التيار القومي العربي في فلسطين: الصيغة النهائية…….البرنامج السياسي

منطلقات

يستلهم التيار القومي العربي في فلسطين منطلقاته وممارساته من التراث النضالي الغني للفكر القومي، بتاريخه واجتهاداته المتنوعة في الوطن العربي، في الإطار الإنساني لمفهوم العروبة كتاريخ وثقافة ولغة مشتركة وحدت كل القوميات والأعراق التي تعايشت عبر آلاف السنين في وطنهم العربي الكبير دون أي تمييز على أساس العرق أو الدين أو القومية أو الجنس أو اللون أو غيرها. ويحرص التيار، بصفة خاصة، على اللغة العربية كحاضنة موحدة للعروبة، كما يحرص على الإسلام كعامل توحيد للأمة تميز عن غيره من الديانات بكونه رسالة التوحيد الأولى في العالم التي تضمنت في عقيدتها احترام تعددية المعتقد، وبالتالي احترام تعددية الثقافات وتنوعها، وكانت وما زالت خطابا عربيا إنسانيا كونيا في مراميه وغاياته. كما يستلهم “التيار” التراث النضالي العربي والإنساني من اجل العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة على أساس منع احتكار القلة لها وإنصاف الطبقات الاجتماعية المنتجة لهذه الثروة ومنحها دوراً في قيادة المجتمع يتناسب مع مساهمتها في إنتاج ثروته. كما ويدرك “التيار” الضرورة الموضوعية الملحة لإجراء مراجعة نقدية شاملة للفكر القومي ومسيرة وحدة النضال العربي.

ولان “التيار” يعتبر الفضية الفلسطينية هي الحلقة المركزية في النضال العربي التحرري الوحدوي فانه يستلهم بخاصة الدور الذي لعبته مركزية القضية الفلسطينية في وحدة النضال العربي من اجل التحرر الوطني والاستقلال والوحدة القومية.

ولذلك يركز برنامجنا السياسي التالي على هذه القضية دون إغفال قضايا الأمة الأخرى.

الوضع الفلسطيني الرسمي الراهن: اسباب ونتائج

يتميز الوضع الرسمي الفلسطيني الراهن:

أولاً: بانقلاب على الثوابت الوطنية (حق العودة بشكل رئيسي) كما اجمع شعبنا عليها في الميثاق القومي ثم في الميثاق الوطني لتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية أو بالخروج أو المساومة عليها باعتماد التفاوض شكلاً وحيدا (واسترتيجيا) لاسترجاع الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف.

ثانياً: تحت الشعار الخادع “القرار الفلسطيني المستقل” تم فك الارتباط بالأمة وجرى فصل تعسفي للوحدة بين النضال الوطني وبين النضال العربي من اجل التحرر والوحدة، وهذه الوحدة شرط موضوعي مسبق لنجاح حركة التحرر الوطني الفلسطينية، وألزمت الاتفاقيات الموقعة مع دولة الاحتلال الصهيوني القيادة الفلسطينية الموقعة على هذه الاتفاقيات بهذا الفصل التعسفي، لا بل إنها ألزمت هذه القيادة بارتباط بديل بالأعداء التاريخيين للأمة والشعب الفلسطيني، مما أفقد المادة الاولى في القانون الأساسي والتي نؤكد أن “فلسطين جزء من الوطن العربي الكبير والشعب الفلسطيني جزء من الأمة العربية، والوحدة العربية هدف يعمل الشعب الفلسطيني من اجل تحقيقه” من أي مضمون حقيقي لها.

ثالثاً:- ويتميز الوضع الراهن بتجزئة وحدة النضال الوطني الفلسطيني وتفتيته بل وتفتيت الشعب الفلسطيني، في تناقض صارخ بين ادعاء دور منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني وبين واقع أن هذه المنظمة تتصرف فقط كممثل لذلك الجزء من شعبنا الذي خضع للاحتلال بعد عدوان عام 1967، حيث ألزمتها الاتفاقيات الموقعة بعدم تمثيل ذلك الجزء من شعبنا الذي نجا من عملية اقتلاعه من وطنه التاريخي خلال نكبة عام 1948، بينما يجري التفاوض على “حل متفق عليه” لمصير ذلك الجزء الذي نجح الاجتثاث الصهيوني في اقتلاعه من وطنه وتشريده، وهؤلاء هو أغلبية شعبنا.

