ازمة الاتحاد الاوروبي وفاتورة تبعيته النقدية والعسكرية لامريكا!

جمال محمد تقي

بعد 11 ساعة من اجتماع ـ ازمة طاريء ـ لوزراء مالية دول الاتحاد الاوروبي، مساء يوم 9 ايار، استطاع المجتمعون طي كل اعتراضاتهم الجدية والتوصل لوضع خطة انقاذ جماعية، كحاجز صد ووقاية من انتقال عدوى ازمة اليونان الى عموم منطقة اليورو، الجميع بقارب واحد، فانهيار اليونان يعني انهيار لليورو ذاته، وعلى هذا الاساس اقر الجميع خطة الانقاذ الجماعية تلك، انهم يضخون الاموال لشراء، وكفالة الديون المستحقة على الحكومات ومصارفها الكبرى، بالضبط كما فعل اوباما في معالجات الازمة الام مع كبريات المصارف الامريكية!

تقتضي خطة الانقاذ معالجة تداعيات الانهيار المتصاعد في مجمل الانشطة المالية لدول الحواف الاوروبية بدءا باليونان المرشحة للافلاس، ومرورا باسبانيا والبرتغال المرشحتان للخطر ذاته، وبالتالي من يأتي عليه الدور من الدول الاعضاء الاخرى، سلة نقدية لسداد القروض، وضامنة لتجديد بعضها بحدود 500 مليار يورو تساهم بها كل دول الاتحاد الاوروبي من داخل منطقة اليورو وخارجها، اضافة الى 25 مليار يورو مساهمة من صندوق النقد الدولي للحيلولة دون انتقال العدوى عالميا!

ما زالت دول الاتحاد الاوروبي تعيش مرحلة الارتدادات الاولية لزلزال وول ستريت الاخير والذي لم يكن بالتاكيد نتاج لمؤامرة حقيقية اوهمية قام بها مصرف بعينه او مجموعة من المصارف الاستثمارية في مجال العقارات، والتي تسببت بالتالي في بعثرة الاصول المالية وقيم سنداتها، من خلال عملية التوظيف المتراكم والمتلاعب بحجم الدين والفائدة وعلاقتها بالاسهم والسندات والاوراق المالية وقيمها الفعلية المتداولة في اكثر من دورة مصرفية بغطاء من الاندماج المتيسر بين ما هو تجاري واستثماري، والذي ظهر وكأنه محلل الوقوع والتصريف، ومحرم نظريا واخلاقيا، لخرقه قواعد اللعبة الاستعمالية والتبادلية في عملية تدوير الراسمال المالي، ولو كان الامر ليس كذلك لامكن تجاوز الازمة فعليا من خلال عزل الاسهم والسندات المضروبة، وتعويض ضحاياها ـ المصارف الوسيطة ـ بضخ اموال تغطي الاطار الوسطي للقيم الفعلية وتراكماتها المتضررة، وهذا ما حاول فعله اوباما عمليا وبدون تردد، عندما ضخ مئات المليارات من اموال دافعي الضرائب، لتصلح المصارف حالها، لكن ما دفع اوباما نفسه اليوم للقول : بان لا صلاح للاقتصاد الامريكي الا بالرجوع لنظام الانتاج البضاعي وعملياته المالية السلسة، وفصل النشاط التجاري عن النشاط الاستثماري مصرفيا وائتمانيا، وضرورة خضوع النشاط المالي للمصارف والبورصات للمراقبة المنتظمة من قبل الدولة، لان الاقتصاد المالي الخدمي لا يقيم مجتمعا مسؤولا ومستقرا، محذرا من ان هناك ازمة عاصفة قادمة اذا بقي الحال على ماهو عليه ـ عجز مالي فدرالي يقدر بحوالي 10 ترليون دولار، ودين فدرالي مرتفع بمعدلات سنوية متصاعدة، ستصل الى حدود 90 بالمئة من قيمة الناتج المحلي الاجمالي بحلول عام 2020!

ما قاله اوباما يجعلنا وبدون تردد ايضا ندرك بان هناك شيء اخطر من ما هو معلن ـ على اعتبار ان الازمة اخذت اشكالا عامة وشاملة، حتى بعد سريان مفعول علاجات اوباما ومسكناته النقدية ـ وبأن الامر كله يشي بأعماق لا حدود لها وهي اكبر مما قد يتصوره حتى من تضرر مباشرة من جراء الازمة الاخيرة!

