أطلبوا الكرامة من الصين…لا من المفاوضات والكنيست

د. عادل سمارة

لو كنت صينياً لفعلت ما فعلته الصين في لقاء “منتدى التعاون” مع العرب. “القدس الشرقية ليست عاصمة دولة فلسطينية” هكذا قالت الصين. فالصين دولة عظمى، وربما لها جهاز مخابرات بعدد الشعب الفلسطيني، فهل سيخفى عليها أن هذه الدولة لن تكون دولة؟

كانت الصين واضحة مع عرب التطبيع. فكيف لها أن تحترم من يُطبعون مع عدوهم محتل وطنهم؟ كيف تحترم الصين من يُجري انتخابات تحت الاحتلال الاستيطاني وبإذنه وبتمويل من العدو الأكبر (المركز الإمبريالي وخاصة الأميركي)، وانتخابات تحت احتلال عسكري في العراق لم يشهد له التاريخ حجماً ولا فظاعة؟ كيف تحترم الصين من يتفاوض على ترتيبات في وطنه وليس حتى على تراب الوطن؟

من لا يتعظ بنفسه يعظه الآخرون بأدوات لا تليق بالبشر. ومن لا يمثل نفسه يمثله الآخرون عنوة، ولأنه أضعف من تمثيل نفسه، سيقوده الاستخذاء والرخاوة إلى استطابة امتطاء الآخرين له، فكما تعتاد البطون الأكل تعتاد الظهور على الرحال. هل هذا الحديث ساخن؟ نعم، لكنه بالكاد يصل عقول كثيرين. إن أعلى درجات الفتك بالخانع أن يُمدح ضعفه كي يستقوي بالضعف والرخاوة.

رفضت الصين اعتبار القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية. لماذا تغضبون وتبكون؟ ليس هذا استشراق اصفر، هذا موقف واضح ومشرِّف للصين. قد يقول البعض: هذا لأن الصين متخلِّفة وتطمح في تعاون تقني مع الكيان. ربما، ولِمَ لا؟ هذا يعني أن الصين تحترم مصالحها وتحترم من يحترم نفسه، اي الكيان. لا نحب الكيان، بل هو عدو، ولكنه يعمل بشكل ثوري. ألا يستحق هذا احترام الصين؟ ألم يخلق الكيان لنفسه عٌشاً تكنولوجيا في النظام العالمي؟ فماذا خلقنا؟ أعشاش اغتصاب نساء فقراء تايلند وضحايا سقوط شيوعية موسكو، في خليج النفط؟ هل هذا مثار احترام؟

بين دقة وتماسك العدو وبين أمة غارقة في التطبيع من شعرها حتى ملابس رجالها الداخلية، هل تستحق الاحترام؟ الصين لا تحترم المطايا.

لا شك أن ممثل الصين في الحكم الذاتي وسفير الصين في تل أبيب (والذي سينتقل إلى القدس) قد توجهوا بالسؤال إلى نتنياهو:

سيدي : هل ستمنحوهم القدس الشرقية

كلا… نحن لا نفرط بأرض إسرائيل.

رُفعت الأقلام وجفت الصحف، هكذا تقول الصين. طالما ان الفلسطينيين والعرب يستجدون بعض أرضهم من عدوهم، فعدوهم لن يقبل أن يتقاسم معهم أرضهم. فلا يمكن للصين أن تحترمهم. الصين بلد اكبر ثورة في التاريخ والبلد الوحيد الذي كان فيه الاستعمار متعدداً (مناطق نفوذ) وتحرر بحرب غوار حقيقية، هل يؤمن بدولة مفاوضات من وراء حجاب! وحتى اليوم والصين في حرب غوار راس المال بأدوات الثورة المضادة، هل تحترم دزينتين من الدول رمت بمبادرتها كجثة ميتة على طالة غسيل الموتى منذ ثمان سنوات، والعدو يغسلها بالبول؟

ربع العالم في الصين التي حررتها الشيوعية/القومية هناك. فماذا عن شيوعيينا؟ فهم أولا لم يكونوا قوميين، وحين سقطت الشيوعية التحريفية قفزوا إلى الحضن الأميركي وقالوا لنا:

نحن اعترفنا بالكيان قبل الجميع، وهذه براءة اختراع تعجز عنها مردة الجان. وهذا دفع القومية الحاكمة، قومية راس المال التابع للتسابق معهم ولتعترف بالكيان بالطول والعرض. ولكن بقيت الطبقات الشعبية، القومية الكامنة والحقيقية، ولذا يجري الشغل على تخريبها وتطبيعها من قبل كل جلاوزة الأنظمة، جيوشها، مخابراتها، وأرتال دباباتها وحتى جيوش الرخاوة المثقفة.

مقابل اعتراف الشيوعية التقليدية بالكيان، فُتحت لهم مواخير براغ وصوفيا (كما قال لي المرحوم صليبا خميس) للاستراحة من محاضرات سوسلوف والعلماء السوفييت التي كانت تشرح لهم كتب الجاحظ وابن رشد.