رابعاً: في ظل التفاوض العبثي، ومنذ توقيع “إعلان المبادئ” (اتفاق أوسلو) في واشنطن عام 1993 تجري عملية تحويل الترتيبات المفترض أن تكون مؤقتة وانتقالية إلى وضع دائم، تجري في إطاره عملية تدريجية لكنها ثابتة لاستبدال منظمة التحرير الفلسطينية بسلطة الحكم الذاتي التي أوكلت إليها مهمات الإدارة المدنية للحاكم العسكري للاحتلال في مناطق محدودة من مساحة الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، كممثل بديل لشعبنا.

خامساً: تحولت ” انتخابات” سلطة الحكم الذاتي، في إطار اتفاق أوسلو إلى إحدى الآليات الأساسية للاحتلال والقوى الدولية الداعمة له، لإضفاء شرعية الوضع الدائم على الوضع المفترض انه مؤقت منبثق عنها، وإضفاء شرعية على سلطة الحكم الذاتي كبديل لشرعية منظمة التحرير التي جرى منذ توقيع ذاك الاتفاق تهميشها، وبالانقلاب على مرجعيتها وميثاقها، وتحويل مؤسساتها إلى أسماء دون أي مضمون يتم استدعاءها في المناسبات فقط من اجل إضفاء شرعية المنظمة على سلطة للحكم الذاتي التي يجري تأهيلها بديلا للمنظمة، ويجري استخدام آلية هذه الانتخابات لاستبدال شرعية الانتخابات الجزئية المحدودة في ظل الاحتلال بديلاً لشرعية المقاومة كمرجعية وحيده لإفراز قيادة لشعبنا ملزمة وفق الاتفاقيات الموقعة باعتبار المقاومة “إرهابا”.

سادساً: نتيجة للعوامل الرئيسية الخمس السابقة كان أمرا محتماً أن يجد شعبنا نفسه في المأزق الوطني الراهن، حيث وصل التفاوض إلى طريق مسدود، بينما لو نجح فانه سوف يتمخض عن نتائج تساوم على الحقوق الوطنية، غير القابلة للتصرف لشعبنا، وبينما المقاومة مقيدة ومحاصرة ومطاردة، وحركة التحرر الوطني منقسمة انقساماً لا نهاية له في إطار الوضع الراهن، وحتى لو نجحت ضغوط القوى الدولية والإقليمية في مساعيها الرامية إلى إنهائه، فان أي “مصالحة” قد تتمخض عن هذه المساعي سوف تكون مؤقتة وشكلية كما أثبتت تجارب السنوات القليلة الماضية (ما دامت هذه المحاولات بعيدة عن الاتفاق على البرنامج السياسي المقاوم).

سابعاً: من اجل ضمان استمرارية الوضع الراهن، وضمان تحقيق الأهداف المتوخاه منه، حرصت القوى المعادية على اعتماد وسيلتين، الاولى أمنية من شقين: أولهما ضمان السيطرة الأمنية للاحتلال ومن هنا ” التنسيق الأمني” الذي تنص عليه الاتفاقيات الموقعة، والشق الثاني ضمان استمرار تجريد شعبنا من أية وسائل للدفاع المشروع عن النفس، ومن هنا حصار المقاومة ومطاردتها وكذلك تجريد أي دولة فلسطينية قد تنبثق عن “حل الدولتين” من السلاح وتأمين قواعد لدولة الاحتلال فيها لمراقبتها ومراقبة العرب والمحيط الإقليمي انطلاقا منها.

أما الوسيلة الثانية لاستمرار الوضع الراهن فهي اقتصادية،، ومن شقين، أيضا يتمثل أولهما بارتهان بقاء سلطة الحكم الذاتي وقيادته لكرم المانحين الدوليين، الذين يتكفلون بإعفاء ميزانية الاحتلال من التزاماته بموجب القانون الدولي تجاه الخاضعين له، ناهيك عن تحكم الاحتلال بموجب الاتفاقيات الموقعة بالموارد المالية للسلطة، ويتمثل الشق الثاني بتحويل شعبنا إلى عالة على المساعدات الخارجية المشروطة بينما يطلق العنان لكل الطفيليات الاقتصادية الطامعة في الإثراء السريع من المعاناة الاقتصادية الجماعية لشعبنا تحت الاحتلال إما بالتنسيق مع الاحتلال أو بالشراكة المباشرة معه كوكلاء أو موزعين لمنتجاته، ليتحول الأداء الاقتصادي الفلسطيني تحت الاحتلال إلى احد العوامل الرئيسية لإطالة أمد الاحتلال والارتباط الاقتصادي معه ولزيادة المعاناة الاقتصادية لشعبنا،بكل ما يعنيه ذلك من مضاعفات سياسية على وحدة نضال شعبنا ضد الاحتلال.