ما زالت ايسلندا تتلوى من اعصار الازمة المالية الذي عصف بها، وهي ليست من مجموعة منطقة اليورو، وكذلك اغلب بلدان العالم المندمجة بفعالية بمنظومة النشاط المالي العالمي، بما فيها الصين وروسيا والبرازيل، والامارات الريعية، كدبي ومونتى كارلو، والان يتحرك السونامي ليضرب سواحل اليورو وبقوة، بالتزامن مع الارتدات الداخلية للازمة على مركز منطقة اليورو ـ المانيا وفرنسا وايطاليا ـ والتي لا تزال بطور التفاعل المتفاوت التاثير، مما يعني بان منطقة اليورو مهددة من مركزها كما هي مهددة من اطرافها، وان مواجهة ضربات تلك الازمة على جبهة اليونان واسبانيا والبرتغال هو لردع التغلغل من الاطراف للمركز بذات الوقت الذي يعالج فيه المركز الاختراقات المتوالية لسموم الازمة المنتقلة بواسطة الدورة المالية العالمية الشبيهة بالدورة الدموية في الاجسام الحية ـ دورة دموية صغرى وكبرى مترابطة الدور والفاعلية، ونشاط مالي داخلي وخارجي، كذلك مترابط الدور والفاعلية ـ !

نعم لقد تبين ان اللعبة اكبر من ذلك بكثير انها تعود بجذورها الى كل تركيبة الاقتصاد المالي العالمي والذي تهيمن عليه الطغمة الدولارية المتكافلة مع الباوند والين ومن ثم اليورو الذي التحق بالركب مؤخرا!

عام 1971 انسحبت امريكا من معاهدت بريتونوود، القاضية بالزامية توفر 20 بالمئة كغطاء ذهبي من قيمة كل عملة متداولة، عندها تحرر الدولار من اي غطاء فعلي، وبالتالي تحول الى نقد سياسي، متداول بحكم قوته الاسمية المكفولة بحجوم التجارة المرتفعة داخليا وخارجيا وكونه معادل مفروض بتعاملات الطاقة والسلاح، وحتى المخدرات، وايضا ربط المديونيات العالمية به، ثم ما قرره مؤتمر رامبوييه عام 1975 الذي نظمته كبريات الدول الراسمالية بزعامة امريكا لاعتماد نهج يزكيه صندوق النقد الدولي لاحقا، بحكم قوة هيمنة مجموعة العشرين فيه، والتي تستمد تلك الهيمنة من اقتصاديات بلدان الدولار والباوند والين، بجعل كفالة تلك العملات لبعضها البعض تغطية لخروجها على قاعدة المعادل القيمي، وبالتالي اصبحت عملاتها نقدا مفصول القيمة ـ بضاعة ملكية ـ تشبه بدلة الامبراطور الوهمية، بحيث جرى تثبيت قيم في تلك العملات لا تقبل التثبيت ـ الدولار يساوي 60 بالمئة من الباوند ويساوي 70 بالمئة من اليورو ويساوي 115 من الين، مع الهامش الضيق للذبذبة، وعليه ستبقى كفالة هذه العملات لبعضها تلعب دورا لنقل ازمات بعضها للبعض الاخر وكانها اواني مستطرقة لا يدخل سائل احدها حتى يتغلغل الى الاواني الاخرى ولا يستقر حتى يصبح وجوده بمستوى واحد في جميع تلك الاواني!

الديون السيادية لليونان تقارب ال 300 مليار يورو وتحتاج الى 54 مليار هذا العام لتسديد الديون المستحقة، وما زال الانفاق الحكومي يتجاوز الانتاج القومي بمعدل يقترب من 30 بالمئة، وهذا يشير الى سعة استنزاف القطاع الخاص لقطاع الحكومة، والاثراء على حساب الاموال العامة، وايضا الى انماط من الفساد والبطالة المقنعة المنتشرة في مختلف الانشطة الاقتصادية اليونانية، ورغم ذلك تبقى الازمة بجوهرها ازمة مالية مسببة بالاستثمارات المالية المضروبة مصدريا على شكل ديون واسهم.

وككل حلول غيرمنصفة للنظام الراسمالي ومشكلاته المزمنة فان من يدفع الثمن هم الطبقات والفئات الدنيا والمتوسطة في المجتمع اما الذين تسببوا فعليا بالازمات بل واثروا بسببها فانهم اخر من تمسهم اجراءات التقشف وشد الاحزمة، وهذا الامر لا يتعلق باليونان وحدها، بكل في كل الدول الاوروبية التي تعاني من ازمات متفاوتة في اقتصادياتها، كل اجراءاتها تتجه نحو تخفيض الاجور والضغط على الرعاية الصحية والاجتماعية!

ان فصل اليورو عن الدولار تماما وفصل الامن الاوروبي، عن الامن الامريكي، بتكوين جيش اوروبي مستقل عن الحلف الاطلسي الذي انتهت مبررات وجوده، سيكون فصلا مجديا عن المصادر المزمنة للازمات المضافة او المصدرة، خاصة وانها اليوم ليست كما كانت ايام الحرب الباردة!