اديسون فيلاسكيس Edison Velasquez، احد مساعدي غيفارا والمقربين منه، ان بوريغو سلّم هذه المخطوطة الى فيدل كاسترو. إلاّ ان كاسترو كان على إلمام بمواقف غيفارا من الاتحاد الاسوفييتي ونقده لسياساته والتي ضمنها رسالة سلّمها غيفارا الى الزعيم الكوبي قبل مغادرة الأخير للجزيرة الكوبية في ابريل 1965 ، شرح فيها همومه وخلافاته مع الاقتصاد السياسي السوفييتي.)[4](

ويقول فيلاسكيس في مقابلة يوم 21 يناير 2006: “كاسترو ليس غبياً. لقد كان قريباً جداً من تشى. وهكذا أخذ كاسترو يستعد لمواجهة الاحداث. لم يكن بوسعه ان يقول رأيه علناً لاننا كنا نستلم كل شيء من الروس، ولكنه خزّن [اي كاسترو] احتياطاً مالياً تحسباً لرحيل السوفييت، ولولا ذلك لما كنا قادرين على البقاء بعد الانهيار السوفييتي” (Yaffe 2009, 256).

غيفارا بين النقد والحذر

حظي غيفارا ، خلال توليه وزارة الصناعة، بحرية تامة في وضع افكاره موضع التنفيذ والاختبار([5]) على حد قول كاسترو، إلا انه لم يغفل مقتضيات السياسة الواقعية حيال العلاقات بين كوبا والاتحاد السوفييتي. وفي حين إنتقد غيفارا النظام السوفييتي في الادارة الاقتصادية (نظام التمويل الذاتي)، إلا انه لم يفصح علناً عن قناعاته بان ذلك النظام، يحمل بذور الانهيار ويهدد بعودة الراسمالية الى الدول الاشتراكية. كان غيفارا يدرك انه لا يستطيع التصريح بافكاره في تلك الآونة بحكم كونه أحد كبار قادة الثورة الكوبية ووزيراً للصناعة و”مهندساً” لنظام التمويل بالميزانية” وبحكم المكانة الدبلوماسية والثورية والاممية التي حظي بها آنذاك كممثل لكوبا في العالم، مما كان يعني ان ما يقوله قد يُفسر أو يُفهم على انه الموقف الرسمي للحكومة الكوبية.

وعليه، تابع غيفارا تحليلاته وبحثه عن الحلول، ولكنه ظلّ حذراً في نقده العلني للسوفييت كي لا يعرض للخطر العلاقات الاخوية بين كوبا والاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية الاخرى والدعم الاقتصادي والسياسي الكبير الذي كانت تتلقاه كوبا من تلك البلدان.

وبالرغم من كل ما قيل عن موقف غيفارا من الاتحاد السوفييتي، فقد كان يكن له إحتراماً كبيراً ويقدر الدعم الذي كان يقدمه لكوبا. ومن هذا المنطلق فان نقده ينبغي ان يفهم على انه ايجابي وبناء وصادق لانه كان مقتنعاً بان تقديم نقدٍ شاملٍ للنموذج السوفييتي سوف يُظهر بما لا يقبل الجدل المخاطر الكامنة في هذا النظام والاسراع الى تفاديها.


[1] خلال الاعداد لحملته الثورية في بوليفيا، طلب بوريغو Borrego، والذي كان آنذاك صديقاً مقرباً ووزيراً للسكر في الحكومة الكوبية قبل ان يبلغ الثلاثين من عمره، طلب من تشى غيفار أن ينضم الى مجموعة المقاتلين الذين سيصحبون غيفارا الى أدغال بوليفيا للشروع بالثورة هناك. إلا ان غيفارا رفض طلبه مفضلاً ان يبقى بوريغو في كوبا. ويبدو من إستعراض تلك الفترة من حياة غيفارا انه، بالرغم من نزوعه الى النضال الاممي والذي كان شرطه الرئيسي عندما التحق بالثوار الكوبيين في صيف 1955 لدى لقائه بالزعيم الكوبي فيدل كاسترو وأخيه راؤول واللذان اتخذا من هضاب المكسيك قاعدة للتدريب والاعداد لانطلاقة الثورة، يبدو ان التنمية الاشتركية في كوبا كانت هاجسه الاساس. إلا ان غيفارا كان يدرك بان الوقت لن يأذن له باكمال هذا المشروع فاراد ان يضع البنية الاساسية له على أمل ان يتابع صديقة يوريغو هذه المهمة، ومن هنا طلب منه أن يبقى في كوبا وألا يصحبة الى بوليفيا.

[2] نستخدم في هذه الدراسة مجازاً مفردة “الدليل السوفييتي” للاشارة الى “الدليل السوفييتي في الاقتصاد السياسي” The Soviet Manual of Political Economy.

[3] إستخدمنا في هذا البحث ما نشر من هذه المخطوطة بالانكليزية كما ورد في ثبت المراجع في نهاية البحث.

[4] ليس المقصود هنا رسالة الوداع الشهيرة التي كتبها تشى لفيدل كاسترو والتي كشف الاخير النقاب عنها بعد إستشهاد غيفارا في بوليفيا.

[5] عُين غيفارا مديراً البنك المركزي الكوبي في نوفمبر 1959، وفي فبراير 1961 وزيراً للصناعية وظل في منصبه هذا الى حين تخليه عن كافة مناصبه الحكومية والحزبية عام 1965 حين إنخرط في النضال الاممي في الكونفو ثم في بوليفيا حيث إستشهد في 9 اكتوبر 1967.