البرنامج السياسي

1) النضال الحازم بضرورة التمسك بميثاق منظمة التحرير الفلسطينية، وترجمة ذلك إلى ممارسة ثقافية وتربوية وسياسية واقتصادية، تحول وحدة النضال العربي إلى أداة عملية فاعلة في انتصار حركة التحرر الوطني الفلسطينية من خلال إقامة علاقات موضوعية مع حركات المقاومة العربية، وبخاصة في العراق ولبنان، وتوثيق العلاقات مع قوى التغيير الديمقراطي العربية، وبخاصة في أقطار الطوق المحيط بفلسطين، والتفاعل مع الحكومات العربية كل حسب موقفه من المقاومة، مما يقتضي إنهاء اصطفاف القيادة الحالية لمنظمة التحرير إلى جانب محور الدول العربية التي وقعت معاهدات واتفاقيات صلح منفردة من دولة الاحتلال، ويقتضي كذلك التنسيق السياسي مع الأقطار العربية التي ما زالت (ولو اسميا) في حالة حرب او مواجهة مع دولة الاحتلال.

2) تعزيز الهوية العربية الإسلامية كهوية وطنية للشعب الفلسطيني، وصيانة الإسلام ديانة ومؤسسات ليظل أحد عوامل التوحيد للمجتمع يحافظ على تماسكه في مواجهة محاولات الاحتلال الحثيثة لتفتيته، ومعينا يلهم الصبر والجلد في مواجهة صلف الاحتلال وجبروته، ويحث على مقاومته، كما كان منذ أن حمله النبي العربي رسالة للعالمين، مما يقتضي السمو به فوق تسييسه بالمذهبية والطائفية والحزبية الضيقة، وتحويله بالتعصب والتحزب والتكفير عن دوره التاريخي التوحيدي إلى عامل فرقة تمزق المجتمع وتثلم وحدة النضال الوطني وهو الهدف الذي يجهد الاحتلال من اجل تحقيقه، دون ان نغفل بان صراعنا مع العدو ليس صراعا دينيا كما يحاول تصويره، بل هو صراع وطني قومي ضد الاحتلال. وفي السياق نفسه تعزيز الوجود العربي المسيحي ديانة ومؤسسات كجزء لا يتجزأ من المجتمع الوطني لمواجهة سعي الاحتلال إلى إنهاء هذا الوجود كي يمنع تضامن العالم المسيحي معه من ناحية وليصور الصراع من اجل التحرر الوطني الفلسطيني باعتباره حربا دينية بين اليهودية وبين الإسلام من ناحية ثانية.

3) النضال من اجل إقامة دولة فلسطين كاملة الاستقلال والسيادة على أي جزء يتم تحريره من الأرض العربية الفلسطينية المحتلة، ودون أن تقترن إقامتها بإنهاء الصراع، إذ لا تملك المنظمة أو قيادتها أي حق في التفريط بهذه الحقوق أو المساومة عليها.

4) إعادة بناء منظمة التحرير وفق ميثاقها ونظامها الأساسي على أساس الشراكة السياسية وعلى قاعدة شرعية المقاومة وإنهاء احتكار الفصيل الواحد لصنع القرار فيها لتعود مرجعية لكل أدوات العمل السياسي والنضالي لشعبنا ولضمان تنفيذ ذلك لا بد أن تتواجد خارج الوطن بعيدا عن هيمنة الاحتلال والتسلط. وتمارس رقابتها على سلطة الحكم الذاتي بعد تحويلها إلى حكم محلي بعيدا عن التدخل في القضايا السياسية والتفاوض وان يكون الفصل كاملا بين قيادة م.ت.ف. وسلطة الحكم المحلي.

5) بعد إعادة بناء المنظمة يتم إخضاع سلطة الحكم الذاتي إلى المنظمة وليس العكس على أن يتم تحويل سلطة الحكم الذاتي إلى سلطة إدارية محلية خدماتيه.