في الصين الشعبية بعد الانتصار، جُمعت كافة النساء والرجال المصابين بالأمراض الجنسية في مصحات جسدية فكرية، ليتم تزويجهم بشرف بعدها. وفي رام الله بعد “استقلال أوسلو” لدينا مواخير (كما يقول تقرير اليونيفيم للعام 2008)[1]! فهل تحترمنا الصين الشعبية حتى وهي راسمالية؟

أليس هذا عجيباً! أن يكون اليمين واليسار في هذا الوطن كمبرادور؟

قضى اليمين القرن الكامل أداة تبعية وتطبيع للغرب ومع الغرب الراسمالي، وقضى اليسار تابعا للشرق السوفييتي إلى أن قضى الشرق نحبه فتزاحم اليمين واليسار على الحضن الغربي المخملي! وكان اليمين واليسار ضد الماوية. وحتى حين ترسملت الصين بقيت التبعية للغرب. والماوية خلقت الصين من جديد، وما تقرؤونه اليوم عن نمو الصين بدأته الماوية واستغله الانقلابيون بعدها لرسملة أنفسهم وليس الصين، لكن التحريفية الصينية أبقت الصين بلداً صناعياً. وقد يُزعج هذا السفير الصيني أن نقول عن دينج هيساو بينج تحريفياً، وربما لا!.

فالسفير يتقاطر إليه بقايا اليسار المحلي بالمديح. هذا يسار المرحلة.

كيف ستحترم الصين كل هذا التلاعب في مصير أمة باكملها وتراب قُطرٍ بأكمله مُهدىً للعدو! كيف ستحترم شارع لا يعرف الاحتجاج ويرتع في التطبيع. فالاحتلال موجود هنا كبضاعة وثقافة وفنون وعلاقات اسرية وربما أعمق. أليست هذه الأرض المحتلة هي التي تجلب المطبعين العرب؟ أليس أبطال الفكر هم الذين يشتمون من يرفض التطبيع؟ أليس المثقفين المتمركسين واليوم متأمركين هم الذين يشرعنون تطبيعا ويمنعون آخراً؟ ارتياد مواخير التطبيع الثقافي غدت مُصلَّى.

وبدل التسابق على النضال، يتسابق المثقفون المحليون مع المطبعين العرب على حضن الصهيونية هنا! يسار قديم ويمين قديم، لا فرق، كله متخارج، فالعبرة وطني أم لا، مطبع أم لا.

لماذا تحترمنا الصين؟ بينما مثقفون ومفكرون وحتى جمهور يحوِّل عضو كنيست إلى مفكر قومي، حتى دون أن يعتذر عن وقوفه في الكنيست وقد وضع على راسه تاج داوود وأقسم يمين الولاء لدولة اليهود؟ ويجلس في منتدى الشيخة موزة (رحم الله ولاّدة بنت المستكفي) وفي نفس المقعد الذي جلست عليه تسيفي لفني في ضيافة الشيخة وشمعون بيرس كذلك!

هل يفهم هذا الجمهور أن هذا تطبيع من طراز وزن برميل النفط؟ وأن التطبيع ينتقل من مؤخرة إلى أخرى؟ فلتُحرق المقاعد على الأقل.

حين تصل بك الهزيمة حدَّ إقناع مواطن بأن الخيانة أمر سيىء، وبأن التطبيع انحياز للعدو، ستكون محاولتك خيانة للوطن وللمواطن.

حين يجلس مذيع فضائية محترمة أمام فلسطيني هارب من الاحتلال ويزعم على الشاشة أمام الناس أنه منفي، ولا يعترض المذيع، فهذا تطامن يسمم ذهن المشاهدين، ويمسح نضالات حزب بأكمله.

حين يحتفي متقاعدو النضال في الوطن والشتات وفي الوطن العربي بمطبعين على الفضاء، يكون المطبِّع كمن يمشي في جبل وعر، ويجد ما يُريحه من المشي. فهل يواصل المشي على قدمبه؟

إن جمهوراً ينسى أمس، هو فاقد للذاكرة السياسية تاريخياً، هو حالة اغتراب هروبي عن الواقع بقصد وسوء نية وطوية، متهرب من دفع فاتورة التضحية. أما تمسك هكذا جمهور بالتراث، فليس أكثر من رجعة إلى ماضٍ لا يعود ولم يكن ابداً كما يصورونه، ليس هذا استشراقاً بالطبع بل استرجاع ما لا يرجع.

هناك أمم لها تاريخ وأخريات، أتعسها الله فهي بلا تاريخ. إنما حين نجد أمة يشطب تاريخها ساستها ومثقفوها، فهذه لن يغفر لها التاريخ.


[1] حين قرأت هذا، وأرسلته للزميلة بادية ربيع لتكتب عن الأمر وكتبت أنا، سألت االسيدة رندة سنيورة من لهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في رام الله: هل تتابعون هذه المسألة؟ قالت لي لا. نحن لا نتابع هذه الأمور! بعدها عرفت أن هذه الهيئة معينة من قبل رئيس السلطة الفلسطينية. ندمت أنني حين دُعيت لحضور احتفالهم قبل بضعة اشهر، حضرت وبالطبع رايت السلطة كلها هناك، لم أكن أعلم أن هيئة رقابة السلطة معينة من السلطة نفسها!! وحين علمت من السيدة سنيورة أنهم لا يعتبرون متابعة انتشار الدعارة ضمن عملهم، لمت نفسي بأنني أنسى للحظات أنني أعيشهنا! ولكن هل الهيئة بكامل هيئتها مستقلة عن السلطة أم عن الناس؟