6) الإصرار على عدم إجراء أي انتخابات سياسية تحت سقف أوسلو ولكن مع إجراء انتخابات محلية ونقابية لإدارة شؤون المواطنين في الأرض المحتلة.

7) وقف كل أشكال التطبيع الصريح والمقنع والتعامل والتنسيق مع كل القوى المناهضة للتطبيع في الوطن والشتات.

8) العمل من اجل إنشاء جبهة وطنية لكل القوى الفلسطينية التـي تتفق علـى برنامج وطني مقاوم تكون ذراعاً من اذرع م.ت.ف لان الصراع يدور بين الاحتلال وبين مقاوميه، لا بين اليسار ولا بين اليمين ولا بين العلمانية وبين التدين ولا بين الاعتدال وبين التطرف كما يسعى الاحتلال وكل من يريد حرف الصراع نحو تناقضات ثانوية بعيداً عن التناقض الرئيسي مع الاحتلال.

9) لغة الحوار هي اللغة الوحيدة للتفاهم والتخاطب بين أطراف قوى التحرر والمقاومة.

10) النضال من اجل حل جميع الأجهزة الأمنية التي شكلتها سلطة الحكم الذاتـي والاكتفاء بجهاز شرطي وطني عام.

11) حصر أي تفاوض في المستقبل في م.ت. ف بعد إعادة بناءها وانتقالها إلى خارج الوطن لتكون متحررة من ضغوط الاحتلال وهيمنته وان يتم ذلك في ظل موازين قوى تسمح بتحقيق نتائج لمصلحة شعبنا.

12) إعلان الاتفاقيات الموقعة مع دولة الاحتلال لاغيه وباطلة لإجحافها بالحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف، ونتائجها المدمرة على حركة التحرر الوطني، واستخدامها غطاء لتهويد القدس وبقية الأراضي المحتلة عام 1967.

13) تقليص اعتماد ميزانية سلطة الحكم الذاتي على دعم المانحين الدوليين إلى الحد الأدنى الممكن والغير مشروط واستبدالها بالدعم العربي مع تغيير الأولوية في تخصيص موارد هذه الميزانية بحيث تذهب الحصة الأكبر منها إلى الاستثمار في الأرض والزراعة والمشاريع الاقتصادية التي تسد احتياجات الاستهلاك المحلي وتعزز صمود المواطن الفلسطيني تحت الاحتلال ” تثبت بقاءه في مواطنه الأصلية لوقف الهجرة المتسارعة الحالية من الريف إلى المدينة، واعتماد أسلوب التنمية بالحماية الشعبية بدلا من أن يستهلك “الأمن” الحصة” الأكبر منها كما هو الحال الراهن، والإسراع في إنشاء جامعة زراعية كمهمة وطنية عاجلة من اجل تعزيز صمود المواطن فوق أرضه، وحظر استيراد السلع الزراعية والغذائية التـي يوجد بديل وطني لهـا، فعدم الجدوى الاقتصادية لرعاية شجرة الزيتون الوطنية علـى سبيل المثال سببه واردات الزيوت النباتية المنافسة.

14) تفعيل المنظمات الشعبية والنقابات المهنية والنوادي الاجتماعيـة والثقافيـة والرياضية برفـع الوصاية الرسمية عنها، ووقف التدخل ألفصائلي في شؤونها، والتوقف عن الاستمرار فـي زجها في الخلافات بين فصائل النضال الوطني واستخدامها أدوات في هذه الخلافات، وكذلك وقف تدخل الأجهزة الأمنية في انتخاباتها، مما قاد إلى انفضاض جماهيرنا عنها، وشل قدرتها في الدفاع عن المصالح المهنية لأعضائها، وحال دون أي مساهمة فاعلة لها في رفد النضال الوطني.

15) تقديم كل أشكال الدعم، وبخاصة الدعم المالي والدعم بالخبرات والخبراء، للمنظمات الشعبية والنقابات المهنية والنوادي،وتشجيعها على إنشاء هيئة عليا لهـا تنسق نشاطاتها، وباعتبارها البديل الوطني لشبكة منظمات المجتمع المدني المعولمة من الخارج لأغراض مشبوها وطنيا ومعادية لأهداف شعبنا.